يحكى أن ثلاثة من العميان دخلوا في غرفة بها فيل، وطلب منهم أن يكتشفوا ما هو الفيل؟ ليبدأوا في وصفه، بدأوا في تحسس الفيل وخرج كل منهم ليبدأ في الوصف:

قال الأول: الفيل هو أربعة عمدان على الأرض.

قال الثاني: الفيل يشبه الثعبان تمامًا.

قال الثالث: الفيل يشبه المكنسة.

حين وجدوا أنهم مختلفون بدأوا في الشجار، وتمسك كل منهم برأيه، وراحوا يتجادلون ويتهم كل منهم الآخر أنه كاذب ومدع، وأمسك الأول بأرجل الفيل والثاني بخرطومه والثالث بذيله.

خلاصة القصة أنه لا يستوعب الكثير فكرة ان للحقيقة أكثر من رأي، لا يعتمد على نظرتك وحدك للأمور، قد يكون رأي الآخر صحيحًا، أو على الأقل قد يكون مفيدًا.

الفورة الشعبية التي تعيشها الجزائر اليوم والتي فقدت بوصلتها بسبب انقسام واختلاف وجهات النظر من داخل الحراك في ظل الدور الباهت والحيادي ومسك العصا من وسطها لأحزاب المعارضة، زاد من حدة التأزم والتعصب الأعمى للرأي الذي ينبئ بأن هذا الاحتقان قد تكون عواقبه وخيمة على البنية المجتمعية، بطريقة مخططة لتسهيل عملية تمرير قرارات مصيرية بسهولة تامة.

ترجع خلفية هذا الانقسام إلى العشريات السابقة، ولو قمنا بعملية تشخيص لوجدنا أن التوجس الحاصل يدور حول نقطة مفصلية أساسية وهي دور الجيش الذي يمثله «القايد صالح»، والذي يقسم الحراك إلى ثلاث فئات.

الفئة الأولى: هي الفئة التي تؤيد الجيش تأييدًا مطلقا والتي ترى في شخص القايد الخلاص من عصابة بوتفليقة وأذناب فرنسا في الجزائر، وباتت له قدسية لدى أصحاب هذا التيار تشبه قدسية الأولياء الصالحين الذين يتبركون بالمنجل. وبتحليل بسيط نجد أن هذه الفئة منبهرة بما فعله القايد صالح لأنه حقق حلمًا للشعب الجزائري برؤية أحمد أويحيى وسلال والجنرال توفيق وعمارة بن يونس وزوخ وغيرهم خلف قضبان سجن الحراش، وهي الحقيقة التي لا ينكرها إلا جاحد، فضلًا عن أن الجيش كان الحامي لحراك الشعب طول الفترة الماضية.

المتعصبون في هذه الفئة يصفون كل من خالفهم الرأي بالمبردعين (بفتح الدال نسبة إلى الحمير) والخائن وعبيد فرنسا، والزواف.

الفئة الثانية: هي الفئة التي تعتبر أن ما قام الجيش والقايد صالح ما هي إلا مسرحية ستكشف خباياها لاحقًا مثل المسرحية التي قام بها السيسي في مصر، كما أن قادة الجيش والقايد صالح على رأسهم من بقايا عصابة النظام.

ينبع هذا التوجس على خلفية الدور السلبي الذي قام به الجيش بالانقلاب على إرادة الشعب في التسعينات، والاتهامات التي لازمته خلال العشرية السوداء بقيادة الجزار نزار والتوفيق والعماري وغيرهم، وفي نظري أن هذا التوجس مشروع إلى حد ما. بحكم أن الجيش كان بقيادة مجموعة من الجنرالات كان لهم ولاء للنظام ولفرنسا، لكن عملية التطهير التي مست الجيش بإيداع مجموعة من المنتسبين له في السجن أعطت دافعًا أكبر للفئة الأولى التي تكلمنا عنها.

زادت عملية التوجس للفئة الثانية على أثر عمليات الاعتقال التي طالت مجموعة من الناشطين السياسيين ومن لهم رأي يعارض قيادة الأركان، والذي اعتبر تكميمًا للأفواه من أجل تعبيد الطريق دون عناء لمرشح الجيش في انتخابات الثاني عشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، والتي يرفضها التيار الثاني.

بلغ التوجس من الجيش ذروته للفئة الثانية بالتأييد الكامل الذي حصل عليه قائد الأركان من أحزاب النظام السابق وعلى رأسهم FLN وRND وكل من سبق لهم التورط في قضايا فساد وتزوير، إلا أن هناك من يعتبر ذلك مجرد تخندق لتلك الأطراف لتجنب عملية المحاسبة بدليل محاسبة جميعي وبهاء طليبة، وهذا التوجس مشروع خاصة في ظل عدم قدرة الجيش الخوض في التفاصيل السياسية البحته في الوقت الحالي، كما أن الإبقاء على بدوي وحكومته، وتنصيب وزراء كانوا سابقًا في حكومات بوتفليقة على رأس اللجنة المستقلة للانتخابات أجهض آمال الفئة الثانية في الذهاب لانتخابات شفافة ونزيهة.

الفئة الثالثة: هي الفئة العظمى التي تنتظر الحل والخروج من عنق الزجاجة بشغف كبير، هذه الفئة تؤيد الفئة الأولى فيما قام به الجيش من مكاسب وتقر به لحد الآن، بل وتعتبره إنجازًا تاريخيًا يحسب للجيش، لكن في نفس الوقت لديها نسبة من التوجس الذي تصدره الفئة الثانية. الفئة الثالثة تريد الذهاب إلى انتخابات رئاسية نزيهة في الثاني عشر من ديسمبر، لكنها تخشى أن يحدث عكس ذلك، وبالتالي الرجوع إلى دائرة عدم الثقة المطلقة والتي لن ترمم بأي طريقة مهما حدث.

الوضع الحالي عبارة عن مأزق حقيقي في ظل غياب المعلومة وكل التحليلات عبارة عن اجتهادات شخصية تستند على قراءة كرونولوجيا الأحداث فقط في ظل الشائعات والأكاذيب التي تروج على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبقي الوضع السياسي يراوح مكانه، وقد نشهد تأجيل للانتخابات مرة أخرى، والتي لن تكون في صالح الجزائر في ظل المؤشرات الاقتصادية الراهنة.

الوضع الحالي سيطول بسبب وحيد وهو التعصب للرأي ووجهات النظر في الوقت الذي نحتاج فيه إلى التقارب أكثر من أي وقت سابق.

عملية الانتقال لن تكون سهلة بإبعاد وتخوين كل من سبق لهم التعامل مع النظام السابق، في نفس الوقت يحتاج الشعب إلى دافع وجرعة من الأمل في انتخابات نزيهة بإبعاد حكومة بدوي من المشهد.

إن الآثار التي ستخلفها هذه الفترة على المستوى الاجتماعي تنبئ بانقسامات جديدة حتى في ظل وجود انتخابات نزيهة قد نحتاج إلى فترة من الزمن لترميمها في حين أننا في أمس الحاجة إلى ترميم القواعد الأساسية للمجتمع التي هدمتها الأنظمة السابقة بسبب تكريس الوسيلة الوحيدة للإقناع والدفاع عن وجهات النظر عن طريق السب والشتم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات