كتب «آلدوس هكسلي» يقول «كل إنسان يأتيه زمن يتساءل فيه عن كل ما بين يديه، حتى أعمال رائعة، كأعمال شكسبير، أو بيتهوفن، فيقول: وماذا بعد؟ هل هذا كل شيء؟».

مرحلة تصف فيها نفسك بخاوٍ روحيًا، خالي الوفاض، تظن فيها أن كل مصادر المتعة قد نضبت، وأن ليس هنالك شيء قادر على إشباعك، وتتساءل مشككًا في قدرة الحياة على إسعادك، هل بقي شيء؟

سنحاول البحث عن إجابة هنا من خلال «الفلسفة الهندوسية» التي اشتغل على إخراجها للعالم، ورسم ملامحها «حكماء الهند» خلال قرون عديدة، وسنحاول الإفادة من تقسيمها للمراحل الأربع للإنسان في إشباع ذاته، من ثمّ نوظفها في فهم أعمق لدوافعنا ورغباتنا».

تعتقد الهندوسية بوجود أربعة أهداف، أو رغبات، قد تحقق للإنسان الإشباع الذاتي، ومشروع أيضًا للإنسان أن يسعى وراءها.

إشباع اللذة

في أسفل سلم الترتيب يقع هدف إشباع اللذة في عالم زاخر بالجمال والمتع! نص هندوسي يقول «إذا كانت اللذة ما تريد، فلا تكبح هذه الرغبة، بل أشبعها بأغنى وأجمل ما يكون». وبالرغم من أن الصورة النمطية لديانات الهند هي التقشف ورفض الحياة، أي: الزهد ربما، لكنها في الحقيقة لا تدين المتعة، ولكنها لا تعتبرها هدفًا ساميًا، ويشبه الهندوس هذه المرحلة بلعب الاطفال، فأنت قد تشعر بالأسى حيال الأطفال المحرومين من اللعب، ولكنك في الوقت ذاته قد تستهجن من منظر بالغين لا يزالون يلعبون بالألعاب.

ومع هذا تقول الهندوسية «إن لم يخالجك شعور بالسخط وعدم الرضا عن هذه الحياة، فلا داع للانتقال للمرحلة الثانية، لأن السخط والرفض هنا هو من يصنع لك الطاقة للتغيير والبحث،

إلا أنه في الحقيقة لا يمكن الاستمرار في هذه الحياة». يقول «كيرغارد» في كتابه «المرض حتى الموت» «بحثت في بحر اللذة الذي لا قاع له عن موضع ألقي في المرساة، فلم أجد»، ويقول في موضع آخر «لقد شعرت بالقوة التي لا يمكن مقاومتها، كل لذة تدني فيها إلى لذة أخرى في نوع من الاندفاع الزائف الكفيل بإنتاج الضجر والسأم، بل العذاب التالي».

لكن ما هي المرحلة الثانية للإشباع في السلم الهندوسي؟

النجاح الدنيوي

الدرجة الثانية قد تضمن لك سعادة أطول واطمئنان أكثر، بل حتى البحث عنها يعدّ مشروعًا في معظم ثقافات العالم، ألا وهي النجاح الدنيوي بأشكاله الثلاثة: شهرة، وثروة، وسُلطة.

لبعض الناس، قد تعطيهم هذه الأشكال الثلاثة السعادة الأبدية، وإشباعًا كليًا، بحيث يقول عن حياته في لحظة الموت «لقد عشت حياتي كما يجب»، ولكن للبعض الآخر قد يتوقف عندها؛ ليطلب ما هو أعمق لعدة أسباب، منها: لحظة يُدرك الإنسان أنه لن يستطيع الاحتفاظ بها إلى النهاية «لن يحملها معه إلى قبرهز، كما يقال محليًا.

أيضا إنه لا توجد نقطة وصول، هنالك دائمًا نقطة أبعد، ونجاح أكبر، والاستمرار بالركض وراءها مضن غير مُجدي.

أخيرًا، إن الانسان يُدرك بفطرته الخلود والأبدية، ولذلك يأسف بغريزته لرخص قيمة نجاحه. فيعود السؤال ليطفو على السطح، ثم ماذا؟

الأعمال التطوعية

المرحلة الثالثة في الفلسفة الهندية تقدم لك خيار أداء الواجب أو مساعدة الناس، أن تنذر حياتك لحياة غيرك، ومن أفضل من قد يجسّد هذا الانتقال «أودري هيبورن» الفنانة البريطانية التي أمضت أواخر حياتها في مساعدة فقراء العالم، لكن أن تفني عمرك في مساعدة الناس قد تبدو فكرة أفلاطونية، أو ملائكية بعض الشيء، لكن لنتذكر أن الأمر تطلّب عيشًا، وتخطيًا لمرحلة النجاح الدنيوي، أثبتت هذه الوصفة فعاليتها ضد الاكتئاب في عدة دراسات، أو كما تُفسر طريقته في أن مشاعرك حتمًا ستتماهى مع مشاعر الشخص الفِرح الذي ساعدته!

المرحلة الأخيرة: التحرر

قد تجرب كل ما في القائمة، إلا أنه وفي حالات نادرة قد يعاودك الشعور بالفراغ، أفضل من قد يشار إليه لتجسيد هذه المرحلة الحرجة، «الأم تيريزا» التي نذرت عمرها لمساعدة البؤساء حول العالم، حيث صرحت في أواخر حياتها بشعورها الداخلي الدائم في أعماق نفسها بالتيه والضياع والخواء، وتعود لتتساءل: هل تقدم الحياة خيارات أخرى؟  كيف يستمر هذا الشعور بالخواء في حين إن الجميع يبدو مستمتعًا؟ أي طمعٍ أعيشه؟

قد لا تكون المرحلة الرابعة في السلم الهندوسي خطوة عملية أكثر من كونها تفسيرًا. ماذا يريد الإنسان حقًا؟ كيف تجتمع في يديه سبل الحياة كلها، لكنه لا يزال يريد أكثر؟ والمضحك أنه أحيانا يجهل ما يريده؟

تقول الهندوسية: إن أولى تلك الرغبات هي «الوجود»، يتمنى الإنسان لو أنه يُخلّد، ولا أحد يسره أن يرى المستقبل، يأتي وهو غير موجود.

ثانيًا العلم يريد الإنسان العلم، يريد أن يدرك كل شيء، بالرغم من صغره وهوانه، حب الاطلاع عند الناس لاحد له، يتساوى فيه عالم الكيمياء الذي يحاول كشف تركيبات الطبيعة والمراهق المعتكف على أخبار «تويتر» أو الجارة التي تحاول الاإحاطة بكل أسرار الحارة.

ثالثًا الرغبة الأخيرة هي السعادة، وفي أبسط تعريف لها كل شعور نقيض للحزن والإحباط، وللتوضيح أكثر، تقول الهندوسية: إن رغبة الإنسان في هذه الثلاث، هي رغبة في الحصول عليها بشكلها اللامحدود، وذلك ربما راجع إلى أن الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على تصور فكرة اللانهائية واللامحدودية، ومادمنا نعرف اللانهائية، فكل الأشياء بالنسبة لنا غير كافية، وسيظل الإنسان دائمًا في رغبة من التحرر من كل ما يقيد حصوله على تلكم الرغبات الثلاث، التحرر هو ما يريده الإنسان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد