لم أجد عنوانا أكتبه فالقلم يغتالني منذ أن فكرت بكتابة شهادتي على مجزرة فض اعتصام رابعة وبرغم موتي بين تلك الحروف إلا أنني أصر على الإمساك به رغمًا عنه .. بينما أذرف دما .. أحدثك عن تلك الذكريات هناك في هذا العالم في رابعة التي أحاول أن أمحوها من عقلي، بل أطردها أيضا من قلبي حتى لا تصيبني الهلاوس، ويقتلنى الحنين إليها. لكنني أجد نفسي أتشبث بها رغما عنّي. ولا أدرى كيف أدرب نفسي على أن أكف عن تذكرها.

قبل المجزرة بأربع ليال عند بوابات التأمين كنت أقول لشيخي:

إن العسكر أوشكوا على خطوتهم الأخيرة في وأد الثورة وسيأتمرون مع كلابهم ليثبتونا أو يخرجونا أو يقتلونا، ولكن لن يفضوا هذا الاعتصام إلا بــأخدود.

وإذا به يبتسم محدثا تنهيدة من أعماقه ويقول لي: “أبشر”. لكنهم فاقوا كل تصورات البشر بل وتعدوا المسوخ وفعلوا ما هو أفظع. تُرى أيحق لكائن من كان أن يعبث بروح كائن آخر ينزعها منه بكل سهولة – وبدون وجه حق – بضغطة من سبابته على زناد!! متجرئا على رب العباد!! فينتهك أحد صفاته وقدسية حرماته، فينزع الروح من مخلوق!! لا يستطيع عقلي أن يتفهم تلك المعضلة إلى الآن!! فيومها تالله وبالله كنت لا أستطيع أن أتحرك في بعض الأماكن من كثرة الجثث الملقاة على الأرض!
عذرا هم ليسوا (جثثا)!!!

بل هم أرواح كانت أنقى من أن تتحمل هذا الدنس الذي نعيشه. فارتقوا إلى بارئهم. فهنيئًا لهم السماء وما تخبئه من نعيم.

من يومها، يجُن عليّ الليل ويجن معه طيف أخي معاذ السيد ويرجع بي الحنين إلى آخر عشاء لنا في السحر في تلك الخيمة ثم وداعه لنا بالانصراف. ليتني كنت أعلم أنه يوثق مشهد النهاية ويكتب السطر الأخير في الحكاية.

لعلي لو كنت أعرف، كنت سأضمه أكثر إلى صدري وأستنشق عبق رائحته أكثر وأكثر، بل لعلي أخذت شيئا من ملابسه ألتحف بها عند حنيني له. ثم فجأة يقتحمني مشهد جثمانه وهو مسجي في كفن وقد قتلوه وهو مصاب. ولم يراعوا حتى أنه أعزل ومصاب فدخلوا عليه في خيمة المصابين ثم أجهزوا على كل المصابين بمن فيهم معاذ!

غصة في القلب قاب قوسين أو أدنى من الشعور بالهزيمة، القهر، بل والحنق وأنا أنزع هذا النقاب عن وجه تلك الفتاة حتى تتنفس بعد أن اختنقت من دمائها الممزوجة بنقابها ولم تستطع أن تتنفس وإذ بنا نجد وجهها لم يعد له أي ملامح وقد تفجرت رأسها برصاصة هذا القناص الذى قتل أخانا معاذ، وأصاب شيخي الحبيب برصاصة.

بل دعنى أخبرك عن هذا المشهد المتكرر في كل تلك المجازر عن صخب تلك الفتاة التي يبدو عليها أنها حديثة الزواج وقد فُجعت بمقتل حبيبها وقد تحجرت الدموع في عينها وتحنت يداها وأرجلها بدمائه ثم تتظاهر بالثبات وتقول بكل ثقة:

“قدمته شهيدا”، ثم تواصل بكل صمود وغضب بحجم سماء في عينيها. “وسنقدم أكثر من هذا، اللًهم خذ من دمائنا حتى ترضى”

أم هل أخبرك عن هذا العجوز الذي أنهكته جراحه يومها فأعطيناه مُصحفا يقرأ منه ويستريح في أحد الزوايا عدة دقائق، ثم رجعنا له ببعض المياه فوجدنا دماءه مراقة على المصحف في نفس الزاوية، وكانت راحة أبدية من هذا الواقع العفن!

سئمت يومها تلك الجملة “مات، ماتت .. لا تحاولوا” من كثرة سماعها بعد أن نصل بمصاب آخر إلى مستشفى رابعة ثم يقول أحد المسعفين: مات ياجماعة لا تحاولوا!! فنضعه أرضا بجانب إخوانه ونغطى وجهه بكل سخط مع آهات تحشرجت وانكتمت في أعماق صدورنا، ثم نهرول لنلحق بمصاب آخر لعلنا ننقذه.

ما تمنيت في يوم من عمري أن أكون جراحا، فبطبعي أرهب الدماء وأقشعر من لونها، إلا هذا اليوم فقد كنت أقف مكتوف الأيدي، عاجزا، أصبّر المصابين بكلمات ثم ألقن الشهادة في أذن من علمت أنهم يفارقوننا. كم تمنيت حينها لو أننى جراح أو حتى آلة في يد جراح أنزع من جسد الشهداء تلك الرصاصات أو حتى أخفف عنهم بعضا من معاناتهم بعد أن نفذت علب الإسعافات بما فيها من مسكنات وبنج.

أقص عليك مشهد أختنا “طاهرة أحمد” وهي تبحث عن جثمان زوجها المفقود. أم أخبرك عن “أم الوليد” وهي تنتحب على ابنها. أخبرك عن صوت صفارات الإنذار المفزع، صوت الطلقات وهي تهشم العظام، رائحة الدماء التي تفوح في المكان، مناظر هؤلاء النخاسين من الشرطة.

في وسط هذا الصخب أتذكر شيخي وهو يقول لي دعنا نبدل الأماكن واذهب إلى أخينا مصطفى فقد تلقى رصاصة في رقبته ونفذت من الجهة الأخرى وهو يصارع الحياة الآن وثبته فهو بحاجه إلى أن نقف معه الآن وجدد نيتك.

حاولت أن أنسى أو أتناسى هذا الشيخ الطاعن في السن الذي لم يحترموا حتى شيبته وقد أعطاني بطاقة هويته وهو يفارق الحياة ويصف لى عنوانه ويقول لي أن أخبر أولاده أنه بخير وأن لا أخبرهم عن إصابته وسيرجع لهم لاحقا بعد عدة أيام. لن أكمل باقى الحديث عن مأساة هذا الرجل فقد اقتحموا المستشفى وحرقوا كل ما فيها بمن فيها! وحرقوا معهم آخر أفعال الشر التي سيعجز إبليس من بعدها بأي شيء سيوسوس لهذا الجنس بعد الآن؟؟

مع حملي لتلك الجثامين عند “عمارة المنوفية” كما يطلقون عليها، بكيت مع أول شهيد!! ثم ازداد البكاء نوعا ما مع الثاني!! ثم أصبت بنوع من الهيستريا وأصبحت أردد كلمات بحنق لا تفهم، مع الثالث.

ثم بعدها تأقلمت مع الموقف أُصبت بالامبالاة وبكل أعصاب باردة بدأت أتحرك مثل روبوت. ولعلها ليست لا مبالاة ولكنها كانت سكينة من الله تغمدت كل من في المكان حتى لا نفقد عقولنا من هول ما يدور ويحدث.

ما زال يحاصرنى بصمت طيف أخينا مجدي الذي فقدناه منذ ذلك اليوم حتى الآن ولا نعلم له طريق معتقل أو حتى جثمان. ولعله ذهب مع تلك الجثامين التي أحرقت ثم جرفت بالجرافات ودفنت في مكان لا أحد يعلمه إلا خالقه!!!!

أى عهر وقبح وعقاب هذا .. يحرمونك حتى من أن تعلم هل أخوك على قيد الحياة أم لا. فتعيش أبد الدهر بين عذاب الشك ونار اليقين.

دعني أخبرك ياصديقى عن مشهد لن يُمحى من الذاكرة و يزيد من البغض في قلبي في رصيد حساب من فوضوا، ويجعلني ألعن مرتكبي تلك المجزرة ومن ساندوهم مادام في عرق ينتفض: كنت أسمع وأنا صغير أن الشخص قد يبول على نفسه عند الخوف الشديد. ولأول مرة أرى هذا المشهد، كان يومها!!!

رويدا رويدا ياصديقي لم يكتمل المشهد بعد فلم يكن هذا المشهد من طفل بل من فتاة تعدت العشرين من عمرها .. بعد أن قتلوا فيها كل معاني الأمان.

لقد صدق هذا المسخ الأشبه بالضباع الخرقاء وهو يردد “احنا شعب وهم شعب”. نعم لسنا سواء .. ولن نكون. نعم نحيا في وطن معطوب.

و كل ما يجمعنا بهم أننا نشترك في اتساع السماء فوقنا فقط. هي سماء واحدة تظللنا، لكن الأرض ضاقت على خطواتنا. والخطوات ترجو الذهاب بعيدا عن تلك البلد مهاجرة إلى وطن يراعي آدميتنا.

ولكن الجسد يقف أحيانا ممتنعا عن الحركة، ويصر على المكوث، لحاجة هي في نفس يعقوب. كنت منذ صغري أبحث عن معنى الأمان الكامن في عدة أشياء من حولي. أشهد الله أن ذلك الأمان وجدته مع هؤلاء الشهداء “نحسبهم والله حسيبهم” ممن تعرفت عليهم في الميدان.

قوم وجوههم مضيئة، وقلوبهم وجلة، و أناملهم متوثبة، تحيرك عيونهم ما بين دمعة و لمعة، فجميع جوارحهم سخرت لخدمة المسلمين.

كنت تقريبا قد وجدت بعضا من ضالتي فيهم. ولكن أصبح كل هذا الآن مخاوف وأوهام.

واقع أسود نحياه الآن من معنى حقيقي يتجسد في كلمة “عبث”. غيض وقهر بداخلي لن يشفيه إلا أن أرى انتقام الله في هؤلاء القتلة وأدعوا الله أن يكون القصاص في الدنيا قبل الآخرة.

غادرنا رابعة تاركين أغراضنا فيها لأننا على يقين بحتمية العوده يوما ما. قُبض عليّ بعدها أنا وأخ وأخت وضمُّونا مع مجموعة صغيرة في حوالي الساعة الخامسة ثم قدّر الله لنا طريقا للهروب بعدها بساعة. ولكن بعد ما شاهدنا شتى أنواع الضرب والإهانة من بعض المرضى النفسيين هم أشبه بالبقر العجاف، يطلقون عليهم هنا في مصر اسم “عسكر”.

مشيت يومها وقد فهمت كيف لنبي الله موسى يدعو على قومه ويقول: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ .. فقد وجدتني أتمتم بنفس المعاني.

حاولت جاهدا أن أنسى كل هذا، ولكن حتى النسيان يرفض أن أنسى، فما زالوا يحاربوننى أثناء نومي، يقظتى بل حتى يحاربوني في خلوتي، بل حتى في الزحام أكون في مكان يعمه الناس وتختلط أصوات ضحكاتهم بأصوات أحاديثهم، فجأة تخترق أصواتهم جدار هذا الزحام فتتسارع دقاتي ويخفق صدري، وألتفت بلهفة متوقعا أن أراهم فلا أجدهم.

كلي يقين بأنه عما قريب سيقف كل شيء في هذا الحراك بين الظالمين والمظلومين، لتتحرك السماء وحدها وتحسم الأمر بأمر ربها!

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ

تذكر ياصديقي .. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد