عندما يقبل المرء على فعل شيء ما أو تصرف ما لا بد أن يكون هنالك دافع ومحفز داخلي دفعة للقيام بالعمل أو بالفعل، وهذه الدوافع المحفزة نطلق عليها أو ما تعرف بالنية؛ نية الفعل؛ والنوايا هي المحرك الرئيس لأية حركة ولأي فعل يقدم علية الإنسان.

أجمع علماء النفس أنه لا يوجد حركة ما وفعل ما من قبل الإنسان ولا تسبقه نية داخلية تدفعه وتحفزه لذلك.

هل لاحظت نفسك عندما تشرب الماء قبل أن تمسك الكأس بيدك، ما نيتك قبل الفعل؟

نية الفعل تأتي لا شعوريًا، وهي أنك تريد أن تشرب، ومن ثم كان الفعل بعدها فأخذت الكأس حتى تشرب؛ فنشعر بالارتواء من الماء.

إن أوقفت شخصًا ما يمشي في الطريق وطرحت علية هذا السؤال:

لماذا تمشي؟ وما الذي دفعك للمشي؟

إنه بالطبع سيتعجب من سؤالك ويقول: أمشي لأني أريد أن أذهب إلى العمل، على سبيل المثال، والذي دفعه لذلك هو الحاجة للعمل الذي يتقاضى مقابله المال نهاية كل شهر، الذي يؤمن له ولمن يعولهم المعيشة واحتياجات الحياة الطبيعية.

إن المغزى من وراء هذا السؤال ليست الإجابة الاعتيادية، والتي نعرفها مسبقـًا، ولكن المغزى هو الفكرة أو النية التي دفعته للمشي والذهاب والحركة والعمل.

إذن اتفقنا أولًا على أن أية حركة وفعل يسبقها فكرة ونية داخلية، إذا لابد من دافع يدفعنا ويحفزنا للعمل والحركة، ولا تخرج هذه الأفكار والنوايا المحفزة التي هي الوقود المحرك بالنسبة لنا عن إطار المشاعر! نعم المشاعر هي كل ما نبحث عنه ونريد امتلاكه، وإن اختلفت الأشكال وتنوعت الطرق وتلونت المفاهيم.

«الإنسان في كل حياته بأفعاله بأفكاره من طفولته حتى شيخوخته يعيش من أجل الحصول على المشاعر»
نعمل من أجل المال ومن أجل إثبات الذات ظاهريًا، وفي نهاية المطاف نسعى لذلك من أجل أن نحصل على مشاعر الراحة والأمان والإنجاز.

نسعى للزواج والارتباط والإنجاب والتكاثر ظاهريًّا، وفي نهاية المشوار نريد أن نحصل على مشاعر الراحة، الأمان وضمان البقاء بالتسلسل، الإنجاز وتحقيق الذات برؤية أبنائك وهم يكبرون نشعر بالفخر والتباهي.

نسعى للعلم والتعلم والمعرفة ظاهريًّا، وفي نهاية المشوار من أجل الحصول على مشاعر الثقة، الأمان والمكانة الاجتماعية، السمعة الطيبة المرضية للنفس، والوظيفية، وتحقيق الذات بالعلم والفكر الذي نمتلك، أو نريد تحقيقه ونقله للآخرين من أجل انتشار المعرفة ظاهريًا، ولكن ما نريده هو امتلاك مشاعر البقاء الفكري والتأثير والشهرة والافتخار بالرضا عن النفس.

والأمثلة عديدة ومتنوعة ومختلفة شكلًا ومضمونًا، ولكن في نهايتها من أجل الحصول على المشاعر أو امتلاكها.
وكما تختلف الأمثلة، أيضًا تختلف المشاعر سلبًا وإيجابًا.

عندما نشاهد رياضة سباق الجري والمتسابقون يركضون بأقصى سرعة يمتلكونها ويتسابقون فيما بينهم من أجل الحصول على المركز الأول.

النية: واحدة عند الجميع، وهي الفوز بالسابقة.

الفعل: واحد الكل يركض بأقصى قدرته.

المشاعر: الكل كان يتوقع أن يحصل عليها، ولكن ثلاثة فقط من يشعر بها النصر، الفخر، والرضا وهذه هي مشاعر إيجابية.

أما المتسابقون الذين لم يستطيعوا الفوز حصلوا أيضًا على مشاعر حزن وندم وخسارة، وهذه مشاعر سلبية غير مقصودة، ولكن كان حصولها متوقعًا حتما على البقية، ولكنهم كانوا يتوقعون المركز الأول بشغف امتلاك مشاعر النصر ولذته، وكلما زادت قوة التحدي والمشاعر الإيجابية كلما تضاعفت مشاعر الخيبة والألم عند فشل ذلك.

النية، الفعل، المشاعر، كل شيء يبدأ بالنية أو الفكرة وينتهي حتمًا من أجل امتلاك المشاعر.

إن كنا نتفق أو نختلف في بعض التفاصيل، إلا أن الإنسان يعيش على مجموعة مشاعر تجعله يناضل ويقاتل في هذه الحياة من أجل البحث والحصول في نهاية المطاف على مشاعر فقط.

البحث عن الراحة مشاعر، الهروب من شيء يقلقك ويزعجك هو هروب من مشاعر إلى مشاعر أخرى.
حتى في الهروب من مشاعر القلق هو في حد ذاته بحث عن مشاعر الراحة.

إن اختيار الإنسان بطبيعته وفطرته يذهب ناحية الأمان والراحة، فهل المكان، أم الناس، أم الفعل ذاته، أم البيئة المحيطة التي تكسب منها وتتزود بالمشاعر، وأساليب الراحة تختلف من شخص إلى آخر.

إن عرفنا واستوعبنا تلك الأشياء والدوافع وراء كل فعل نراه يخرج من الآخرين مهما يكن اختيارهم، يجب أن نتأكد أن نيته هي البحث عما يراه هو مريحًا له، ولا نحكم علية فورًا أو نقول لماذا فعل كذا ولماذا اختار كذا ونحلل ونغتاب دون معرفة غرضه.

قد يكون فعلة من وجهة نظره مريحًا له، ومن وجهة نظرنا غير مريح، تختلف الرؤية باختلاف الزوايا.
لا نحكم على فعل ما خرج من شخص ما، قبل أن نعرف دوافعه وغرضه، حتى مدمني الكحول والمخدرات يفعلون ذلك وراء دوافع ونوايا من أجل الحصول على مشاعر الراحة، ولكن بالطبع رؤيتهم قاصرة ومحدودة، وهنا بالطبع نعود على فاعل الشيء وشخصيته وثقتنا به، وهل هو عقلاني أو طائش، وحتى في هذه الحالات الشاذة تكون الدوافع البحث عن مشاعر الراحة أو هروب من مشاعر سلبية مؤلمة.

قبل أن نحكم على أفعال الآخرين ونطرح وجهة نظرنا، يجب أن تطرح نفسك مكان صاحب الفعل لترى الفعل نفسه من زاوية صاحب الشأن؛ لأننا سوف نعرف الدافع الذي دفعه لفعل هذا الشيء أو التصرف، وهنا قد ننظر للفعل بصورة إيجابية كما يراها صاحب الشأن إذا وضعنا أنفسنا في مكانه.
ومجمل الحديث أنه لا يوجد شخص يعمل أو يتصرف بشيء قد يراه مضرًا له ويقبل على فعله بإصرار، إلا الأشخاص المجبرون الذين خانهم تفكيرهم أو لم يعد تفكيرهم في عقولهم، ولا يوجد شخص عاقل يرمي نفسه للتهلكة عنوة.

ومختصر الكلام لا نحكم على أفعال بأنها خاطئة أو مضره قبل معرفتنا بأهمية المشاعر وما الدوافع من وجهة نظره في حدود العقل والمنطق قبل أن نحكم، نتساءل، لماذا؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد