لكل إنسان دوافعه الشخصية التي تحثه على القيام بأمر ما، الحب والكره والحقد والخير والسعي والثواب والحسد والغيرة والنجاح والاجتهاد وغيرها، وفيما بينها تتبدل طبائع البشر كل حسب معتقده وما يتماشى مع تلك الدوافع فكرًا وفعلًا، لكنه لا يقف أبدًا عند قولها أو ترديدها في محافله المختلفة.

فالشخص الذي يهيئ نفسه لقتل آخر لو أفرد دقيقة واحدة يتخيل فيها حاله بعد إنهاء المهمة ما فعلها، لأنه سيصل حينها لنفس حال من قتل أخاه من ولدي آدم.

لو تمعن الإنسان لوهلة في حال النمل أو الطيور أو المخلوقات الأقل حجمًا والصراع القائم بينهم لشعر بحجمه ولزادت سلطته وطغيانه القائل: أنا أقوى منهم جميعًا بإمكاني إبادتهم عن بكرة أبيهم ولن ينهرني أحد. فقط لأنهم أقل حجمًا.
لكن نفس الإنسان لو نظر من شباك الطائرة بعين المتدبر على كل من بالأسفل، فسيظهر له حجم الدنيا الحق وهوانها وقدرها الضئيل، ذلك لأنه سيرى الناس في حجم النمل بل أصغر، ومع ذلك يتقاتلون.

سيرى اليخوت والسفن والطائرات والمباني والقصور والمدن كاملة في حجم سن القلم، فهل يتقاتل بشر بحجم فتات الذَرّة على أشياء في حجم سن القلم؟ هل هذه حقًا هي الدنيا؟ وهل تستحق كل تلك المعاناة؟فيتغير حاله عند عودته إلى الأرض والنظر للناس من نفس المستوى الذي يتساوى فيه حجمه معهم.
لكن النظرة حينها تتغير لا محالة، فلا يراهم إلا فاقدي الحول والقوة. ومن هذا المنطلق تصل إلينا نظرة أهل السماء لأهل الأرض، فلم الطغيان والشرور والتناحر والتقاتل؟ ولم فعلت ما فعلت من خطأ؟

من نفس النقطة ينظر هذا الشخص إلى النجوم والكواكب، فلا يراها أو يكاد يرى أحدها، لكن تضاؤل حجمها لا يعني حقًا أنها صغيرة، فهو الآن لا يرى الأشياء بعينيه فقط، بل ينزلها بعضًا من منزلتها بالتدبر. فالصدمة التي حلت به بعد أن رأي الكل بقلبه من الأعلى جعلته يرتعد خوفًا لما تذكر أنه كان يتقاتل هو الآخر مع السائق ليسرع به إلى المطار ليلحق بالطائرة، ومن قبل ذلك يتقاتل مع السباك ليصلح له الصنبور، ومع شركة الهاتف لأن خدمة الإنترنت لا تعمل كما يُحب، ويتقاتل مع زوجته لتعد له أمتعته، ومع ابنه ليعود للبيت قبل منتصف الليل، ومع البواب عندما يقطع التيار الكهربي، ومع الكل بسبب وبلا سبب. فيقول في نفسه لن أعود لها، ولن أتقاتل مرة أخرى على أشياء لا قيمة لها.

النمل قد أوضح نظرية كبرى كانت مخفية عنه طوال حياته، وهي أنه كما ترى النمل وذرات التراب يراك أهل السماء مع اختلاف المسمى ومقام الناظر. فأهل السماء لا يَرون في الدنيا ما يستحق التناحر أو يستدعي التنابذ، ولو نطقت روح الميت بعد خروجها من الجسد لأبلغته بهوان الدنيا، لكن هذا هو أحد مستحيلات الدنيا.
من الأعلى رأيت الكل بنفس الحجم ونفس الشكل، بألوان مختلفة يدورون في اتجاهات متضادة، من الأسفل رأيت الكبير صغير رغم أني لم أقف على حقيقته أو حجمه بعد، لكن القلب إن رأى أيقن.

لما رأيت النمل تذكرت الآخرة وتبادر إلى ذهني قول الله تعالى، وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحين إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء.
فنحن أيضًا كالنمل والنمل يمثلنا من الأعلى، ولو قلبت الآية وتبدلت أدوارنا مع النمل لفعل بنا ما نفعل به عندما نراه، فيشفق المتدبر منه علينا ويطغى الظالم منهُ فينا، ولتغافل عن وجودنا أكثره في معظم الأحيان لضآلة أحجامنا ليس إلا، رغم الدور الذي نلعبه في الحياة.

فانظر لنفسك كالنملة تقف على حقيقة الدنيا وتعش حياة الملوك. فتحيا فيها هانئ البال مطمئن بوقوفك على حجم الأشياء وقدرات البشر.

تدبرك بالحجم فقط سيوصلك حتمًا لعظمة الخالق جل وعلا، لأن الأرض نفسها بحجمها الذي نستعظمه، وزينتها التي نفتن بها كل لحظة، بزخرفها وأحيائها وأمواتها، بأبنيتها وبحارها ومحيطاتها وصحاريها ووديانها ومدنها وقراها، ما هي إلا نُقطة لا تكاد تُرى.

فلا تظن أن هذا الكون بلا مُنظِّم، أو بلا خالق، أو بلا حسيب يرجع إليه الأمر كُله.

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) المؤمنون

فوالله الذي لا إله غيره، لا شيء يستحق الذنب ولا الشر ولا حتى الغضب، فلا تخسر الامتحان ببعض الشر الذي يلقي بصاحبه فيخبايا جهنم، ولا تسمع للشيطان لأنه حينها يقول: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَعَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَاأَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (22) إبراهيم.

دُمتم بخير..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد