ربما كان الرجل كبيرًا لأن من حوله أقزام، وقد يستعرض البعض عضلاته الرخوة في محفل الصغار، وهذا طبعٌ عهدناه في الجبان منذ الأزل؛ فإذا خلا بأرضٍ طلب النزال، لكنه يتراجع كاسف البال إذا ظهر الأبطال. قرأت للإعلامي القدير فادي مطر كلمات على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وهي كلمات رشيقة ترسم لوحة معبرة لواقعٍ نعيشه، وتقطر أسى على الحال الذي بلغه البعض. فادي مطر قامة إعلامية مشرفة، وعلامة من علامات الإذاعة العربية، ومن الشخصيات الغيورة على عملها فضلًا عن تواضع لا ينعم به الصغار والأغرار.

وكتب مطر: «أتاني لمتابعة إحدى دورات الصوت والإلقاء التي عقدتها فرحبت به. هو صاحب صوت جميل، وينظم دورات في الصوت. جاء لينهل من تقنياتي في التدريب، لاستخدامها في دوراته، وبالطبع لم يخفَ عليّ ذلك. على الرغم من هذا، ساعدته على التعرف على مكامن الخلل في صوته وإلقائه؛ فنجح في التخلص من بعضها وفشل في التغلب على بعضها الآخر. وعندما سألته: بعض مهارات الصوت أنت غير متمكن منها، فكيف ستدرّب عليها؟ أجاب بكل بساطة: لست مضطرًا إلى أن أدربها. استغربت في البداية من جوابه، ثم قلت في نفسي: «لا، إنه صاحب ضمير، لا يدعي التدريب على مهارة لا يتقنها». ثم واصلت حديثي معه: ولكن في هذه الحالة تبقى دوراتك منقوصة يا عزيزي. لا يكفي أن يكون صوتك جميلًا فقط لكي تُنصّب نفسك مُدربًا متخصصًا في علم الأصوات. والذين تابعوا دوراتي يعرفون عن ماذا أتكلم.

ساعدته وعلمته وأعطيته أسرار الصوت ومفاتيحه، وعندما يأتي على سيرتي اليوم، يتحدث عني بكلمات جاحدة، ناكرة للجميل، بعيدة عن الأخلاق. عزيزي، أنت «وتعرف نفسك» يصح فيك المثل القائل:

تعلم الأبجدية والأرقام مني.. فلما أصبح (عالمًا) نفاني

كان يجب أن أذكر مثلًا آخر ولكن أخلاقي تمنعني من ذلك».

ليس بجديد أن يتنكر التلميذ لأستاذه، ويظن أن إطلاق لسانه في أستاذه يرفع قدره، لكنه في الواقع خور في الفهم، ولا يصل هؤلاء لمرادهم، ولا أقول ذلك رجمًا بالغيب، وإنما هذه كلمة التاريخ. من أروع وسائل طلبك للعلم أن تتواضع لمعلمك، هذه وحدها تفتح لك مغاليق لا تتصورها؛ فإن ظننت أن عندك ما يملكه أستاذك أو مدربك أو معلمك، فلماذا تضيع وقتك بالجلوس بين يديه؟ وظنك هذا يرفع من تضخم ذاتك، ويزيد من غرورك، والعُجب يمنع الازدياد.

حرص المتدرب على الوقوف على تدريب غيره لا بأس فيه، لكن هناك شروطًا يجب أن تتوفر لديك؛ فالإتقان أول هذه الشروط، وعليك أن تتقن المادة التي تريد إيصالها لغيرك. إذا لم تتمكن من المادة جيدًا؛ فكيف ستنقلها لمن حولك؟ وكيف ستصبح أستاذًا أو مدربًا؟! التسرع مهلك لصاحبه، وإن كان موهوبًا، ومن تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه، ومن طلب شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. التدريب في العالم العربي أصبح مهنة من لا مهنة له، وقد حكى لي صديقي الدكتور أحمد الجنابي، الخبير اللغوي بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، قصة طريفة، وهي أيضًا عن مأساة ورشة تدريبية حضرها، وقد حول المدرب مسار الدورة من دورة إعلامية إلى اختبار في الإملاء!

واعجب معي! نقل المدرب الورشة من مسارها الإعلامي إلى اختبار إملاء، وبرر ذلك بأنه ليس متخصصًا في الإعلام، ولكنه حاصل على ماجستير لغة عربية. وأبشركم فقد نجح الجنابي -الخبير اللغوي- في الاختبار، وأشاد المدرب بتمكنه من فن الإملاء! ضحكٌ كالبكاء، وأن يصل حال التدريب إلى هذا المستوى؛ فإننا بحاجة لمراجعة أنفسنا والتعرف على خبرات المدربين قبل الأخذ عنهم والدراسة عليهم.

وكما أسلفت فإن العجب والتسرع يحولان دون الاستفادة من أصحاب الخبرات، ويرى المرء بضعف عقله أنهم لا يزيدون عنه شيئا؛ فيشرئب بعنقه ليطاولهم فيسقط على أم رأسه، ويقع فلا ينهض بعدها، وقد قضى على نفسه. ما جرى مع فادي مطر وأحمد الجنابي ليس جديدًا، ولكنه يستوجب وقفة، وقفة نفرز فيها الأدعياء من أهل الخبرات، وقفة واجبة على أصحاب مراكز التدريب، كما هي واجبة على المتدرب؛ فهو يدفع مالًا نظير الاستفادة، وليس لإضاعة وقته وماله.

لا بأس أن تعلّم الناس، وأن تدرب الآخرين، وأن يكون لك دور في نهضة المجتمع، وأن تضع بصمة إيجابية في النفوس، ليس لعاقل على وجه الأرض أن يمنعك من ذلك، لكن تريث واشرب بعمق من النبع الصافي، وبعدها خذ بيد الآخرين إليه واخلع على نفسك -وقتها- ما شئت من الألقاب. التدريب ليس حكرًا على أحد، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يتاح لكل من قرأ نصف مقال وكتب تغريدة! ألا تتفق معي في ذلك؟

والحديث عن تسرع الطلاب وتلهفهم للجلوس مكان الشيوخ والأساتذة والمدربين قديم، ولنا في التاريخ من الأمثلة ما يزيد عن الحصر، ولنأخذ محمد بن شهاب الزهري مثالًا. قال الزهري: كنت أختلف إلى عبيد الله بن عبد الله بن مسعود؛ فكنت أخدمه جهدي وغايتي، ثم بدا لي أنني استنطقت ما عنده، (هنا الزهري نهل من علم عبيد الله حتى ظن أنه ضارعه وساواه فيه)، فلما خرج – أي عبيد الله- لم أقم له ولم أظهر له ما كما كنت أظهره قبل (بدأ الزهري يتعامل مع شيخه تعامل الأنداد، رأسًا برأس ومحدش أحسن من حد!). فهم عبيد الله ما دار برأس الزهري، وبواعث تغيره عليه؛ فقال عبيد الله للزهري: «إنك بعد في العزاز فقم».

ما أروعها من كلمة! وما أبلغه من تعبير! «إنك بعد في العزاز فقم»، العزاز هي أطراف الأرض البعيدة، ويضرب هذا المثل لمن ظن أنه بلغ الغاية وهو لم يبلغها بعد، وكذلك لمن يتوهم أنه توسط دائرة العلم، وهو لا يزال يحبو في طرفها ولا يدرك مجاهيلها، ولمن يُظهر الاستغناء عن شيء وهو محتاج إليه. كثيرون في العزاز ولا يدركون أنهم على أول الطريق، ويحسبون أنهم على شيء. انتفع الزهري بكلمة عبيد الله، وأيقن أن أمامه طريق طويل قبل أن يتصدر لتعليم غيره والتدريس؛ فلما جلس بين أيدي المشايخ مرة أخرى، نال من بركات العلم ما أهله للتصدر بين العلماء بحق، وليس التصدر بالباطل والفهلوة وانتهاج مذهب «مشيّ حالك».

وقصة أبي يوسف مع الإمام العلم أبي حنيفة مشهورة، وفيها أن أبا يوسف سولت له نفسه أنه بلغ الغاية ووصل في العلم للنهاية؛ فانقطع عن حلقة أبي حنيفة وجلس يفتي الناس ويعلمهم. سأل الإمام أبو حنيفة: أين أبو يوسف؟ فأخبر خبرَه وفطن لما أصاب التلميذ من آفة العجب؛ فقال الإمام: «يأبى أبو يوسف إلا أن نقشر له العصا»، ثم عاد أبو يوسف صاغرًا بين يدي شيخه، وفتح الله عليه لما نبذ الغرور وآثر التواضع على التصدر قبل الأوان، ومات أبو حنيفة فجلس أبو يوسف يفتي الناس بعلم وبصيرة.

امتلك الزهري وأبو يوسف من الإنصاف والتجرد ما دفعهما لقبول الحق، ولم يتعاظما عليه أو يجحدانه؛ فكتب الله لهما التوفيق والرشاد، وأصبح الزهري من كبار الفقهاء والتابعين، وولي أبو يوسف القضاء للعباسيين 40 سنة. لا بأس أن يرجع المرء للحق إن حاد عن الطريق، والعود للحق أحمد من الإيغال في الباطل.

وبضدها تتميز الأشياء؛ فقد كان محمد بن أبي الفرج الذكي ممن يتتبعون عثرات العلماء؛ فهلك ولم يفلح وكان سعيه وبالًا عليه. حضر مرة إملاء منصور السمعاني؛ فأخذ على السمعاني شيئًا وقال: ليس كما تقول، بل هو كذا وكذا؛ فقال السمعاني: اكتبوا كما قال الذكي فهو أعرف به؛ فغيّروا تلك الكلمة. وبعد ساعة قال الذكي: يا سيدي! لقد سهوتُ والصواب ما أمليتَ؛ فقال السمعاني: غيّروه واجعلوه كما كان. فلما فرغ من الإملاء وقام الذكي، قال السمعاني: ظن المغربي أنّي أنازعه في الكلام حتى يبسط لسانه فيَّ كما بسطه في غيري، فسكتُ حتى عرف الحق ورجع.

وفي الختام نذكر كل طالب علم وحكمة بقول الشاعر:

يظنُ الغَمْرُ أن الكُتْبَ تهدي أخا علمٍ لإدراكِ العلومِ
وما يدري الجهول بأن فيها غوامِضَ حيرت عقل الفهِيمِ
إذا رُمْتَ العلومَ بغير شيخٍ ضللتَ عن الصراطِ المستقيمِ
وتختلطُ الأمورُ عليكَ حتى تصيرَ أضلَّ من توما الحكيمِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد