لمدة عام عملت بالفندق الذي يمتلكه الأمير السعودي وليد بن طلال وشريكه هشام طلعت بمدينة شرم الشيخ المصرية، ضمن فريق حملة الحقائب، أعمل بهذا الفندق الكبير بوظيفة doorman، بالبلدي (بواب)، كانت أول فرصة عمل فور تخرجي من كلية الآداب جامعة القاهرة، مثقل بأعباء تحقيق الذات والاستقلالية، تراودني أحلام اليقظة، أنتظر ذلك اليوم الذي ألتقي تلك الفتاة بعيونها الزرقاء وشعرها الذهبي، ووجها الأبيض، لتعجب بي كفتى أسمر (مفيش منه في بلادها، وتقول، وهي تصرخ: Ooh Egyptian)، وتأخذني من أم الدنيا، لأرى خالاتها وعماتها، فلبقية العائلة في الدنيا حق صلة الأرحام.

اعتاد الأمير تفقد فندقه كل عدة أشهر في زيارة مهيبة، يأتينا عبر البحر تارة، أو عبر الجو بطائرته الفاخرة تارة أخرى، كان لديه مركب كبير عليه تحط طائرته الهليكوبتر، فإذا مل ركوب البحر ركب طائرته كنوع من التغيير، تعرفون حياة الملوك والأمراء كئيبة بفعل الفراغ واللاشيء، الرفاهية الزائدة تؤدي إلى الانتحار، هكذا يقول علماء النفس، عن نفسي لم أجرب؛ فلم أكن أميرًا أو مرفهًا لأختبر صحة هذه النظرية.

ربما لا يعرف الوليد الاكتئاب، فهو المشغول دومًا بصفقاته وشركاته ورحلاته، وإذا كان لابد من وجود الاكتئاب ضمن المقتنيات، فلديه لذلك حل، ضمن حاشيته رأيت شيخًا بدويًا عجوزًا يذكرني بالفنان الراحل علي الكسار، قالوا إن وظيفته إضحاك الأمير، وتسليته، وإدخال السرور إلى قلبه.

كانت زيارة الأمير تمثل عبئًا لنا، نحن حاملي حقائب هذا الفندق الكبير، فالرجل ليس لديه حقيبة، أو حتى ثلاثة مثل باقي النزلاء، إنما تأتي معه سيارات نقل مملوآت بالعفش والحقائب والصناديق، التي تشعرك بالعودة لزمن القوافل التجارية في رحلة الشتاء والصيف.

صناديق بها من ملابس وأغراض وأطعمة فاخرة منتقاة من أجود الأصناف والأنواع من كل أنحاء العالم، وكان من العجيب ما رأيته في صندوق خشبي كبير بداخله جهاز تكييف من نوعية خاصة، وتساءلت كغيري: أليس كافيًا التكييف في جناحه الملكي بالفندق؟ فقالوا إن لهذا التكييف مقاييس خاصة مناسبة لجسد الأمير، ويصحبه حيثما ذهب.

بصحبة فريق من أمهر الطباخين والخدم يصل الأمير، ويتسلم الطهاة مطبخ الفندق ليجهزوا للأمير ما يحب ويشتهي وفقا لبرنامجه وجدوله الغذائي، ولذلك فائدة أخرى وهي ألا يتسلل غريب فيضع له في الطعام شيئًا يؤثر على نسبة الطاقة المنبعثة من جسده الشريف – يقول بعض المتفلسفين.

ذات يوم سألت القبطان الأجنبي الذي يقود المركب الأميري الفاخر، هل يمكن أن تتوسط لدى وكيل الأمير لأكون ضمن طاقم المركب، فرد ببرود: لا أستطيع، ولن تكون؛ لأن كل الفريق، سواء الحراس أوالطهاة و الخدم والعمال هم من الأسيويين والأوروبيين، سألت عن السبب فقال: العرب لا يحفظون سرًا، ولا يضمن الأمير ولاءهم، وحياته بها الكثير من الأسرار والصفقات. فحمدت الله على حالي، وشكرته على التكرم بالتوضيح والإفادة.

في الفندق يحرص الأمير على الصلاة، فأينما كان بالفندق وجاء وقت الصلاة يجمع الموظفين بالمكان المتواجد به ليوقفوا العمل ويصلي بهم إماما، حتى عندما كانت حفلة روتانا الشهيرة التي جمع بها قرابة 70 من المطربين العرب في ليلة واحدة بالفندق حتى الصباح وغنى كل منهم أغنية واحدة لضيق الوقت وكثرة العدد، عندما جاءت صلاة الفجر أمرهم بالتوقف للصلاة.

وهي العادة التي اكتسبها منه شريكه المصري هشام طلعت قبل أن يتورط في مقتل إحدى الفنانات ويسجن، دعوة الموظفين للصلاة لا تمنعه من دعوة راقصة شهيرة عادة للترحيب بضيوف الجناح الملكي بالفندق لتسليتهم في سهرات خاصة، ضمن حملة مكافحة اكتئاب الرفاهية الزائدة، وقديمًا قالوا: قليل من الرقص لا يضر.

كانت ترقص على راحتهم، ومن أجل إسعادهم ولا ترجع إلى غرفتها، إلا بعد القيام بمهمتها على أكمل وجه بزوال الاكتئاب، قال لي مدير أعمالها – آنذاك – إنها تتقاضى في الليلة 75 ألف جنيه، وهو مبلغ لو تعلمون قليل نظير ما تقوم به من تضحيات.

عادة كل صباح أدخل غرفة حاملي الحقائب لإعداد الجرائد اليومية ووضعها في أكياس تحمل لوجو الفندق، وإرسالها لتوضع أمام غرف النزلاء، عادة ما أطالع المانشيتات: مبارك يجري مباحثات في شرم الشيخ مع فلان. فأبتسم؛ لعلمي بأن هذا الفلان كان ضيفا على الراقصة اللولبية أمس هدية من صاحب الفندق.

لم تكن الراقصة تأتي للأمير الوليد؛ فهو صاحب مكان، علاوة على كونه صاحب لاءات ثلاث، لا للمخدرات، ولا للخمور، ولا للقمار، ووفقا لأحد المحاسبين بالفندق، فهو لا يأخذ أرباح قسم المشروبات؛ حتى لا يخالط ماله حرامًا، وإنما يعطيه لشريكه المصري.

في زيارته لشرم الشيخ يحرص الوليد على الذهاب لمنطقة خليج نعمة ويدخل المقاهي بحاشيته ويتجول في الشوارع سيرًا بطاقم من الحراسات الخاصة، ولكنه إذا دخل مكانا أخذه من بابه، فلا أحد يجلس فيه أثناء تواجده، وهو ما يثير غضب السائحين الذين يطلب منهم إخلاء المكان لوجود سموه وحاشيته، قال لي أحدهم في كل دول العالم يعيش أمراء وملوك، ولكنهم لا يجبرون الناس على إفراغ الأماكن لهم كما يفعل الأمير وأمثاله من العرب.

يخرج موكب الأمير بعشرات السيارات الفارهة مع باص كبير، يحرص الوليد على التواجد بالباص في المقعد الأول، بينما تخرج سيارات الليموزين فارغة بالسائقين فقط، أما الأمير وحاشيته فهم في الباص الكبير.

ترك الأمير الفندق الفاخر بشرم الشيخ أميرًا وصاحب مكان، لينزل بفندق آخر سجينًا بالرياض، وعلى النقيض تمامًا ترك شريكه المصري هشام طلعت سجنه في بورتو طرة الفاخر بعد قضاء نصف المدة في جريمة قتل، ليعود حرًا إلى فندقه الفاخر بشرم الشيخ، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات