مع بداية شهر يوليو تأتي ذكرى رحيل الدكتور عبد الوهاب المسيري (أكتوبر 1938 – 3 يوليو 2008)، لتكون مناسبة للتذكير بأفكاره وسيرته والترحم عليه من باب الوفاء بالجميل العلمي والسياسي والأدبي. فلم يكن عبد الوهاب المسيري مجرد قيادي وناشط سياسي أو مُحاضر في الجامعة أو مثقف وباحث عميق فقط، بل كان قبل ذلك وبعده “إنسانًا كما يجب” وعالمًا موسوعيًا متحركًا بعلمه وفكره في دنيا الناس بالإضافة إلى ذلك النقد، وقد قنن المسيري لهذه النزعة الإنسانية طوال مسيرته العلمية كتابةً وتأليفًا وسلوكًا، لذلك حاز احترام وحب المختلفين معه قبل أصحاب فكره وتلامذته.

مؤلفات المسيري كثيرة وإضافتها للمكتبة العربية والعالمية وإفاضتها على قارئها بارزة لدرجة الإبهار، لكن مسيرة حياته كمثقف متفاعل مع أحداث الواقع لها إضافتها وإفاضتها لا تقل عن مثيلتها من إضافات كتبه ومؤلفاته، بكونه كان يحاول أن يكون هو شخصيا معرفة وثقافة تمشي على الأرض وتتفاعل مع معطيات الحياة كما لم يحدث في الواقع كثيرًا، لذلك كثرت الكتابات والكتب التي تناولت “ظاهرة المسيري” لروعة وكثرة الدروس فيها، لدرجة أن قال أحد أساتذته له: “إن الحياة بعد اطلاعي على رحلة المسيري الفكرية، تختلف عن الحياة قبل الاطلاع عليها”!

“رحلة عبد الوهاب المسيري الفكرية، قراءة في فكره وسيرته” عنوان للكتاب الذي أعده د.عمرو شريف، من أهم ما كُتب عن المسيري، حيث حاول الكاتب تتبع رحلة المسيري الحياتية والفكرية راصدًا أهم محطاته وإنجازاته ليربطها بأفكاره التي بثها عبر كتاباته، ليقدمها للأجيال كمشاعل هادية على طريق تنوير العقول وتثوير الهمم للثقافة الفاعلة في الحياة أو لتكون منارات على طريق الثورة الثقافية.

ويتكون الكتاب من جزأين:

 الأول: تحت عنوان “التكوين” يرصد الكاتب بداية حياة المسيري في مسقط رأسه (دمنهور)، وكيف شكلت الطبيعة المصرية طبعه وطابعه القروي البسيط الذي تشكل في الريف المصري قبل أن يُمس ببرودة الحضر ويُمسخ ليكون لا حضرًا ولا ريفًا، ويرصد الكاتب أيضا كيف تشكّل وعي المسيري بمروره على التيارات الفكرية المختلفة، كما مرّ على حياته الجامعية وكيف أثرت على وعيه وفكره، وتأثر المسيري بالشعائر الدينية في مصر (رمضان والأعياد ومواسم الحج..).

كما ينقل الكاتب بعض آراء المسيري ونظرته التراحمية في الطقوس المصرية التي يقوم بها المصريون في شهر رمضان وفي الأعياد من تواصل بينهم وإحسان إلى فقرائهم ويقارن هذا بما يحدث في الغرب – الذي عايشه بعد ذلك – ليرى أن المعاملات التعاقدية هي السائدة، كما ينقل آراء المسيري في موضوعات عديدة مثل (الحب والزواج، السعادة، المرض، الوعي بالموت، التأمل، الحياة في أمريكا، الثروة، الشهرة، الثقافة وجمع المعلومات، المادية، الاستهلاكية، نسبية القيم، المرأة، الحرية، الإيمان، التقدم العلمي….إلخ).

الجزء الثاني: تحت عنوان “عالم الأفكار” يتناول الكاتب أدوات المسيري الفكرية المختلفة والتي تضبط رؤيته للحياة، ويمكن بها تفسير معالم مسيرته الحياتية بكل مكوناتها المتعددة وتساعدنا على النظر بعين المسيري للأشياء حتى وإن لم يرها هو.

ولعلّ أهم هذه الأدوات “النظرة الموضوعية للواقع بربطه بالماضي والمستقبل، ربط المعلومات في سياقها، الفرق بين الحقيقة والحق، الفرق بين المعرفة والمعلومات، التعاملات التراحمية والتعاملات التعاقدية..). وبين طيات الكتاب سيجد القارئ كلمات ذهبية وعبارات في غاية الإلهام تصلح لتكون قواعد في الإبقاء على النزعة الإنسانية، وقواعد في الحياة العزيزة ومبادئ في تكوين الثقافة والوعي.

ومن هذه الكلمات:

– أنت إنسان بإنسانيتك، لا بماديتك.

– الانشغال بالتاريخ يعني أن ينظر الإنسان إلى واقعه باعتباره نقطة يلتقي فيها الماضي بالمستقبل.

– التأمل .. الطريق إلى الثقافة.

– أرى أن السعادة لا تهبط هكذا من السماء، وإنما هي مثل العمل الفني لا بد أن يكدّ المرء ويتعب في صياغته وصنعه.

– الإذعان والقبول بالأمر الواقع هما جوهر الجمود والرجعية.

– علينا أن نبتعد قدر الإمكان عن المعارك الصغيرة التي تستهلك حياتنا.

– الإيمان لم يولد داخليًا إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة ولذا فإنه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الإنسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية.

– المثقف لا بد أن يكون في الشارع.

– ويل للمرء الذي يربح كل شيء ويخسر نفسه.

– من عرف نفسه، عرف ربه.

– الإنسان البراجماتي لا يكترث بالثوابت ولا يهتم بالقيم مثل الكرامة والشهامة، فهو إنسان مرن إلى أقصى حد، وعملي بشكل متطرف، يقبل أي شيء طالما أنه يحقق النجاح، لذا ينتهي به الأمر إلى ضمور روحه.

– مستنقع النسبية المطلقة، أصاب السياسة والفنون بالعفن.

– الحضارة الغربية خلقت قبرًا يكفي لدفن العالم.

– الإنسان هو النوع الوحيد من المخلوقات الذي يتميز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها، كما أنه ظاهرة متعددة الأبعاد ومركبة غاية التركيب ولا يمكن اختزاله إلى بُعد واحد أو في وظيفة واحدة.

– السقوط في الوحل أسهل كثيرًا من الصعود إلى النجوم.

أما بعد، فإن دروس مسيرة المسيري (رحمه الله) كثيرة، لكن أثمن هذه الدروس يتلخص في أن العقل الكبير لا قيمة له بلا قلب كبير، وأن أي منجز أو تقدم مادي لا قيمة له ما لم يتلازم مع تقدم أخلاقي يحفظ لحياة الإنسان إنسانيتها ونضارتها وتفردها، وأن على المثقف واجبات وأدوارًا لا بد أن يقوم بها ليستحق أن يُوصف بـ”المثقف” أهمها؛ التفاعل مع الواقع للتأثير فيه بالإصلاح العملي، والنصح الحكيم، ومحاولة الحصول على المعرفة حتى لو كان الطريق إليها شاقا والإبداع في بثها للناس ولو كان الجزاء من الدولة هو العقوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد