أن تجعل أمرًا ما من الحياة مصيرًا لذاتك، يعني ذلك أن تصنع دائرة من الخوف في حياتك، من الحياة ذاتها، وأن تبني جدارًا من اليأس أمام الأمل، على أن الحياة أمل ويأس، وليست أملًا أو يأسًا، ثم تمشي في تؤدة كمن يمشي على شوك السعدان، والسعدان ناشب في داخله، والأحلام نائمة في أعماقه، والأفكار تؤصِّل لذلك الوهم في الأصابح والأماسي.

المصير ليس ذلك الذي تُريد، ولا ذلك الذي تطمع وتطمح، فكم من مريدٍ لكل مرادٍ ضحل، يزنه الجاهل قبل العالِم، والصغير قبل الكبير، وتعلق فيه عجلة السعي دون نتيجة، أو نتيجة دون معنى، أو معنى دون معنى مُرَكّب، يتسق مع المُريد ويزن على الميزان الخالد لكل معنىً خالد، فأن تكون أول من صعد قمة إفرست لا يعني ذلك شيئًا، سوى أنك وصلت فقط، كذلك كان جواب الرجل عندما سُئل: لأنها هناك!

إن أي أمرٍ لا يتصل بمعنى لا قيمة له، وإن أي مصيرٍ لا يتصل بميزان النفوس السامية، والهمم العالية، والقيم الحميدة، وفي رضى الله ومرضاته، هو مصيرٌ مترع «بالأنا» النذلة، والتشكُّل على هوى العالم، وهوية المُقام الذي يقبع فيه صاحبه، دون حراكٍ أو حاجةٍ للحراك، وكأنما كُفي مؤنة التحقق من الهزء المتكشف، فضلًا عن مؤونة البحث عن انتزاع الحق الشخصي والأخلاقي، والتحرر من ربقة الصمت والخنوع، ومن الربض في براثن الظلم والنفاق، والحجاج الأعوج المبني على ضعف الداخل، ولكنه لا يقدر على قول ذلك فيهيل تراب هشاشته على الخارج، ذلك الخارج الخطير، والوطن الكسيح الكسير، والرهاب المتقحم قلبه رهاب الرزق قانعًا بعقله مرتعبًا من رزقه.

كم من العمر يعيش هذا القانع بعقله مذعورًا من رزقه! لو كان مخلّدًا لرضيت له بالرضى الذي يرتديه ولا يرتديه، لأنه في الأصل غير راضٍ، ولرضيت له بالمسكنة، وهو من الوهن يتمسك بالقشة كي لا يغرق. ليس هناك أكثر مما يحدث له، لو أنه اختار ما يريد أن يحدِثه دون غيره، ليس هناك أكثر من إرادة لمواجهة الحياة بالاختيار لا بالاضطرار، بالحرية لا بالعبودية، بالصبر على الجرح الذي فُتح نتيجة طعنة خنجر سقط من يده، لا خنجر أُسقط من يد الغير.

من نحن وما المصير، إذا كان المرء هو المصير، وما المصير الذي لا مصير له سوى أن له اسمًا؟

لماذا لا نكون بلا مصير، أو نقوم على المصير الذي نختار على الأقل حتى تحق لنا الدعوى، ونقاوم بجسارة، ثم نموت في رضا دون منة من أحد، وفي أفواهنا البيت الشعري الذي يُربي الإرادة، ويزرع الشجاعة، لشاعر اليمن عبد العزيز المقالح :

سنظل نحفر في الجدار.

إما فتحنا كوة للنور.

أو متنا على وجه الجدار.

لا جبان يمكن أن تحدثه عن اختياره، حتى يحدثك عن عاقبته، وفي هذا عقل، ولكنه عين العقل ما قاله المتنبي:

يرَى الجُبَناءُ أنّ العَجزَ عَقْلٌ

وتِلكَ خَديعَةُ الطّبعِ اللّئيمِ

إن الذي يحاكمك إلى العاقبة، لا يعي عاقبته في اللحظة التي يسألك فيها، ذلك أنه سادر في غيه، متخفف من الإصرار على هدم المبدأ الحاكم.

قد يتوحش الليل كلما أكسته الظلمة من أثوابها، ولكن لا يخشى الظلمة سوى من لم يفهمها، كذلك من لا يفهم كيف يعيش لن يعيش سوى الحياة التي تعيشها كل الكائنات، حتى الكلاب!

إن الإنسان يكبر بمعاناته، ومن يهرب من المعاناة لن ينجو منها مهما أطلق ساقيه لرياح السعادة، ولكن أن تعاني فيما تُريد، خيرٌ لك من أن تعاني فيما يُراد لك، بل إنه لشرف أن تقضي على ضفاف غايتك كالماء الذي لا يقف ولا ينضب، من أن تقضي في شبر ماء راكد.

لماذا تبحث عن المصير، أو تتخوف منه، ولا تبحث عنك وعن عقابيل مكانك الثاوي في الدونية، تلك الدونية التي قزمتك، ولونت حياتك بلونها حتى صرت تضارعها كلما لاحت لك، ولا تستقبحها أو تستنكرها. لقد أصبحت هي من تسوقك، وإن كنت ترى أن مثلك من يسوق، كذلك ظرفك، هو من يقودك، بينما أنت لا تقود سوى الرعدة، بل حتى الرعدة هي من تقود.

إليك يا من تدعي الذكاء، وأنت تؤسس للغباء كل ساعة ولحظة، احشد نفسك لتقوم من تحت هذا العناء اللا إرادي، وقدِّم للحياة لتعاني بإرادتك.

إليك وأنت تخطط للفشل كلما حاولت أن تخطط للنجاح، لأنك لا تقدر على تجاوز خطواتك المعتادة، وعاداتك اليومية، وفكرك المفصّل عند خُدّام الرغبة والرهبة، انظر لترى، فأنت لم تنظر بعد، ولا أوضح من ذلك سوى ادعائك بأنك قد نظرت ولم تدع.

إليك في صراعك الداخلي المحتدم، والقلب من ضيق الهم في هم، اعرف من أين أتيت، لتدرك إلى أين تمضي، فقد أتيت من لدن خالق، كخليفةٍ مزموم إلى المعنى، ولم تأتِ لتعيش وتأكل، وتأكل لتعيش.

إن الرزق أيها الشقي، حريةٌ تنتزِع الرزق من أفواه الظلمة، وتَحرّرٌ يجعل منك إنسانًا لا شيء من الأشياء، وقرارًا تتخذه حتى لا يُتخذ فيك يومًا، فتلعن نفسك وتكتشف جبنك المتمثل في العقل الذي تنتسب إليه اليوم، ولتكن بلا مصير، إن كان مصيرك غير مكفولٍ بك، فيكفيك في ذلك إهانة بالغة، ومذمة متمادية، واهتزاز نفس، لا تقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد