لكل شخص منا قدر، خلقنا الله على هذه الأرض وقدر لنا أعمارنا وأرزاقنا، نعم بالله ونعم بقضائه وقدره.

ولدت وترعرعت في عائلة متوسطة الحال، ولكني ومنذ صغري، كنت أنظر إلى أقراني الذين يملكون ألعابًا أكثر، أو ملابس أجمل بنوع من الحسد والتحسر على نفسي أحيانًا. كبرت وبدأت أمي بتعليمي وإخوتي مبدأ القناعة وعدم المقارنة بالأفضل بل النظر إلى من هم دون في أمور الدنيا بالذات لكي نستشعر نعم الله علينا، وفعلًا مع تقدمي في العمر، بدأت أفهم أن هنالك أشخاصًا يتمنون أن يعيشوا بنصف ما أملكه وأراه عاديًا.

نزح جدي إلى الأردن وقدر لهم آنذاك أن يستقروا في المخيم، كنت أتذكر القصص التي كانت ترويها لنا عماتي عن معاناتهن في تعبئة الماء من بئر بعيدة عن مكان سكنهم، حتى أبي حدثني كثيرًا عن الصعوبات التي عانوا منها، سواء كان في ضيق العيش، أو قلة الطعام، أو الحرمان.

كبرت وكنت أذهب كل عيد إلى المخيم، وهو عبارة عن أزقة يطلق عليها شوارع، توجد فيها العديد من البيوت المعمرة بشكل عشوائي، الزقق متسخة وبإمكانك مشاهدة مجارير بعض البيوت تجري في المنتصف بينها، الأطفال يلعبون بالمراجيح القديمة ويأكلون من بائع اللحم المشوي الذي تفوح رائحة شوائه بين أرجاء المخيم.

الفقير ولد فقيرًا، لم يكن ذنبه أن يعيش هذه الحياة القاسية، الآن وبعد مضي عدة سنوات زرت مخيمًا جديدًا، لم أره من قبل، وهو مخيم في إحدى مناطق العاصمة الأردنية عمان، الأزقة تشبه المخيم الذي اعتدت عليه، الروائح ووجوه الأطفال والابتسامات البريئة والملابس المهترئة تكاد تكون نفسها، إلا أن الوجوه جديدة واللكنات مختلفة.

يعتبر هذا المخيم الملجأ الآمن للسوريين، لا يكاد يخلو شارع من سوري، معظمهم من حمص من منطقة البياضة بالتحديد، بدأت بالدخول إلى البيوت، وكما كانت تقول جدتي: «البيوت مخبية بقشة» وكانت تعني بهذا المثل أن لا أحد يعلم خبايا البيوت إلا أصحابها خصوصًا المستعففين منهم.

أول بيت صاحبته أرملة مطلقة، وهي امرأة بيضاء البشرة عيونها جائرة من كثرة البكاء، ممتلئة قليلًا وتلبس ملابس سوداء، بدأت تروي لي قصتها وقصة أبنائها المرضى، عندها خمس أبناء، ثلاثة منهم في مستشفى الأمراض العقلية لفقدهم أبنائهم وأزواجهم في الحرب، وبدموع الحسرة قالت لي أنها تضطر أحيانًا تشغيل أصغر أبنائها لتتمكن من شراء الخبز أو الحاجات الأساسية لأبنائها،قالت مع الفقر والصعوبة والمعاناة التي أعانيها هنا، إلا أنني أحمد الله كل ليلة على نعمة الأمان، يكفي أن أنام بدون خوف أو قلق، لا أريد طعامًا ولا شرابًا فقط أريد الأمان.

البيت الثاني كان عبارة عن عائلتين يعيشون في بيت واحد، كل أسرة تنام في غرفة، والأسرة تتكون من أربعة أشخاص، أب كبير عاجز ومريض بالسرطان ولا يستطيع أن يدفع ثمن علاجه، زوجته تتحسر وتقول ننتظر فرج الله ورحمته، أما الغرفة الثانية ففيها ابنها وعائلته والتي شاء الله أن يكون اثنان من أبنائها معاقين.

البيت الثالث ممكن أن تطلق عليه أي شيء آخر غير البيت، المرحاض لا يوجد له باب، والغرف لا يوجد فيها سوى فراش بسيط جدًا، والأدهى والأمر أن المسؤول عن البيت لا يتعدى عمره 21 عامًا وعنده طفل لا يستطيع تأمين احتياجاته لأنه أصيب في الحرب ولا يمكنه العمل.

رجعت ذلك اليوم إلى البيت بوضع نفسي سيء، عندما يشكو لك شخص بعمر والدك أو والدتك، ويبدؤون بإظهار أوراق المستشفى أو أي دليل على صدق كلامهم، تشعر بألم لعدم قدرتك على تغيير هذا العالم التعيس. نعم من الممكن أن نساعد بعض الأشخاص ولكن ماذا عن الآخرين؟ هنالك مئات الآلاف من اللاجئين والمشردين حول العالم لو فكرنا بجارنا أو قريبنا الفقير لما وصلنا إلى الحال الذي وصلنا له اليوم. مع كل الصعوبات التي تواجههم إلا أن لا تسمعهم يقولون إلا الحمد لله بينما تجد بيننا من يعش في رغد ويلعن ويسخط حياته كل يوم.

كن إنسانًا، كن على السجية التي خلقنا الله عليها، ساعد ولو الدائرة الضيقة من حولك، وبذلك سنقضي على الفقر أو على أي حظ سيء للمساكين في هذه الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد