لا تستبق الأحكام على الآخرين فتَظْلِم أو تُظْلَم، كثيرًا ما يكون المرء سابقًا لرأيه، وسريع العجلة في تقديره، وصادرًا لحكمه كما يرغب ويعتقد، دون أن يتحقق أو يتأكد؛ فيصغر في عيون من صدر عليهم حكمه، ويستصغرون جهله؛ فيكون قد ظلم نفسه وسبق حكمه على الآخرين بقلة علمه، وبسوء ظنه فلا أصاب في حكمه، ولا أنصف بسوء ظنه، وغرق أكثر في جهله، المرء العاقل من لا يستبق الحكم على الآخرين بكل الظروف، مهما كبرت أو صغرت، أو قلت أو كثرت وإن كان ظاهرها تأكيدًا لما قد يلتبس الشك فيه من إصدار حكم ما باختلاف الظروف، لكن ما قد يجعل المرء سباقًا في أحكامه سماعًا لرأيه وأقاويله على الآخرين هو قلة في الوعي، وضعف في الإدراك، وجهل في التفسير، وسوء في الظن، واستصغار في التقدير، وعدم النظر الى سوء العاقبة والتدبير.

السباقون في الأحكام أشبه بدمى تحركها الظنون، وأشبه بالسفن عندما تفتقد القبطان، وأشبه بالسهم الذي يرمى بعشوائية ولا يعرف مساره الصحيح، كثيرًا من يستبقون الأحكام على الآخرين ترى أن تقبلهم لمختلفي الرأي عنهم ضيق، ومساحتهم في الاستماع شبه معدومة فلا يرى في نفسه القدرة على الاستماع، ولا يرى غيره سوى رأيه وحكمه المفروض، فيكون تائهًا لا يعرف لحظة اكتشاف الحقيقة؛ فلا تؤثر فيه حتى عندما يعلم أنه أساء الحكم والتقدير، سابق الأحكام دائمًا لا يستطيع أن يتحكم بالوعي؛ فيتجاهل الوعي والحقيقة، ويمشي في طريق الظنون والتوقعات السيئة، فلا ينال من سوء ظنه إلا الحسرة والندامة، ولا يرى من توقعاته سوى التدليس والتلفيق، قد يسبق صدور الأحكام والأقاويل على الآخرين مميزات، منها أنه يعد أسهل طريقة في العصر الحديث بمعرفة الأشخاص وطبائعهم وصفاتهم، مما يجعل الشخص العاقل يكتشف الذي أمامه.

سيئ الظن شخص فاقد للثقة بنفسه، تتغير أقاويله بين ليلة وضحاها، وبين لحظة وأخرى، لا يعرف ماذا يقول أو كيف سيعتذر بعد أن يقال إن هذا شخص متهجم، أو يصفونه بصفات سيئة في ظاهرها، ولكن في باطنها صفات حقيقية موجودة في كل شخص يسيء الظن بالآخرين، يثقل على سيئ الظن الاعتذار؛ فهو متوهم بأنه دائمًا على صواب، ومستصغر ردود فعل الآخرين على سوء ظنونه، فلا يبالي بما قد يجنيه من سوء ظنه، ولا يتفاءل بما قد يصيب صحة سوء ظنه بغيره من الصواب أو الخطأ.

لذلك أكثر ما يجعلنا نتعجب ونستغرب، وربما نستنكر بشدة تصرفات سيئي الظن بأنهم لا يبالون بسوء أحكامهم، وربما يفقدون حاسة الإحساس بالآخرين، قد يتجرد الشخص الذي يسبق أحكامه على الآخرين من كل صفات الإنسان، حتى يصبح ثعلبًا ماكرًا بقلة وعيه، وأفعى تلدغ بكلامها من حولها بسوء أحكامه وأقواله، لكن كل ثعلب ماكر سيجد أسدًا يأكل مكره أمام عينه، فيجرده من أحكامه وسوء تقديره في مواجهة من هم يملكون من حسن التصرف ما يفوق المكر والخداع.

واما الأفعى قد تجد قطة بريئة تأكلها بلدغاتها، فلا تبقي لها أثرًا، وتلدغها بلدغاتها ولا تستطيع أن تفعل أي شيء آخر سوى أنها أساءت التقدير، وصورت لها براءة القطه بأنها يسهل عليها لدغها وأساءت تقدير أن ما قد يكون بريئًا وتسيئ إليه ربما قد يعاملك بسوء ظنك فيغلبك، وتكون عبرة لمن لا يعتبر، دائمًا من يسيء الظن ويحكم على الآخرين قد يندم في وقت لا ينفع فيه الندم؛ فيصبح منبوذًا، ولا أحد يرغب في الحديث معه، يتجنبه كل من هم حوله أهله وأصدقائه، فيتحولون من محبين إلى مجاملين له، وهو يعلم ذلك، لكن في كثير من الأحيان قد يعدل من يسيء الظن عن تصرفاته، لكن مهما يكن ليس من السهل كما تسيء الظن أن يسامحك من أسأت الظن فيه أو ينسى ما قد قلته فيه، وإن عملت بخطئك، ولكن ثق دائمًا يا من يواجه الكثير من الذين يسيئون الظن أو يستبقون الأحكام على الآخرين بأن ظن العاقل، وهو أنت، أصح من ظن الجاهل الذي يسيء التقدير، ولكن العفو عند المقدرة في حال اعترف بقبح فعله، وسوء ظنه، ولكن في كثير من الأحيان قد يغلب الطبع على التطبع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد