إبان الانتفاضة الأولى (1987-1993م) قال لي من صار شهيدًا بإذن الله في الانتفاضة الثانية أنه يحب ويتمنى أن يتولى (أرئيل شارون) رئاسة وزراء الكيان العبري لعلكم أدركتم ما السبب، وهو أن شارون وغيره ممن يظهرون العداء قولا وفعلا ويفكرون بصوت مرتفع، ولا يتحلّون بمعسول الكلام مع عدوهم (وهو نحن) كفيل بجعل الصراع واضح المعالم، ولا طريق إلا مناجزته، بعيدا عن كل أوهام السلام، ذلك أن أمثال (شمعون بيريز) مثلا كانوا مثل من يصافحك ويعانقك ويضمك ويطعنك بخنجر مسموم في ظهرك!

هذه الفكرة كانت تستولي على قطاع واسع من أبناء الأمة؛ ومنها كاتب هذه السطور؛ فعدو مكشوف لا يراوغ ولا يناور، أفضل من عدو يستخدم الكلام اللين غالبا، ويقدم بعض الفتات ضمن تكتيك لا يمسّ الاستراتيجية التي تجمعه مع الأول.

وخلال الأيام الماضية ثمة من تمنى فوز (دونالد ترامب) بولاية ثانية لهذا السبب، طبعا هناك خصوم بل أعداء لمن ديدنهم الحرقة على الأمة ممن فكروا بهذه الطريقة، تمنوا ذات الشيء ولكن لسبب مختلف تماما، وهو ربط مصيرهم بترامب وصهره كوشنير وسياسات واشنطن بقيادة هذا الرئيس الأمريكي الذي لا يشبه في أقواله وأفعاله وأطروحاته أيا من أسلافه (44 رئيسًا) الذين جلسوا في المكتب البيضاوي.

لكن دعونا من هؤلاء الذين بدا أن ترامب حبلهم السري حيث سأعود لهم في مكان آخر من هذا المقال؛ ولنركز حديثنا على الذين يحبون أن تكون أمريكا وإسرائيل وغيرها من الدول والكيانات المتغطرسة الظالمة المستكبرة في الأرض، تحت قيادة زعماء لا يتحلّون بأي ذرة من الدبلوماسية، ويكشرون عن أنيابهم، ولا يرتدون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أو من الذين يستخدمون سياسة العصا دون جزرة أو من سمته البلطجة السياسية.

فهؤلاء –كنت منهم- لم يستوعبوا الدرس ولم يستشعروا سقوط رهاناتهم على حالة نهضوية تستنفر الأمة، وتقلب التوازنات وتغير المعادلات، مع أن الأمثلة أمامهم كثيرة، ولنكتف بدونالد ترامب؛ فقد اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، ولم تتحرك جموع الأمة، وتفاخر بهذا (الإنجاز) وأعلن عن صفقة القرن، وأجبر دولا عربية على المجاهرة بفاحشة كانوا يخفونها أي التطبيع مع الكيان العبري علنا، وتحدث باستكبار ساخر عن بعض زعماء العرب وأنه يقوم بأخذ الجزية أو(الخاوة) منهم، كما أنه حتى قتل بقصف معلن قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وأعلن عن منع سكان عدة دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة…إلخ؛ فهل كانت أحوال الأمة أفضل، وهل خرجت الأمة ضد الاستبداد أم أن المستبدين ازدادوا في عهد ترامب وحشية ودموية، وشعورا بأنه يحق لهم فعل ما يشاؤون في شعوب يرونها قطيع أغنام يحق لهم التصرف به بالبيع أو الذبح والسلخ أو الحجز في حظائر؟ الإجابة ما نرى لا ما نسمع، وحسابات وظنون قامت على أن نهضة الأمة واستنفار طاقة الغضب الكامنة فيها ضد من يعتدي عليها، مدماكها الأول هو وجود قائد أو زعيم للأعداء أو المعتدين يجاهر بعدائه ويهاجم دون أن يتظاهر بأن (دمنا لوّث حدّ سيفه) تبين في زماننا أنها خاطئة ومجرد أوهام ورهانات خاسرة، بل إن الخسائر في ظل هؤلاء أكبر وأعظم، على الأقل في المدى المنظور والواقع المعيش.

ولعل السبب يعود إلى مقارنات تاريخية، تؤكد أن صلف وعجرفة وغطرسة وعدوان بعض قادة الأعداء يعني وفق قانون ردّ الفعل الشهير، وجود حركة مضادة في صفوف الأمة؛ ومن ذلك أن أرناط (رينالد دي شاتيون) الذي كان حاكما لأنطاكية وسجن في حلب 16 سنة وصار بعد مدة أميرًا لقلعة الكرك الصليبية إبان غزو الفرنجة واحتلالهم أجزاء من بلاد الشام ومن ضمنها القدس، قد طغى وتجبر ونقض العهود ونكث مرارا وتكرارا ووصل به الحال إلى إرسال حملة لاحتلال مكة المكرمة، ووصل جنوده إلى بعض شواطئ البحر الأحمر على مقربة من مكة فعلا لكن تم دحرهم، ولم يرتدع هذا المجرم فأغار على قوافل التجار وحجاج بيت الله الحرام يقتل ويأسر ويسلب وينهب متباهيا مزايدا على أمراء الممالك الصليبية الأخرى، فكان أن أقسم الناصر صلاح الدين أن يقتله بيده، وهو ما كان فعلا بعد معركة حطين (1187م) حيث اقتيد مع القادة الصليبيين الآخرين إلى حضرة السلطان فضرب عنقه وأعطى الآخرين الأمان. هذه الحادثة التي تبعث على مزيج من الأمل والفخر وأمثالها تجعل قطاعًا أو تيارًا من الأمة يأمل بأن يسود الأعداء أمثال أرناط؛ ولكن يا قوم: إذا كان لديهم أرناط فأين هو صلاح الدين اليوم؟ ألا ترون أن الحال يشبه حالات أخرى في التاريخ لا أريد أن أذكرها كي لا يقال أنني أمعن في بثّ اليأس والإحباط، لماذا نفرح بأن أرناط يهاجمنا فيما نحن نفتقد صلاح الدين ورجاله؟!

أما من تماهوا مع ترامب وراهنوا على استمراره لولاية ثانية لدرجة توحي من خلال إعلامهم وذبابهم الإلكتروني أنهم رغبوا بقوة أن يفوز في الانتخابات، فيثبتون في عهده الثاني أركان استبدادهم ويزيدون في إذلال شعوبهم؛ فأنا ربما أزعم أنهم لا يظهرون حقيقة ما في نفوسهم من رغبة بغيابه وعدم تكرار نموذجه؛ لأنه أمعن في إذلالهم علنا، ولم يتظاهر أمام الكاميرات بشيء من التقدير والاحترام الزائف لهم، ولم يكترث لحفظ شيء من ماء وجوههم، وأجبرهم على إعلان اقتراف الذنب وقد كان من قبله وربما من بعده سيكتفون منهم بارتكابه سرّا، كما أن سياساتهم القائمة على الاستبداد والقهر والاستعباد كانت قبل ترامب وفي ولايته، وعليه لن تتأثر بعد تركه البيت الأبيض، فهم يعرفون أن علاقتهم و(عقود عملهم) مع الدولة العميقة في واشنطن أكثر مما هو مع شخص رئيس يذهب حتى لو استمر ولايتين، ألا ترون أن منهم من تعاقب على وجوده على عرش الاستبداد رؤساء من الحزبين ولاية أو ولايتين؟!

الأمة بخير ولله الحمد، ولكن في الظرف الحالي، لم تزد سياسة أرناط العصر حالة اليقظة في صفوفها، مع بالغ الأسى، ومن الأفضل البحث عن طرق أخرى لتفجير طاقات الأمة بدل تمني استنساخ أرناط ونحن بلا صلاح الدين.

الله غالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد