«الحرب هي السلام ..

الجهل هو القوة ..

الحرية هي العبودية».

جورج أورويل رواية 1984

لا ريب أنك حينما تمشي على الكورنيش مُلجمًا بهمومك، حاملًا همّ إيجار متأخر لسكن بمنطقة عشوائية، ومصاريف مدارس تُعلّم الجهل والبلادة، ودروس خاصة استنزفت الغني المترف والفقير المنهك، وعلاج لأطفال تدهورت صحتهم ولم يبلغوا الكهولة بعد، وسلع غذائية ارتفع ثمنها ولم تعقب، وعيون تتربص بك الدوائر فتجعل عليك دائرة السوء، و… و… و… ثم تسمع مناديًا ينادي «متخافش.. إحنا معاك.»

لا ريب – في ذلك الحين – أن يستريح قلبك، ويهدأ روعك، وتوقن أن همومك قد غرقت بلجج ذلك اليمّ الذي تمشي على كورنيشه.

ربما – في فيلم من أفلام الفانتازيا المستقبلية – نرى أتوبيس نقل عام يمشي أو يقف بمحاذاة موكب للأخ الأكبر (بدون ذكر أسماء!)، ذلك الموكب الذي تُخلى له الشوارع من الرجال والراكبين والطير في السماء، والزواحف على الأرض .

ولكن يا للقدر الذي يأبى إلا أن يمر أتوبيس للنقل العام مكتظ بذويه يسير بسرعة تورماي إسكندرية ذي شلل الأطفال، محاذيًا موكب الأخ الأكبر الذي يمر كبرق خاطف أو كطائرة نفاثة! ثم يُخرج رجلٌ رأسه من كوم اللحم الذي يقلّه الأتوبيس العام محييًا الأخ الأكبر قائلًا «متخافش.. إحنا معاك». وعجبًا أن يسمعه الأخ الأكبر من خلف زجاج مضاد للرصاص والقنابل والصواريخ!

لا يجرؤ أحد أن يطعن في صدق الأخ الأكبر، ولكن قد تكون أذنا الأخ الأكبر – بحسن نية – سمعت همهمات المحيي خطأً؛ فربما كان الرجل ينادي أحدًا على الرصيف الآخر مخاطبًا إياه «متخافش.. إحنا معاك» أو يحدث أحدًا بجانبه بصوت نفذ من زجاج سيارة الأخ الأكبر الفولاذي؛ وسمعها الأخ الأكبر فظن الخطاب موجهًا إليه! وربما لم يكن هناك محيٍّ أصلًا؛ ولكن تقدم العمر قد فعل أفاعيله بالأخ الأكبر! ومن الممكن أن يكون أصحاب الأخ الأكبر قد أحبوا أن يظهروا له شغف الناس بأخيهم الأكبر؛ فدبروا تلك الصنيعة الركيكة بليل أو نهار حتى يدخلوا السرور على قلب الأخ الأكبر الحنون!

ولكن دع عنك كل هذا وانظر إلى الجانب الأعمق في موقف الأخ الأكبر؛ إذ إن الرجل البسيط الذي أخرج رأسه من شباك الأتوبيس وجه تحية حارة إلى الأخ الأكبر مفادها؛ إسداء الأمن والطمأنينة والسلم «متخافش إحنا معاك».

فهل عمل الأخ الأكبر بتلك النصيحة التي خرجت من فم رجل بسيط وجهها تحيةً له؟

إن المعايش للأحداث لا يرتاب أن الأخ الأكبر لم يمتثل كلام الرجل قيد أنملة، ولم يحمله على سبيل الجد أو التقدير؛ فالخوف يحيط به من كل جانب يصحبه أينما ذهب ويحلّه معه متى حلّ، وكأنه والخوف رفيقا درب، أو أخوان اجتمعا على ثدي واحد.

فأصحاب الأخ الأكبر بوزارة الحب (بدون ذكر أسماء) يدورون على كل فج عميق ينتشلون ما تسنى لسياراتهم حمله من شباب الشوارع والمقاهي، وما تطيقه السجون من أصحاب الكلمة والرأي حتى غصّت. ولو زادت السيارات والسجون؛ لزادوا!

فتلك فرقة (بدون ذكر أسماء) قوامها ستة شباب كانوا يحاولون أن يدخلوا البهجة المحرمة على أسارير الشعب باحترام وأدب؛ فهم لم ينبسوا ببنت شفة لفظًا قبيحًا ولا مصطلحًا دنيئًا أو وصفًا بذيئًا.

غير أن أذنيْ الأخ الأكبر لم تطق سماع ذلك الفن الهادف والنقد المهذب، فارتاع الأخ الأكبر ولم يأبه بتحية وطمأنة راكب أتوبيس الكورنيش «متخافش.. كلنا معاك»، ولم يهدأ روعه إلا لما اكتمل القبض على شباب الفرقة الستة واحدًا تلو صاحبه!

وذا صاحب برنامج على شبكة الإنترنت (بدون ذكر أسماء) كان يمسك بالطبلة مطبلًا مثلما يفعل جميع مؤيدي الأخ الأكبر.

بيد أنه طبّلَ نابذًا بعض القهر الواقع على كواهل أصحابه، شاكيًا بثه وحزنه إلى الله.

ولكن المُطَبَل له وأصحابَ الطبلة قد غضبوا غضبًا شديدًا؛ فهم لن يقبلوا مطبلًا غيرهم إلا أن يسلك مسلكهم التراثيّ العتيّ الذي أخذوه عن أسلافهم الأُوَل؛ فقد غدا الطبل آية جعلت لهم، وأممت الطبلة شركة مساهمة هم مساهموها!

ولم يتركه أصحاب الأخ الأكبر يطبل مع جموع المطبلين بإيقاعه المختلف الذي عارض فيه ذلًا واستبدادًا وظلمًا.

فالرجل يطبل بما يطرب الشعب العاجز قليل الحيلة بما يمكن أن يخفف من آلامه.

غير أن أصحاب الأخ الأكبر آلوا على أنفسهم ألّا يكون إيقاع التطبيل إلّا كما يطرب أذني الأخ الأكبر فقط.

فألقى القبض على الرجل بتهمة التطبيل على غير القواعد المعهودة، والإخلال بشرف الطبلة، والدعوة إلى التطبيل بإيقاع مخالف للموروث، وازدراء التطبيل الأثريّ، وسب المطبلين القدماء وقذفهم.

وهذان صحافيان (بدون ذكر أسماء) قد قالا كلمتيهما بما توجبه إنسانيتهما قبل مهنتهما؛ فاتّقدَ خوف الأخ الأكبر متوهجًا؛ مما جعل أصحابه يخالفون صريح القانون والدستور للإمساك بهما بشكل مهين لمهنة ولمكان كسبا قدرهما بصريح الدستور والقانون.

وهذا مبدع ساخر (بدون ذكر أسماء) قد حُلف عليه بالطلاق ثلاثًا أن لو رجع من الخارج فلن يعرف الذباب الأزرق له سبيلًا!

وذلكم كاتب (بدون ذكر أسماء) قد منعت مقالاته من النشر لحاجة في نفس الأخ الأكبر أو نفوس أصحابه، فآثر الرجل الخروج من القرية الظالم أهلها موليًا وجهه قبلة يرضاها تقدر الفكر وتحترمه.

لقد أصبحت جريمة الفكر سبيلًا مؤكدًا نحو الهاوية، وصار الفن (النظيف) مؤديًا – لا محالة – إلى غياهب الجُبّ، وغدا الإبداع تأشيرة نفي أو إدراج في قوائم المنبوذين.

ويا لها من كلمات قيلت في رواية 1984 صدقت وصدق جورج أورويل:

«إن جريمة الفكر لا تفضي إلى الموت.. إنها الموت نفسه!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد