هناك بعض الظرفاء الذين يقولون لكل من يرفض النظام الحالي “إن رفضكم لن يؤدي إلى شيء، يمكنكم أن تنضموا إلى النظام الحالي وتعارضوا السيسي كما تريدون، الدولة المصرية بحاجة إليكم، لنعمل جميعا مع السيسي من أجل مصلحة مصر حتى لو كان من مقعد المعارضة، لنحاول جميعًا إصلاح النظام”.

 

أطروحة لطيفة وتبدو متماسكة جدًا بالنسبة لعامة الشعب الذي أثبت لنا أنه كلما كانت الأطروحة مبتذلة كلما بدت له في غاية الحكمة. ومن يرفضونها خونة يريدون خراب مصر بأية طريقة. لذلك نجد أنه من الكياسة أن نرد على هذه الأطروحات ونفترض فيها الجدية حتى ولو كانت في غاية الابتذال.

 

لنسأل أنفسنا: ما هي نوعية المعارضة التي يمكن أن ينضم لها أي معارض في نظام السيسي؟ هل يعارض بطريقة: “إنني أعارض الرئيس.. نعم أعارضه بشدة.. لأنه يعطي هذا الشعب المزيد من الحرية  والمزيد من الديمقراطية.. هذا الشعب أدمن “الدلع” وهذا لا يصح.. اضرب يا سيادة الرئيس حتى لا ينقلب عليك الشرفاء أمثالي”؟

 

يمكن أن يعارض بطريقة أخرى ألا وهي “محلب الذي لا يشعر بالشعب الفقير يرفع أسعار الكهرباء.. لنسقط محلب”. نعم بالفعل.. المشكلة في محلب. محلب هذا يفعل أشياء عجيبة يا أخي ولا يأخذ برأي أحد في كل القرارات الخطيرة التي يتخذها.

 

لدينا نمط آخر من المعارضة وهو المعارضة الشرسة التي قررت أن تهاجم النظام، ليقول المعارض “إنني ألتمس فيك عدلك وكرم أخلاقك يا سيادة الرئيس وأدعوك لإلغاء قانون التظاهر، فهو يجعل شكل نظامكم – الديمقراطي – أمام العالم ليس جيدًا، ويثبت مزاعم هؤلاء المعارضين الممولين بوجود انتهاك للحريات في مصر”. على أي معارض للنظام أن ينتهج أيًا من هذه الأساليب في المعارضة فهكذا تكون المعارضة “الوطنية” التي تبغي الإصلاح ولا تبغي الهدم.

 

لنفترض أن مذبحة رابعة وما سبقها لم يحدث. لنفترض أن أحداث 3 يوليو لم تحدث. لنفترض أن مرسي دعا لانتخابات رئاسية مبكرة وترشح فيها السيسي وفاز باكتساح، فإن هذا لن يغير موقف المعارضين.. ربما تغير جزئيا وحاولوا دعم السيسي في بدايات حكمه لو لم يحدث كل ما ذكرناه في السطر الأول من هذه الفقرة.. ولكن لابد أن موقفهم كان سيصبح سلبيًا من نظام السيسي لأنه قرر شأنه شأن كل من سبقوه – وأنا أعني كلمة كل من سبقوه جيدًا – التعايش مع النظام ورفض محاولة تغيير نمطه، وبهذا تصبح المشكلة في السياسات وليست في الأشخاص.

 

لديّ قصة تعتبر من “الفلكلور الشعبي” حدثت بإحدى المحافظات المصرية وهي قصة حقيقية. ولكن لك مطلق الحرية كي تصدقها أو تكذبها، إلا أن تكذيبها لن ينفي الدرس المستفاد منها.

 

جميع المصريين يعلمون أن “مديرية الزراعة” هي المكان الرسمي الذي يمكن أن تحصل فيه على راتب دون أن تؤدي أي عمل. فكان كل من يملك النفوذ يجامل أقاربه ويعينهم في تلك المديرية كي ينالوا مميزات موظف الحكومة. باختصار أصبحت هذه المؤسسة نموذجًا لما يطلق عليه في العلوم الإدارية “البطالة المقنعة”.

 

وكان الموظفون في تلك المحافظة لا يذهبون لعملهم لفترات طويلة قد تصل إلى سنوات. بل حصل بعضهم على عقود عمل بالعراق وهم مقيدون على قوة المديرية ويقبضون رواتبهم كل شهر. وذات يوم جاء مدير جديد وقرر أن هذا الفساد لا يمكن أن يستمر. فأبلغ من رآهم من الموظفين أن يبلغوا جميع العاملين على قوة المؤسسة أن يحضروا في الغد وإلا فالجزاءات والخصومات في انتظارهم.

 

وفي اليوم التالي ذهب المدير إلى المديرية في الصباح الباكر متوعدًا من لا يحضر بكافة الجزاءات التي يرتعب منها موظفو الحكومة. وبعد نصف ساعة وجد أصواتًا عالية جدًا، أصواتًا تشبه “الأولتراس”، وتلك الأصوات تهتف باسمه. خرج من مكتبه إلى باحة المديرية فوجد آلافًا مؤلفة من الموظفين يهللون له حين رأوه.. ثم تقدم أحدهم وقال: “سيدي.. إن الزملاء قد فوضوني للحديث باسمهم. إنهم يحيون جهودكم الكبيرة في الإصلاح لكنهم فقط يطلبون من سيادتكم أن توفر لكل منهم مكتبًا صغيرًا ليؤدي عليه العمل بجِد واجتهاد من أجل رفعة الوطن”.

 

نظر المدير إلى الجموع وأدرك الفخ. إن المديرية لن تكفي 10% من الواقفين بالخارج ولو وقفوا بداخلها متلاصقين حتى. فماذا لو وضع مكاتب؟ عرف المدير أن النظام أقوى منه وأنه مصمَّم لإفساد أية محاولة جادة للإصلاح، فأصدر قرارًا ضمنيًا للموظفين بعودتهم لحالة الفساد السابقة. بالتأكيد ردد كلامًا عن ربط “الحمار” في المكان الذي يريده صاحبه، ثم قرر أن يكمل مدته دون أية مغامرات ثورية أخرى.

 

هناك أيضًا قانون يسري على عدد من الوزارات في الدولة، وهذا القانون يتيح لمن سرق أن يعيد ما سرقه من الدولة دون أن يُعاقب على الإطلاق. وبصرف النظر عن كون هذا القانون يضرب فكرة الثواب والعقاب في مقتل، فهذا روتين إداري مستمر منذ 60 سنة والحديث فيه بغير جدوى. لكن المأساة ليست في هذا. المسألة أن باب الحصول على المال الحرام مفتوح على مصراعيه. لنفترض أن موظفًا في وزارة الداخلية استولى على 1000 رصاصة ميري وباعهم في السوق السوداء بسعر 10 جنيهات للرصاصة الواحدة.

 

أصبح إذن الثمن الكلي عشرة آلاف من الجنيهات. ثم جاءت لجنة من الوزارة للجرد وأثبتت استيلاءه على الرصاص فإنها ستجبره على دفع ثمن ما سرقه مع استمراره في وظيفته. وهي ضمانة تحمل في ذاتها الشك في مصداقيتها – ليس لأن الموظف سيستمر في منصبه فهذا أمر طبيعي في مصر – ولكن لأن اللجنة تجبره على دفع السعر المدون في دفاتر الوزراة وليس السعر الموجود بالسوق السوداء. فإذا افترضنا أن الوزارة تشتري الرصاصة الواحدة بجنيهين فإن السعر الكلي للألف رصاصة هو 2000 جنيه.

 

إذن هذا الموظف قد ربح 8000 جنيه من الهواء واحتفظ بوظيفته ومرَّ الأمر مرور الكرام. ولو كان النظام جادًا في الإصلاح لغيَّر القانون لإجبار السارق على إعادة نفس الشيء الذي سرقه بنفس الكمية. فلو أن هذا الشخص اختلس ألف رصاصة فيُجبر على إعادة ألف رصاصة مماثلة لمخازن الدولة. حينها ينزل إلى السوق السوداء ويشتري الرصاص بأغلى من السعر الذي باعه به ويتعامل مع المجرمين. وقتها يدرك أن للفساد ثمنًا وينبغي عليه دفعه فيفكر ألف مرة قبل فعل أي شيء.

 

الخلاصة أن الموظفين يمارسون الفساد والنظام يعلم ذلك ويتركهم. والموظفون يعلمون أن النظام سيتركهم، لذلك أصبح الفساد بالنسبة لهم أمرًا شبه مقنن. إنها مقايضة واتفاق ضمني. سأتركك تفسد مقابل أن تؤيدني وترقص لي أمام اللجان أو في حفل لتكريم حفظة القرآن أو في أي مكان. لا مشكلة. المهم أن ترقص وكفى.

 

إذًا ما جدوى محاولة إصلاح نظام لا يريد الإصلاح؟ نظام يعرف مواطن الخلل داخله لكنه لا يصلحها لكي يضمن استمراره؟ لذلك يمكن أن نقول لمن يطلبون منا أن نعمل مع السيسي من أجل إصلاح النظام، أن يصلحوا هم والسيسي النظام، ويتركونا نحن ننكر الفساد ولو بقلوبنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد