كيف يحصي الله الحسنات والسيئات؟ هل الصورة التي كانت لدينا ونحن أطفال صحيحة أننا نكسب نقاطـًا بالحسنات ونخسر بالسيئات؟ وأن صافي رصيدك هو ما يحدد مستواك الإيماني؟ إذا كان الأمر بهذه المباشرة، فما معنى ذكر الحساب الطويل والمرهق في يوم القيامة؟ ألا يكفي أن يعرف كل منا رصيده ثم يتوجه مباشرة إلى الجنة أو النار ليعجل له بجزائه؟

لنجيب على هذه الأسئلة سنخوض مرة أخرى في مناقشة الإحصاء والعد في المعارف الإنسانية الواقعية، ثم نعقبها بمقارنة ما خلصنا إليه مع طريقة تناول القرآن للمفاهيم نفسها.

كما فصلنا في المقالين السابقين ١ ٢ لا يمكن لأحد أن يجزم ما هي الأرقام، ولا أن يبرر لماذا يجب أن نصدقها أكثر من الألفاظ الأخرى؛ فالأرقام نفسها قد تتراوح بين أن تكون إبداعًا خياليًا له فائدة عملية محدودة، أو أن تكون وصفـًا كميًا للموجودات، وصفـًا غير صحيح في حد ذاته، ولكن صحته مقتصرة على صحة إدراكنا للمعدود.

ولهذا فصحة الأعداد تأتي من قدرتها على وصف المعدود، وليس في قدرتها على تلخيص تكراره، وهنا يظهر الجانب الكيفي في الرياضيات. «برجاء مراجعة المقالين السابقين لتفصيل ومناقشة ماهية الأرقام وطبيعة اليقين فيها».

فالمعدود نفسه «قلم مثلًا» هو شيء غير قابل للتعميم كميًّا؛ أي أنه ليس له وجود مكرر؛ فلا يتطابق مفردتان في الواقع تمامًا، فمثلًا سبعة برتقالات لا تزن سبعة أضعاف إحداها، وليس فيها سبعة أضعاف الفيتامين في إحداها.

فمعنى البرتقالة نفسه هو عبارة عن اختزال للعديد من الصفات الفيزيائية من وزن ولون ومكونات مختلفة… إلخ، ولفظ «برتقالة» هو عبارة عن تعميم لمجتمع من البرتقال الذي تتباين فيه كل هذه الصفات، ولكننا نختزل هذا المعنى في لفظٍ واحد عام ليسهل تداوله، وبالتالي فأية محاولة لتلخيص متوسط وزن البرتقال بأن تقول: «لدي من البرتقال طن» هو تسطيح ركيك لقيمة البرتقال ووزنه ونضجه ولا يعطي أية معرفة إحصائية صحيحة عن البرتقال، فلا تستطيع مثلًا كتاجر برتقال أن تضع له سعرًا، ولكن لكي تستطيع أن تضع له سعرًا يجب أن تستكشف حقيقته بشكل وصفي لا كمي.

وهذا إما بأن تحصيها بشكل حقيقي مباشر مثل تاجر الفاكهة فتدخل مخزن البرتقال بنفسك وتفتح كل صندوق لتحصي تباين المواصفات الفيزيائية فتشم البرتقال وتذوقه بنفسك، أو أن تحصيها بشكل نظري كمديري المشتريات في إحدى شركات العصير الذي يكتفي بقراءة تقرير لفظي مستفيض يصف الصفات الفيزيائية المختلفة ومقدار تباينها داخل شحنة البرتقال، في كلا الحالتين فالوصف الكيفي سواء أكان حسيًا أم لفظيًا هو فقط الذي يستطيع أن يوفر لك معرفة إحصائية معتبرة بحقيقة الشيء.

إلا أن المعرفة غير المباشرة وغير الحسية قاصرة على جودة الألفاظ في الإشارة للحقيقة وعلى حجم العينة الموصوفة ومدى تعبيرها عن مخزن البرتقال.

هل يؤثر السعر فعلًا على العرض والطلب؟

علوم الاقتصاد أحد الأمثلة الواضحة لقصور العد كوسيلة لفهم الواقع؛ فالاقتصاد قائم على عد الأشياء مثل المنتجات والنقود والمستهلكين والأسعار… إلخ، ثم محاولة استنتاج الروابط بينهم بناء على تلخيص رقمي، ولكن إذا كنا أصلًا غير قادرين على الوصول لألفاظ قابلة للتعميم فلا يوجد معنى عملي لعملية العد نفسها.

كمثال يفترض الاقتصاديون أنه كلما ازداد سعر منتج كلما قلت مبيعاته، وهو افتراضٌ علمي، فقد راقَب العلماء أسعار العديد من المنتجات ووجدوا الطلب عليها يقل مع ارتفاع السعر، هذه النظرية جيدة، لأنها بالفعل تصدق على عدد كبير من المنتجات، إلا أنها نظرية غير صحيحة، أي أنها لا يمكن الاعتماد عليها في كل المواقف وفي كل الظروف، فمبيعات العديد من المنتجات لا تتصرف وفقـًا لما تتنبأ به النظرية، فمثلًا العطور قد تزيد مبيعاتها عند زيادة السعر، ومبيعات تذاكر المواصلات العامة قد لا يحدث بها تغيير يذكر سواء زدت السعر أم خفضته.

من أين إذن يأتي هذا القصور في النظرية؟

المشكلة الأولى هنا أن لفظة «سلع» هي لفظة عامة أكثر من اللازم، فالعلماء أرادوا استخدام اسم يشير إلى أكبر عدد ممكن من «الأشياء» لتتمكن النظرية من التنبؤ في أكبر قدر من الأسواق؛ فمثلًا لو كانت النظرية تتكلم عن البرتقال فقط لاستطاعت أن تأتي بوصف أصدق بالفعل، ولكنها في المقابل لن تكون مفيدة لبقية المنتجات مثل العطور والمواصلات العامة، وهنا يظهر مأزق العالم في الاختيار بين التضحية إما بمساحة تطبيق النظرية -وبالتالي بفائدتها- وإما التضحية بعمقها وبالتالي بقدرتها على التنبؤ، فكلما زاد عدد الضيوف على مائدته قَلَّت قدرته على إشباع كلٍ منهم، وليخرج العالم من هذا المأزق هناك حَلّان، إما أن يدعو عددًا أقل من الضيوف «الاكتفاء بنظرية صحيحة للعطور مثلًا» أو أن يستثمر في مزيد من الطعام «يبني نظرية جديدة».

فمثلا لتفسير اختلاف بين رد فعل سوق البرتقال عن العطور عن المواصلات العامة حسب الاقتصاديين، رد فعل مختلف الأسواق عن بعضها وطوروا مفهومًا إضافيًا هو «مرونة الطلب» والذي يصف رقميًا إلى أي مدى هناك سوق حساس لزيادة السعر وآخر مُتَبَلِدْ، إلا أن هذا الحل نفسه أتى بمشاكل جديدة منها افتراض أن لكل سلعة «مرونة عرض» مستقرة مهما تغير المستهلك، أو تغير احتياجه، أو خرج منافس من السوق، أو توافر بديل جديد للمنتج، وهي افتراضات غير واقعية، وبالتالي فالتفسير الجديد يتطلب نظريات أجدد لمعالجة القصور الذي أتى به، وهكذا سيزداد عدد النظريات وتعقيدها بشكل متسارع ليس لأن الواقع أصبح أكثر تعقيدًا ولكن لقصور الأساليب الرقمية والمخازن اللفظية ذاتها عن التعبير عن الواقع السائل المتغير.

الحل الثاني لبناء نظرية اقتصادية أكثر صحة هي أن تقلل مجالها بشكل أدق لتكتفي بالتعبير عن عدد أقل من «الأشياء»، وفقـًا لهذا المنهج فأقصى صحة يمكن الوصول إليها ستتحقق إذا استطعت أن تبني نظرية اقتصادية على منتج واحد بعينه مع مستهلك واحد بعينه في وقت محدد وحالة مزاجية محددة، هنا فقط ستأتي بنظرية مثالية في صحتها، ولكنها ستكون نظرية غير مفيدة كثيرًا لأنك لن تستطيع استخدامها مرة أخرى.

وبالفعل مثل هذه الأبحاث موجودة وليست خيالية، فبعض التجاريين الذين يقومون بصفقات استراتيجية يقومون ببناء نموذج «وهو نوع من النظريات» لدراسة صفقة تسليح لجيش ما ليستخدمها في عملية عسكرية محددة ويخرجون بأفضل حل للتسليح، والذي يتناسب مع «حقيقة» هذا العميل المالية والفنية والسياسية، وقد لا يصلح للاستخدام مرة أخرى مع عميل آخر، وكذلك فهذه النظريات تجدها في دراسة المشاريع الاستراتيجية الأخرى مثل البنية التحتية، والطاقة وتخطيط المدن… إلخ.

اقتصاد بلا إحصاء

المشكلة الثانية  كما يقول جون ستيرمان رئيس قسم النظم الديناميكية في MIT أن علم الاقتصاد المبني على علوم الإحصاء «الاقتصاد القياسي وهو الاتجاه السائد في الدراسات الاقتصادية» يعاني من مشاكل منهجية نتيجة تجاهله للحقيقة السائلة للواقع.

فالاقتصاد يحاول إيجاد تفسير مادي عام لكل مفهوم؛ فالسعر مثلًا يقتصر على المقابل النقدي ولا يضع في الحسبان الأبعاد المتعددة للسعر نفسيًا وسلوكيًا واجتماعيًا والتي يسهب التسويق في معالجاتها، لهذا فكثيرًا ما يتناقض علمي التسويق والاقتصاد في رأيهم حول القضية نفسها.

كما أن الاقتصاد يعتبر أن الأمور ثابتة بذاتها، فالاقتصاديون يجمعون بيانات عما حدث في الماضي ثم يحاولون التنبؤ بما سيحدث في المستقبل، وهذا يتضمن افتراضًا غير واقعي فلا يوجد ضمانة أن المستقبل سيكون تكرارًا رتيبًا للماضي.

أيضًا فالاقتصاد يعتبر أن تصرفات الإنسان هي تصرفات عقلانية واعية تهدف لتعظيم الربح أو الفائدة من معاملاتهم، ولذا فالاقتصاديون يفترضون أن ردود فعل الأسواق ستستهدف أفضل منفعة ممكن تحقيقها من الثروة والأدوات الإنتاجية والفرصة… إلخ.

وهو الافتراض الذي قوضته كثير من البحوث التي أثبتت أن الإنسان مخلوق عاطفي «سواء أكان مسؤولًا حكوميًا أم رجل أعمال أم مستهلكـًا» وكثيرًا ما يأخذ قرارات قد تضر به لمجرد تحكم مشاعر ما فيه، وكثيرًا ما يرى الواقع بشكل مشوه ومبتور لعدم وجود معلومات كاملة ولافتراضاته المسبقة والتي تجعله لا يلتفت لكثير من الحقائق التي تخالف توقعاته.

ولكن هذا لا يعني أن المعرفة الناتجة من الإحصاء «أو تطبيقاته الاقتصادية» خاطئة، بالعكس فالمعارف الإحصائية جزء لا غنى عنه، ليس في العلوم الإنسانية فقط كما يظن غير المتخصصين بل في صلب العلوم الطبيعية من بيولوجي إلى كمياء إلى فيزياء إلى فلك، ولكن الخطأ الشائع هو الثقة في المنتج المعرفي الإحصائي واعتباره معرفة كافية وصحيحة في حد ذاته، فالواقع أكثر عمقـًا وثراء وتنوعًا من أن تختزله في وصف رقمي، فتستنتج مثلًا أن النمو الاقتصادي لبلد ما هو محصلة لتراكم ميكانيكي للادخار والإنتاجية فيها «Solow–Swan mode»، ثم تعتقد أن هذا الاستنتاج هو وصف حقيقي للواقع، وتحاول تعميمه على كل البلدان والمواقف المختلفة، بل تتوقع أن يتكرر الأمر نفسه برتابة على مر الأزمنة، بالرغم من أن الواقع أكثر عُمقًا وسيولة من أن تحصيه بوضعه في قوالب جامدة؛ لذا فمن الخطير جدًا أن يطبق الاقتصاديون هذه النظريات بشكل آلي ويروجوها لصناع القرار كأنها «الرأي العلمي»، والأخطر هو رغبة كل من الاقتصاديين وصناع القرار في أن يحددوا عددًا من هذه النظريات الاقتصادية يثقون فيها؛ فهذه الثقة عادة ما تتحول إلى تقديس، ثم بشكلٍ غير واع يبدأ المجتمع الاقتصادي في التعامل مع هذه النظريات الاقتصادية لا كمجرد وصف رياضي لواقع ما له مجال صحته وقصوره، بل كنص مقدس يستخدم بشكل حصري لاختزال الواقع والحكم عليه بشكل نمطي ورتيب، ثم يجعلون الأجيال الجديدة من الاقتصاديين في مؤسساتهم يتعلموها، ويطبقوها كمعيار رتيب لا يجوز مهنيًا تَخَطْيه، وبهذا تتكون دائرة مفرغة تجعل نظريات اقتصادية بعينها تسود تطبيقيًا برغم قصورها، ولكن بسبب أنها حظيت قبل غيرها على حماس قادة المؤسسات الاقتصادية، ولهذا ما يزال يغلب على الاقتصاديين التطبيقيين والنظريين الاعتماد على الاقتصاد التقليدي المبني على الإحصاء، والذي ما يزال يستخدم التلخيص العددي والكمي والقياسات الجامدة «Discrete» كأدوات معرفية بشكل شبه حصري، بل ما تزال معظم جوائز نوبل في الاقتصاد تمنح في أغلبها للاقتصاد القياسي؛ فما زال لدينا مخزون ضخم من علماء الاقتصاد التقليديين الذين يقودون علم الاقتصاد في الاتجاهات التقليدية.

وهذا الخطر ليس في بلادنا العربية فقط بل تنبه إليه كثير من الاقتصاديين في الدول المتقدمة. لهذا بدأت منذ فترة تيارات ثورية في الاقتصاد تحاول أن تتلافى جمود الاقتصاد القياسي وقصور منتجاته، وتسعي هذه التيارات لإنتاج معرفة أكثر صحة، متسلحة بكامل ما في حوزة البشرية من أدوات معرفية في آنٍ واحد، من عد ووصف وحدس وتجريب… إلخ «Quantitative, Qualitative, Experimentation, Knowledge Elicitation, Design Science, Dynamic Modeling, Process Research and Simulation». بالإضافة لتصاعد اتجاه لدراسة السوق والمنتج والمستهلك لا كظواهر اقتصادية فحسب بل فحصها باستخدام عدسات من كافة العلوم الممكنة للإنسانية، فتجد تدافع من الاقتصاديين إلى تبني تيارات جديدة في الاقتصاد مثل الاقتصاد السلوكي والاقتصاد العصبي، فتجد دراسات في كل أنحاء العالم لحالة الهرمونات وكهرباء المخ أثناء اتخاذ قرارات الشراء أو الاستثمار، وتجد آخرين يحاولون استخدام علوم التغذية والجيولوجيا لتفسير لماذا تتشابه عفوية وعقلانية قرارات الاستهلاك والإنتاج لدى سكان السواحل في أنحاء العالم، وآخرين يعكفون بعدسات أخرى مثل علوم الحاسب والجغرافيا وعلم نفس الأطفال إلى آخر العلوم؛ فالمعرفة الإحصائية يجب أن تتجاوز الفهم العددي الضيق لتشمل أكبر تنوع ممكن من الأدوات الإدراكية وأن تشمل أكبر عدد من جوانب المُحصَى؛ فلكي نفسر السلوك الاقتصادي لسلعة بسيطة كالبرتقال فحجم البيع والإنتاج والسعر لا يكفي، بل يجب أن نعي تنوع الخواص للمحصول الزراعي في الفترة نفسها ومقارنته بما يتذكره المستهلكين عما سبق وتوقعاتهم لما سيأتي، ويجب أن نفهم تنوع المستهلكين وكيف يأخذون قرار الشراء لمثل هذه السلعة، وما البدائل المتاحة… إلخ.

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

ونحن نجد تناولًا مشابهًا للإحصاء في القرآن؛ فالمعرفة الإحصائية في القرآن مذكورة تكرارًا كمنتج معرفي مهم، إلا أنه على عكس الفهم التقليدي للإحصاء يتكرر ذكره على أنها منتج معرفي أشمل من المنتج الحسابي، وهو أمر يتطابق بشكل مدهش مع الفهم الحديث الذي ناقشناه والذي يتخطى الأرقام ويركز على فهم المحصي ووصفه بشكل كيفي ووصفي، وليس كميًا فقط كما في العد.

«لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا». «النحل 94»

فهنا حرف العطف يفيد التوازي وأن الإحصاء مقابل للعد، وليس من محصلاته وإلا كان قد استخدم الفاء «عدهم فأحصاهم» لبيان السببية والتعاقب، وبالرغم من أن كثيرًا من المفسرين استخدموا المعنى الشائع للفظي العد والإحصاء لتفسير الآية، إلا أن البعض ألقى الضوء على اختلافهم عن بعض فتجد الدكتور محمد راتب النابلسي يشرح أن العد يقتصر على معرفة عدد الأشياء فيضرب مثلًا بجملة «عندي٣٠ كتابًا» تخبرنا عن عدد الكتب، أما «أحصيت الكتب في مكتبتي» فمعناه أني اطلعت على هذه الكتب وأستطيع أن أقول لك إن تصنيفاتهم ومؤلفيهم وأعداد صفحاتهم وتآكل أوراقهم …إلخ.

فالإحصاء معناه الإحاطة بصفات الأشياء وخواصها، ولهذا يذكر الله عز وجل الإحصاء دائمًا ملازمًا لعلمه، فكتاب كل منا لن يحتوي على جدول تلخيصي بعدد الحسنات والسيئات كما يتصور البعض، المخيف أنه لا يعدها، بل يحصيها بتفاصيلها:

«إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين» «يس١٢»

فالصورة المكتوبة فيها ما قدمنا نفسه وليس اختزالًا لما قدمنا، بل فيه عواقب وآثار ما فعلناه سواء أكان عمارًا أم دمارًا.

ولهذا فعند الحساب لن نتواجه بعدد الذنوب وعدد الحسنات بل بحقيقتها، سنجد ما نسينا أننا قد عملناه وهو محضر أمامنا سواء أكان مثارًا للعار أم للفخر، «يوم يبعثهم الله جميعًا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد» «المجادلة ٦»، الأمر لن يشبه قراءة تقرير يحكي عن نتائج الأعمال في الماضي، بل «ووجدوا ما عملوا حاضرًا» «الكهف ٤٩» فالعمل نفسه حاضرًا تشهده وتسمعه وتشم روائح ما فيه وتعايش نشوة المعصية وخواطر الإيمان وجبن القلب وصدقه، وما لم يفطن له من حولك وأنسيته أنت لنفسك، وأحصاه الله إحصاء شاملًا لتجده أمامك كما هو؛ لذا ذكر الله عز وجل في سورة النبأ الحساب ومآلات الطاغين وأقام عليهم الحجة بعدله «جَزَاء وِفَاقًا (٢٦)». فقد رأوا أمامهم ما قدموه لا كحكاية، ولكن حاضر أمامهم بدوافعه الخفية التي لم يجاهروا بها «إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨)». وأتى بالمسوغات الإحصائية للجزاء «وكل شيء أحصيناه كتابًا» «النبأ ٢٩». ثم ختمت السورة بمشهد ينظر فيه الشخص لما قدمه ويدرك هو نفسه عاقبة ما فعله إدراك من يرى الفعل وعاقبته في آنٍ واحد:

«إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا». «النبأ٤٠»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد