في هذا الجزء سوف ننشر نص بيان «رابطة العاملين بالصحة»، الذي نُشر في 10 فبراير (شباط) 2016م للدعوة ليوم الكرامة، خاتمة لهذه السلسلة من المقالات، والتي سوف نتوقف فيها عند الجمعية العمومية 12 فبراير 2016م، باعتبار هذا اليوم حدثًا مفصليًّا، ما جاء بعده هو «سقوط حر» لمجلس النقابة ولأحوال الأطباء عمومًا، وصولاً إلى الحضيض الذي نراه اليوم، وقد نسرد تفاصيل هذا السقوط في مقالات لاحقة

…………….

لا يمكن الفصل بين ما حدث من جرائم ارتكبتها الداخلية متمثلة في أمناء شرطتها في حق طبيبا مستشفي المطرية عن اعتقال الطبيب طاهر مختار، عضو رابطة العاملين بالصحة، و عضو لجنة الحريات بنقابة الأطباء بتهمة المطالبة بالحرية للأطباء المعتقلين بتهم ملفقة، والمطالبة بحق السجناء في الرعاية الصحية، لا يمكن فصله عما سبقه من جرائم ارتُكبت في حق الأطباء والمستشفيات الميدانية بالمخالفة لنص قرار مجلس الأمن الدولى رقم 2139 بشأن تجريم الاعتداء على المنشآت الطبية والمستشفيات الميدانية، والذي يلزم جميع الأطراف باحترام مبدأ الحياد الطبي، وأن يجري احترام وحماية الأفراد العاملين في المجالين الطبي والإنساني، كما يشدد على ضرورة عدم الإفلات من العقاب على ما يُرتكب من انتهاكات وتجاوزات لحقوق الإنسان.

فهناك ما يزيد على 179 طبيبًا معتقلًا و29 قتيلًا و80 مصابًا، وفقًا لإحصاء موقع مصر العربية حتي يناير (كانون الثاني) 2014م، وللأسف لم تبذل نقابة الأطباء أي مجهود حتى في حصر الأعداد، ناهيك عن التضامن معهم، كما أنه في آخر ثلاثة أشهر قتلت الداخلية الطبيب البيطري عفيفي حسني في الإسماعيلية، والطبيب البشري الدكتور محمد عوض في الفيوم، واعتقلت الطبيب أحمد سعيد بتهمة سياسية ليحكم عليه بعامين مع النفاذ، ثم اعتقلت الطبيب طاهر مختار.

لا يمكن فصل الاعتداء على أطباء المطرية عما تفعله الداخلية في سلخانة قسم المطرية من تعدٍ وتعذيب وقتل يومي للمواطنين، لا يمكن فصله عما يحدث للصحافيين – فهناك وفقًا لنقابة الصحافيين 30 صحفيًّا معتقلًا، بالإضافة إلى صحافيين آخرين غير أعضاء في النقابة؛ إذ تقدَّر منظمات حقوقية ارتفاع عدد الصحافيين المعتقلين بمصر إلى 110 صحافيين وإعلاميين. هذا غير 700 صحافي مفصول بتهمة الممارسة المهنية للعمل الصحفي.

لا يمكن فصله عما يحدث للمحامين من اعتداءات على يد الداخلية، وكلنا يذكر ما حدث لمحامي البحيرة ومحامي شبرا الخيمة وغيرهم كُثُر، لا يمكن فصله عما يحدث للعمال من فصل تعسفي، كما حدث لكمال الفيومي وزملائه ومن اعتقال، كما حدث مؤخرا مع العامل «سعيد شحاتة»، أحد عمال الشركة العربية للغزل والنسيج «بوليفار»، ومن قتل كما حدث للعامل «هشام رمضان» بشركة أسمنت العريش، والذي قُتِلَ برصاص الجيش في موقع عمله، لا يمكن فصله عن مقتل المواطن طلعت شبيب من جراء التعذيب الذي تعرض له على أيدي قوات الأمن داخل أحد أقسام الشرطة بمحافظة الأقصر.

لا يمكن فصله عن عشرات الآلاف من المعتقلين في سجون الاستبداد العسكري.

فما حدث من أميني الشرطة هو عرض متكرر لمرض عضال يجتاح حياة الشعب المصري بشكل لا يفرق بين كون الأطباء داخل المستشفيات أو خارجها، كما أنه لا يفرق بين الأطباء وبين باقي قطاعات الشعب المصري من صحافيين ومحامين وعمال وغيرهم.

فنحن نرى أن الفصل بين ما هو نقابي وما هو سياسي ليس إلا وهمًا تروج له الدولة والبيروقراطية النقابية لفصل النقابة عن المجتمع وهو في تقديرنا تجزئة ما لا يتجزأ وفصل ما لا ينفصل.

لذا فإن مواجهة مثل هذه الجريمة لن يكون بإجراء واحد بسيط ومباشر مثل محاكمة أمناء الشرطة المعتدين (هذا لو حوكموا أصلًا في دولة «مفيش حاتم بيتحاكم»)، لكن يجب أن يوضع تصور شامل عن الأزمة بناء على تشخيص سليم من أجل الوصول إلى علاج جذري لاستئصال أصل المرض، وليس الاكتفاء بمعالجة الأعراض؛ ولهذا نقترح:

أولًا: التمسك بضرورة محاكمة الجناة من أمناء الشرطة، وفصلهم من عملهم، والتمسك بإضراب مستشفى المطرية، وإعلان جدول زمني لإضراب جزئي مفتوح مع البدء في جمع الاستقالات الجماعية المسببة، تمهيدًا لتنظيم مسيرة إلى مجلس الوزراء لتقديمها.

ثانيًا: لا بد أن نؤكد في الجمعية حق الأطباء في ممارسة كل وسائل الضغط السلمية من وقفات احتجاجية واعتصامات وإضرابات بوصفها وسائل للضغط من أجل تحقيق مطالبنا وصون كرامتنا داخل أماكن عملنا وخارجها.

ثالثًا: المطالبة بإقرار قانون واضح لتجريم الاعتداء على الأطباء بأي شكل مادي كان أو معنوي، وتأكيد أن المحاضر تقدم من المستشفى طرفًا، وألا يكون الطبيب طرفًا في المحضر.

رابعًا: نرى أن مجلس النقابة حاليًا ووفقًا للانتخابات الأخيرة مفوض بعمل كل ما يراه لازمًا لحماية الأطباء ومصالحهم، ولكن لزيادة في التأكيد نرى تفويض مجلس النقابة في الجمعية القادمة باتخاذ كل ما يلزم لضمان الأمان الشخصي والمهني للأطباء، بما فيه كل الإجراءات التصعيدية اللازمة لذلك وصولًا للإضراب في كل تعد جديد.

خامسًا: إن كرامة الطبيب لا تكون فقط في محل عمله، ولكنها تنسحب إلى كل ممارساته اليومية في البيت والشارع، ولهذا نطالب بإلزام النقابة بالدفاع عن الأطباء المعتقلين بتهم ملفقة في السجون، وعمل حصر سريع ودقيق بأعدادهم.

وأخيرًا، ولأن هذه الأزمة كما عرضنا لا تمس الأطباء فقط، ولكنها تمس بشكل مباشر كل قطاعات المجتمع المصري المتضرر من المسلسل المتواصل لتعسف الدولة والقتل والاعتقال العشوائي وغيرها من الممارسات الاستبدادية التي تقوم بها الداخلية، نري في هذه اللحظة ضرورة محاربة أي نزعات بيروقراطية تهدد بتفتيت الجهود بين أصحاب القضية الواحدة ضد توحش الداخلية وتمدد القبضة الأمنية، ونرى أن طبيعة ما نواجهه يفرض على كل منا ضرورة التسامي فوق ذاته الشخصية والمهنية، والسعي لخلق جبهة مجتمعية ضد هذا الكابوس الذي يهدد الجميع عبر تشكيل جبهة من كل المنتسبين لاتحاد المهن الطبية، وعمل تنسيقية مع كل المتضررين من ممارسات الداخلية في نقابة الصحافيين والمحامين وغيرها من النقابات وقوى المجتمع المدني، وكل القوى السياسية المتضررة، والسعي بكل الطرق الاحتجاجية اللازمة لوقف هذا المسلسل من البلطجة التي تقوم بها الداخلية، ورفع شعار إقالة وزير الداخلية وتطهير وزارة الداخلية في القلب من هذه التنسيقية.

وقد كان للنقابة دور مماثل لذلك، ولا بد من الإشادة به عندما حشدت كل القوى النقابية في كل القطاعات المجتمعية مع كل قوى المجتمع المدني ضد قانون «خصخصة التأمين الصحي».

فكما أن مشروع التأمين الصحي يمس كل قطاعات المجتمع، فإن عسف وبلطجة الداخلية أيضًا يمس الجميع، ويهدد الأسس الديمقراطية والمناخ الديمقراطي التي تقوم عليهما الممارسة النقابية بالكلية، وبالتالي فالوقوف ضدها هو فرض عين على كل نقابي، ولن يحدث ذلك سوى بتوحد المجتمع خلف هذه المطالب، وإعادة إحياء الحركة الاحتجاجية للمطالبة بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد