نعيش في عالم اختلطت فيه المعايير وانخفضت فيه القيم الأخلاقية والإنسانية؛ فالكل له معاييره ومفاهيمه، فلا تجد اصطلاحًا إلا تعددت الآراء والمفاهيم حوله؛ فهناك من يدعي أنه يراعي حقوق الإنسان والمرأة والأطفال، ولا عجب إن زادوا حقوقـًا للحيوان.

نرى العالم ممتلئًا بالظلم وانتهاك حقوق البعض، بينما الآخر في ترف ورفاهية ورغد عيش ولا يحلم إلا باللهو واللعب كأنه في عالم غير الذي نصفه، نجد أن الحقيقة كامنة في نفوس أصحاب العقول الراقية والضمائر الصاحية؛ لذا رأيت أن يكون موضوعي «مع تركيا» ولا أستغرب إعجابك والتفاتك حول علاقة مقدمتي بهذا الموضوع.

تركيا هي البلد الإسلامي الوحيد الذي قدم نموذجًا فكريًا واقتصاديًا ونهضويًا في كافة مجالات الحياة، وإن صح التعبير، مثالاً للتجربة الإسلامية.

تركيا ليست دولة وليدة ولا مزورة القواعد؛ فهي التي ينتمي إليها ذلك الشعب العريق، فمثلاً نجد أن مدينة إسطنبول كانت عاصمة للإمبراطوريات الرومانية والبيزنطية والدولة العثمانية، هذا التاريخ جعل المدينة لها أهمية دينية كبيرة عند سكانها من المسلمين والمسيحيين، وأخيرًا تم اختيارها عاصمة مشتركة للثقافة الأوربية، رغم مضي حوالي قرن من الزمن على تجربة تركيا للعلمانية على يد مؤسس الجمهورية التركية مصطفى أتاتورك، وبرغم ما أنفقه الغرب من ملايين الدولارات لتشييد العلمانية وحجب تركيا وشعبها لتوجههم وانتمائهم الإسلامي، أيقن الأتراك حقيقة الأمر ورجعوا لأنهم عرفوا كيف عاشوا تحت راية الإسلام.

في الآونة الأخيرة نرى ما يحدث في سوريا من إبادة وقتل الأبرياء ودور تركيا وإيران وروسيا، ذلك الملف بالغ التعقيد، وتسلسل الأحداث حوله، التي كانت الأخيرة منها اغتيال السفير الروسي في أنقرة ومحاولة الانقلاب الفاشلة، تلك الملحمة البطولية التي خاضها الشعب التركي ليثبت دوره وأركانه في المنطقة والعالم كله، هذه الأمور تجعلنا نناقش ونفكر قليلاً حول الهدف الرئيسي وجذور هذه الأزمة.

أصبحت تركيا قوة اقتصادية وسياسية دولية وإقليمية لا يمكن تجاهلها إطلاقـًا، وهذا ما تشير إليه بعض الإحصائيات التي ذكرت أن تركيا ثالث دولة بالنسبة للدول التي تقدم المعونات الإنسانية. وسياسيًا اعتراف روسيا بدور تركيا في حل الأزمة السورية مهما كانت الظروف ضيقة ومعقدة تبدو أيضًا مؤشرًا واضحًا على نجاح الدبلوماسية التركية.

نهضة تركيا نهضة أمة وأمل أمم؛ فقلما تجد دولة وصلت إلى هذا الإنجاز حوالي عقدين من الزمن، ونحن نعيش في عالم انتشر فيه الفساد حتى لا نجد مصطلحًا يلائم مستواه، لهذا يحق لنا أن نقول إن تركيا فازت بإبراز نخبة من أبنائها ليعملوا على تطويرها أولاً ونموذجًا لغيرها ثانيًا.

تبدو تركيا تقاوم مواقف كثيرة محيطة بها بطرق مختلفة؛ مع الأسف تقاوم بمعزل عن العالم الإسلامي والإنساني، تركيا تحمل مسؤولية آلاف وربما الملايين من النازحين السوريين وتستقبل كل يوم نازحين جدد؛ فشكرًا لتركيا وشكرًا لشعبها الأبي وأختم بقول المتنبي:

             لا خيل عندك تهديها ولا مال **** فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد