أبو بكر خلاف

138

أبو بكر خلاف

138

647

في البداية فكرت أين أصلي الجمعة بهذا اليهودي الذي يصر على أن يأتي معي، فجاءت لي فكرة طريفة أو كما يقول المثل المصري «جهنمية» فاصطحبته إلى أكثر مساجد القاهرة تشددًا، جامع التوحيد بغمرة، هناك شباب أشداء البنية من أصحاب اللحى الطويلة والجلالبيب القصيرة، لدي رغبة في خوض هذه المغامرة المفاجئة التي جاءت دون ترتيب لأرى انطباعه عنها وأسمع ما لديه من معلومات ورؤية باعتباره باحثًا يهوديًا متخصصًا في الدراسات الإسلامية والعربية.

كانت هذه من أطول خطب الجمعة التي صليتها في حياتي، استمرت قرابة الساعتين ونصف الساعة، خرجنا منها قبيل أذان العصر، وهذا دأب أصحاب هذا المسجد في كل جمعة، كنت أعلم ذلك، نصحت شلومو قبيل وصولنا للمسجد بألا يتكلم أثناء الخطبة وإذا توضأت أو صليت فليكن بجواري ويقلدني وإلا انكشف أمرنا وما خرجنا منها سالمين.

سمع الرجل وأطاع، وتوضأ وصلى بجانبي ركعتي السنة واستمع إلى خطبة طويلة وهو – حسب قوله – لا يفهم العربية إلا قليلًا، ولكن انطباعات وجهه أثناء الخطبة أوحت لي بأنه يفهم بعضًا مما يقال، تطرق الخطيب في حديثه إلى الأعداء الصهاينة وخصهم في نهاية خطبته بدعاء طويل شمل كل من عاونهم أو ناصرهم، دعا الشيخ واستفاض، وقام بالواجب وزيادة.

خرجنا من المسجد وعلى شفتي الابتسامة فقلت له: «لا تحزن يا شلومو، لديكم أيضًا حاخامات متشددون يدعون على المسلمين ليل نهار ويعتبروننا أغيارًا وأعداء. ليس لدينا مشكلة مع اليهود فهم أهل كتاب، مشكلتنا مع كيان محتل مع الصهيونية السياسية. فرد مبتسمًا: «أعرف ذلك، لدينا أيضًا متدينون متشددون»، وانطلقنا حتى إذا أتينا شارع رمسيس وتحديدًا منطقة الفجالة، أخبرني بأنه جائع، وأشار إلى مطعم شعبي مزدحم، محل سندوتشات الحوواشي – دهن التصق به بقايا لحم يتم طحنه أو فرمه مع إضافة كثير من البصل والتوابل – أكل الرجل واستلذ الطعام، وقال ما هذا الشيء العجيب قلت له اصبر يا صديقي ولا تعجل، فابتسم وتابعنا المسير، ولم تمر عليه ساعتان حتى شعر بآلام في بطنه وأخذ يصرخ «كاشية مؤود» يعني بالعربي صعب جدًا، انتابتني ابتسامة شامتة وخشيت في الوقت ذاته أن يصيبه مكروه، وأتعرض أنا للمساءلة.

ذهبت إلى الصيدلية أطلب المساعدة، ثم عدت بضيفي إلى الفندق بالدقي يتألم مما جناه على نفسه غير عابئ بتحذيراتي، أخبرت مشرف الرحلة بما حدث وكان مع بقية البعثة في أسوان، فهذا الشاب جاء ضمن وفد أكاديمي إسرائيلي في رحلة علمية، تحركاتهم مرصودة وأنفاسهم معدودة، كما يخضع المتعاملون معهم لتدريب مناسب ومتابعة أمنية مشددة.

بدأت هذا الطريق مبكرًا، طالبًا بقسم اللغات الشرقية وآدابها كلية الآداب جامعة القاهرة، ووفقًا لمعاهدة السلام التي قضت بنودها بالتبادل الثقافي بين البلدين، أقيم مركز أكاديمي إسرائيلي في القاهرة، استثمرته تل أبيب فجعلت منه قبلة لباحثيها في الشأن العربي والإسلامي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا فأتاحت لهم فرص الزيارات الميدانية والبحث والتحري والدراسة وجمع وتحليل المعلومات، أقامت مركزها على ضفاف نيل القاهرة عام 1982 في شقة إيجار مملوكة للفنانة ماجدة الصباحي، وزودته بمكتبة ضخمة تكتظ بأحدث الكتب والدراسات العبرية وأقامت به الندوات واللقاءات الطلابية لأبناء الكيان من المتخصصين، فقاطعته أقسام اللغة العبرية بجامعاتنا المصرية، واستفاد من بقائه الإسرائيليون.

نعم، استفاد الصهاينة من بنود معاهدة السلام مع مصر في تطوير آليات البحث العلمي لديهم فيما يخص دراسات تاريخ وحاضر ومستقبل الشرق الأوسط بشكل عام، ومصر بشكل خاص، وظللنا نحن في جامعاتنا المصرية لا نراوح أماكننا، واقتصرت رسائلنا – في غالبها – على جانب أدبي وتاريخ العبري القديم، وتركنا دراسة حاضر هذا الكيان المحتل حتى مراجعنا فيما يخصه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا باتت قديمة بالية، وأحدث المراجع الإسرائيلية في جامعاتنا المتخصصة في هذه الدراسات العبرية يرجع إلى الثمانينيات، يعني قبل أكثر من ربع قرن من الزمان، وإذا أردنا نحن المتخصصين العمل خارج إطار وروتين الجامعات المصرية، ما سلمنا من الاتهامات بالعمالة والخيانة وزيارة واحدة للكيان كفيلة بشطب الباحث ورسالته من الجامعة، خلاصة قولي إن دراسة الكيان الصهيوني فرض كفاية، يتحمله البعض ليزود بهذه المعارف بقية الأمة، لكن بقاءنا في هذا التخلف العلمي والأكاديمي كمتخصصين بدعوى نصرة القضية فهو أكبر هزيمة لنا ولقضيتنا ولأمتنا، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك