لا يمكن قراءة كل ما سبق بمعزل عن الوضع السياسي العام، فبعد الانقلاب العسكري مباشرة كان الاستقطاب قائمًا على العداء للإخوان، وكان من يطلق عليهم اسم قوى مدنية، بالإضافة إلى نقابيين معروفين مثل كمال أبو عيطة من الداعمين للانقلاب، أعضاء في حكومة الببلاوي، ومن الجدير بالذكر أن منصب وزارة الصحة عُرض على منى مينا المتحدث الإعلامي لأطباء بلا حقوق بعد الانقلاب مباشرة في الحكومة نفسها، ولكن أغلبية أعضاء الحركة صوتوا لصالح رفض المنصب (كان موقف المجموعة الراديكالية الرافض تمامًا لتولي عضو بالحركة أي منصب في حكومة الانقلاب العسكري هو الذي رجح قرار الرفض، وجرى فصل هذه المجموعة بعد هذا الموقف بشهور قليلة كما سردنا سابقًا).

أقرت هذه الحكومة قانون منع التظاهر، ورفعت مدة الحبس الاحتياطي، وأعطت الأمر بفض اعتصام رابعة والنهضة، وكل المجازر التي ارتكبها العسكر ضد الإسلاميين بهذه الاعتصامات وغيرها. وبالطبع امتد هذا التحالف وألقى بظلاله على أداء مجلس نقابة الأطباء في الشهور الأولى للانقلاب العسكري حتى لو ادعى الحياد، فصمت المجلس بشكل شبه كامل عن المذابح وفض المستشفيات الميدانية بالقوة واعتقال الأطباء والنقابيين، وعلى مستوى الرعاية الصحية المقدمة للمعتقلين بالسجون حتى لو كانوا من الأطباء، ورجح النهج التفاوضي والقضائي في التعامل مع مشكلات الأطباء ومظالمهم بين النقابة والحكومة، وتعمد تثبيط أي محاولات للتصعيد المطلبي ضد الحكومة، وقد سردنا في السابق موقف المجلس من إضراب 2014م، كما أنه رغم صدور حكم محكمة ببدل عدوى 1000 جنيه للطبيب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015م، لم يقم المجلس بالدعوة لجمعية لحشد الأطباء على تصعيد مناسب لإجبار الحكومة على تنفيذ الحكم الذي طعنت وزارة الصحة عليه.

ملاحظة 1: ما حدث لا يختلف كثيرًا عما قام به الإخوان بعد الثورة مباشرة إلا في حجم الدماء الذي تورط فيه تحالف ما بعد الانقلاب العسكري، فكما انعكست التحالفات السياسية للإخوان على أداء مجلس النقابة، سواء مع المجلس العسكري، أو بعد وصول محمد مرسي للحكم، انعكس تحالف القوى المدنية مع المجلس العسكري في أداء مجلس النقابة الجديد أيضًا.

ملاحظة 2: بمجرد تحقيق تحالف بلا حقوق الانتخابي الأغلبية داخل المجلس في 2013م اختفى من المشهد اسم «أطباء بلا حقوق» وحل محله اسم «قائمة الاستقلال» ( استخدم هذا الاسم انتهازيون وفلول الحزب الوطني في مواقع أخرى) ليحل هذا التحالف الانتخابي محل الكيان النضالي السابق عليه في دلالة واضحة.

مع انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2015م التي حققت فيها قائمة الاستقلال أغلبية ساحقة، كان هناك في العمق تحالف من نوع جديد يتشكل داخل المجلس، فالقيادة القديمة صاحبة التاريخ النضالي الطويل رأت بعدما تخلصت من قواعدها الأكثر راديكالية في 2013م (الأمر الذي خلق حالة كبيرة من الفراغ) ضرورة سد الفراغ بتحالف جديد يضم قطاعات من الأطباء سهلة الانقياد، وتفتقد للتجربة النقابية والخبرة النضالية الطويلة، والأهم الرؤية السياسية الشاملة؛ وهو ما عزز من الجناح البيروقراطي والانتهازي داخل المجلس، ليتصدر الدكتور حسين خيري والدكتور أسامة عبد الحي، أساتذة الجامعة المعادون لفكرة الإضراب، المشهد إلى جوار منى مينا وإيهاب الطاهر العاملين بوزارة الصحة والمؤيدين القديمين لفكرة الإضراب، جرى هذا في الوقت الذي كانت فيه تحالفات 30 يونيو على المستوى السياسي العام قد تفككت نسبيًّا، وجرت إطاحة الجناح السياسي المدني من الحكومة، وبدأت التهديدات الصريحة والمبطنة للنقابيين؛ مما خلق فتورًا في العلاقة بين النظام والجناح الإصلاحي الذي شارك في الانقلاب وامتداده داخل نقابة الأطباء والمتمثل في «قائمة الاستقلال»، هذا الفتور كان يحتاج بعض الضغط المحسوب لتحريكه بما لا يخلق صدامًا كبيرًا مع السلطة بحجة أنه يجب ألا نهز المركب حتى لا يعود الإخوان. وكانت هذه هي الصورة لحظة أحداث مستشفى المطرية، دار الحكمة يسيطر عليه تحالف بيروقراطي وانتهازي، ولحظة جفوة شديدة بين القوى المدنية المشاركة في الانقلاب والنظام.

أما على مستوى قواعد الأطباء في المستشفيات، فقد كان لتراكم النضال لسنوات أثر كبير في الارتفاع بمستوى وعي عموم الأطباء حول مفهوم العمل النقابي، بجانب تزايد حدة الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الطبيب بوصفه جزءًا من المجتمع، شكَّلَ توحش الداخلية حافزًا قويًّا آخر خاصةً مع تزايد حالات تعدي أفراد الداخلية على الأطباء، بقتل طبيب الإسماعيلية البيطري، ثم قتل طبيب الفيوم، واعتقال الطبيب أحمد سعيد، والطبيب طاهر مختار، كل هذا خلق حالة تراكمية من الغضب، وكانت أحداث مستشفى المطرية هي الشرارة التي فجرت هذا كله، ليتم الحشد لجمعية عمومية تاريخية في 12 فبراير (شباط) 2016م، حضرها أكثر من 10 آلاف طبيب، تظاهروا قبلها أمام دار الحكمة ضد الداخلية دون تصريح في تحد صارخ لقانون منع التظاهر.

ولكن في المقابل، وجدنا الدكتور حسين خيري نقيب الأطباء يهدد من فوق منصة الجمعية بالاستقالة من منصبه في حال تم التصويت لقرار الإضراب الجزئي، ليس هذا فقط، بل عبر بنفسه إلى الجانب الآخر من الطريق قبل انعقاد الجمعية العمومية بدقائق لإلقاء التحية على قيادات الداخلية التي تحاصر مقر النقابة، وعندما ارتفع صوت هتاف الحضور بالقاعة «الداخلية بلطجية»، أخرستهم المنصة بالهتاف «مهنية.. مهنية» حتى توقف الهتاف المعادي للداخلية من الحضور، وحتى قبل الجمعية لم يصدر أي بيان من النقابة بخطوات تصعيدية واضحة ليتم التصويت عليها، فرغم إعلان مجلس النقابة، ربما تحت ضغط الغضب الكبير لعموم الأطباء، الوقوف بجانب أطباء مستشفى المطرية وحقهم في الامتناع الاضطراري عن العمل لحين اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه بلطجة أمناء الشرطة وحماية المستشفى بشكل حقيقي، وتوجه وفد من النقابة إلى مكتب النائب العام للمطالبة بفتح تحقيق فوري في القضية، إلا أن معظم أعضاء المجلس كانوا في حالة تردد حول كيفية التصعيد وطبيعة المطالب التي سوف يجري طرحها على الرأي العام في الجمعية العمومية القادمة، كما كان يسيطر عليهم هاجس العداء للإخوان، وضرورة ألا نهز المركب ونصطدم بالحكومة حتى لا يعودوا، وللأسف ما حدث هو أن دفعت قيادة الجمعية العمومية ونقيب الأطباء القرارات في اتجاه بعيد عن الإضراب والصدام مع الحكومة، لينتهي الأمر باتخاذ قرار تقديم العلاج المجاني بالكامل، دون العمل على وضع آليات أو لجان أو خطة حقيقية لتنفيذه.

في البداية رجَّ الحكومة بشدة مشهد التجمع الكبير للأطباء وهتافهم ضد الداخلية، مما دفعها إلى تحديد موعد للقاء أعضاء مجلس النقابة مع رئيس الوزراء، وهو ما جرى التراجع عنه لاحقًا واستبداله بلقاء مع وزير الصحة، وهو ما جرى التراجع عنه أيضًا بعدما تكشَّف للحكومة يومًا بعد يوم مدى ضعف القرارات التي صدرت عن الجمعية العمومية، وتردد مجلس النقابة وعدم جديته في التصعيد ضدها، وإن جل ما يريده هو المسار القضائي والحصول على حكم ضد أمناء الشرطة حدًا أقصى وفقط. ومن ثم تجاهلت الحكومة الأمر بشكل واضح، كما جاء قرار الرئيس بالتجديد لوزير الصحة الذي حولته الجمعية العمومية للجنة آداب المهنة تتويجًا لهذه الاستهانة، ليصل الحال إلى عزوف الأطباء عن حضور جمعية 8 أبريل (نيسان) من العام نفسه في رسالة رمزية لمجلس النقابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد