دويلات سايكس بيكو بحاجة لإسرائيل أكثر من حاجة إسرائيل إليها

«لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة» عبارةٌ عجت بها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة لأسابيع. العبارة صرح بها الرئيس الأمريكي رونالد ترامب في الواحد والعشرين من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2018م.

الغريب في الأمر أن يتفاعل كثير من المسلمين مع هذا التصريح لترامب وكأنه يبوح بسر لم يكن معلومًا من قبل. والأغرب أن يظن البعض أن هذا الوصف ينطبق على السعودية فحسب وليس على كل الدول في العالم الإسلامي (بدون استثناء) التي تأسست على أنقاض الدولة العثمانية إبان اجتياح دول الغرب العسكري (المُسمى الاستعمار) لبلاد المسلمين.

لكن ربما الصدمة الأكبر ستكون لما يدرك المسلمون أن الحقيقة الأدق هو أنه «لولا إسرائيل لكانت السعودية وكل دويلات سايكس وبيكو في العالم الإسلامي في ورطة كبيرة». فالحقيقة أن كل الدويلات في العالم الإسلامي (بدون استثناء) التي تأسست على أعين جيوش المستعمر الغربي، بحاجة لإسرائيل أكثر من حاجة إسرائيل إليها.

دويلات سايكس بيكو مثلها مثل إسرائيل نتاجٌ للاستعمار الغربي للعالم الإسلامي

فالسؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسلم مفكر بكل صراحة وجرأة: ما الفرق بين إسرائيل ودويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي؟ ما هي الشرعية وما هي الأسس التي تأسست عليها دويلات سايكس بيكو الوطنية في العالم الإسلامي؟ هل شرعية وجود دويلات سايكس بيكو على تلك الحدود التي رسمها الغرب (بريطانيا وفرنسا على الخصوص) أقوى وأحق من شرعية إسرائيل؟ ومن أعطاها تلك الشرعية والسلطة؟

فكما أن إسرائيل ظهرت فجأة للوجود من لا شيء، كذلك كثير من الدويلات التي نعرفها اليوم في العالم الإسلامي عامة والشرق الأوسط خاصة ظهرت فجأة للوجود.

دويلات سايكس بيكو الوطنية مثلها مثل إسرائيل نتاجٌ للاستعمار الغربي للعالم الإسلامي. فالغرب هو الذي صنعها ووضع أُسُسها وحدودها الجغرافية وكوَّن نخبها من العسكريين ورجال الأمن والمخابرات، والسياسيين والمثقفين والإعلاميين، وأسس ما بات يُعرف بمؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسات العسكرية والأمنية والمخابراتية والثقافية، ووضع لتلك الدويلات في العالم الإسلامي دساتير. وما زالت تلك المؤسسات مرتبطة الى يومنا هذا ارتباطًا وطيدًا بالغرب. فدويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي مجرد ملحقات إدارية وأمنية للغرب.

إسرائيل هي المركز ودويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي دول تابعة تدور مع المركز

إسرائيل هي المركز والأساس الذي وضعه المستعمر ليكون امتدادًا حقيقيًّا له، المركز لامتداده العقائدي والعسكري الذي يُبقي بواسطته هيمنته على العالم الإسلامي لمدى طويل. أما باقي دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي فأطلق المستعمر الغربي سراحها (ما يُسمى بالاستقلال)، وهو سراح واستقلال صوري، كدويلات تابعة للغرب، تابعة لمركزه في العالم الإسلامي وتدور في محوره، تدور في المحور الإسرائيلي. فسبب وجود دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي هو وجود إسرائيل، شرعيتها مستمدة من وجود إسرائيل، فلولا إسرائيل لما حرص الغرب على إيجادها وبقائها، ولمَا استطاعت (أي دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي) البقاء أصلًا لكل هذه المدة، ولا منحها المستعمر حتى الاستقلال الصوري، ولمَا حماها ومنحها أدوات القوة لتستأسد على شعوبها المسلمة.

فاعلم أنه ليس هناك حاكم في دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي يُسمح له باعتلاء منصب الرئاسة أو الملك إلا إذا قدم الولاء لإسرائيل وتعهد بخدمتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لما أراد محمد مرسي الترشح لانتخابات الرئاسة في مصر سنة 2012م، تراجع عن كل تصريحاته السابقة النارية المعادية لإسرائيل وأكد أنه سيحترم كل المعاهدات الدولية التي وقَّعتها مصر وعلى رأسها اتفاقية كامب ديفيد لسنة 1978م. وقدَّم أوراق اعتماده لدى البيت الأبيض في واشنطن ليقبل ترشحه للرئاسة، ولما أصبح مرسي رئيسًا لمصر اعتمد سفيرا لدى إسرائيل وابتعثه برسالة حميمية لشيمون بيريز، رئيس إسرائيل، وبدأ مرسي بهدم الأنفاق من الجانب المصري التي كانت تمد أهل غزة بما يحتاجونه للحياة أمام الحصار المُطبق عليهم، حتى أن قيادات بحركة حماس قالت إن نظام الرئيس محمد مرسي أغلق من الأنفاق أكثر مما فعل نظام سلفه حسني مبارك.

فإذا كان هذا هو موقف عضو قيادي (محمد مرسي) في جماعةٍ إسلامية «عقائدية» جعلت من بين أركان مبادئها عدم الاعتراف بإسرائيل وتحريم التطبيع معها وتجريمه، إذا كان هذا موقفه من إسرائيل ليعتلي منصب الرئاسة في مصر، فما بالك بغير «الإسلاميين»، غير «العقائديين»؟ ما بالك بالعلمانيين والليبراليين؟ وما بالك برجب طيب أردوغان؟ وما بالك بمحمد بن سلمان؟

فلا تظنن أن أي حاكم من الحكام في العالم الإسلامي، يستمد شرعيته وسلطته من منظومات سايكس بيكو وخرج من رَحِمِها، يَكِنُّ عداءً حقيقيًّا لإسرائيل أو يعمل ضدها. فحتى لو تظاهر حكامٌ لفظيًّا بعدائهم لإسرائيل، وحتى لو قدموا مساعدات للفلسطينيين وللفصائل الفلسطينية المدنية أو المُقاوِمَة، فهم يقومون بكل ذلك ضمن إطار مسموح به غربيًا، ولا يتعدونه أبدًا، الهدف منه احتواء مقاومة الشعوب المسلمة وإدارة نشاطاتها وتحركاتها وتحجيم سقف تطلعاتها لكيلا يخرجوا أبدًا عن وصاية الغرب والتبعية له، وليس تمكينها من القضاء على إسرائيل.

فإسرائيل بمثابة أساس المنزل وأعمدته، وباقي دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي بمثابة الحيطان الممتدة بين الأعمدة وفوق الأساس. … أرأيتَ لو أن أعمدة البيت أو أساسه تصدَّعت، هل تبقى الحيطان ثابتة، أم ستنهار على بكرة أبيها؟ فانهيار إسرائيل واندثارها من الوجود يترتب عنه بداهة وبسرعة البرق انهيار واندثار كل دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي. وفي المقابل انهيار أحد أو بضع دويلات سايكس بيكو سيكون له تأثير متفاوت (وليس بالضرورة فوري) على وجود إسرائيل، كتأثير انهيار أحد الحيطان على البناية. فكلما انهار حائط اشتد تعرض البناية أكثر لأضرار الرياح والمياه الخ، لكن لا تنهار على الفور، وإن أصبح انهيارها مؤكدًا ومسألة وقت فحسب.

فَـ«لولا إسرائيل لكانت السعودية وكل دويلات سايكس وبيكو في العالم الإسلامي في ورطة كبيرة»، ولذلك تحرص كل الأنظمة في العالم الإسلامي على حماية إسرائيل من الانهيار، فهي بحمايتها لإسرائيل تحمي وجودها هي نفسها، لأن وجودها مرتبط ارتباطا مباشرا ومصيريا بإسرائيل.

لو نشبت حرب مصيرية بين إسرائيل والمسلمين ستحارب جيوش دويلات سايكس بيكو لجانب إسرائيل

صدق سيد قطب حين قال: [إن هذه الجيوش العربية التي ترونها ليست للدفاع عن الإسلام والمسلمين وإنما هي لقتلكم وقتل أطفالكم ونسائكم! ولن تطلق طلقة واحدة على اليهود].

لكني أذهب الى ما هو أبعد، وأزعم أنه لو نشبت حرب حقيقية مصيرية بين إسرائيل والمسلمين (وليست مناوشات ومعارك محدودة مُتحَكَّم فيها غربيًّا وعن طريق أنظمة سايكس بيكو)، فلن تكتفي الجيوش «النظامية» في دويلات سايكس بيكو في العالم الإسلامي بالحياد، ولن تكتفي بمنع المسلمين من الالتحاق بأرض المعارك، بل سيحارب غالبيتها لجانب إسرائيل. وستذكرون قولي هذا ولو بعد حين.

مصادر

ترامب: لولا السعودية لكانت إسرائيل في ورطة كبيرة

ترامب خاشقجي ولي العهد المخابرات

هل يغلق الرئيس مرسي أنفاق غزة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد