العام الأخير  

في ربيع عام 2010 بينما كانت كافة الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، في مصر تتفاقم كان الحزب الوطني الحاكم لا يكترث ويستعد لإجراء انتخابات برلمانية تعزز من قبضته المطلقة على السلطة الممتدة منذ ثلاثة عقود ونيف.  

بالرغم من أن العملية الانتخابية لم تكن تمثل أية صعوبات للنظم المتعاقبة منذ ما يعرف بثورة 23 يوليو، وتُجرى بشكل روتيني ومعروف نتائجها مسبقًا، كاستفتاء لمد فترة الرؤساء أو انتخابات تشريعية لا تعرف للنزاهة عنوانًا تشرف عليها الأجهزة الأمنية، ألا أن تلك الانتخابات كانت تختلف عن سابقتها للنظام المباركي، فحالة الاحتقان الشعبي تزداد مع ظهور كيانات معارضة مثل كفاية و6 إبريل، كما أنها تسبق الانتخابات الرئاسية المحدد لها عام 2011 مع زيادة التكهنات حول عزم النظام الشروع في عملية التوريث التي سعى لها منذ مطلع الألفية الجديدة، بتسلق جمال مبارك لأعلى المناصب داخل أروقة الحزب الوطني حتى وصل إلى منصب أمين لجنة السياسات والأمين العام المساعد بالحزب، والدفع به لكرسي الرئاسة عوضًا عن والده الطاعن في السن، وبالتالي كان من الضروري وجود برلمان يهيئ عملية الانتقال نحو الجمهورية المباركية الثانية.

في خضم ذلك كان قد أعلن الدكتور محمد البرادعي عزمه العودة لمصر واستعداده لخوض الانتخابات الرئاسية لإحداث تغيير في الواقع المصري وتأسيسه للجمعية الوطنية للتغيير والتفاف القوى السياسية المناهضة للنظام حوله، بمثابة بارقة أمل للحالمين بالتغيير.

جمهورية الخوف   

في تلك الأثناء لم أكن أتممت العشرين من عمري وكانت علاقتي بالحياة السياسية لم تتعد حدود النقاشات مع الأهل والأصدقاء ومعارضة السلطة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم أكن أعرف عن المشاركة السياسية شيئًا كملايين المصريين. نجح النظام على مدار عقود حكمه بزرع الخوف في نفوسهم، فكانت المعتقلات وسلخانات أمن الدولة حاضرة في ذهن كل من يفكر في معارضة سياسات الحكومة أو إبداء رأيه على غير ما تبتغيه السلطة. مع ذلك رغبتي في المشاركة وعبور حاجز الخوف كانت تكبر خاصة مع البدء في جمع التوكيلات للدكتور البرادعي وانخراط شباب كثر في حملة دعمه.

في إحدى تلك الأيام كانت صفحة 6 إبريل عبر الفيس بوك تنشر أرقامًا للجمعية الوطنية للتغيير وحملة دعم البرادعي وصفحات تابعة لهم تدعو للانضمام وجمع التوكيلات اللازمة للترشح، قررت التواصل معهم والانضمام وبعد عدة أيام جاءتني رسالة بموعد لعقد اجتماع بمقر أحد الأحزاب بمنطقة جاردن سيتي، قررت الذهاب أذكر عند وصولي للشارع الذي يتواجد به الحزب انتابني شعور بالخوف وأصبحت أنظر خلفي وعلى جانبي خاشية من وجود مخبرين بالمكان، أثناء الاجتماع كانت النقاشات حول دور كل فرد منا وما يستطيع القيام به، فعبارات مثل: (حملة طرق الأبواب، والتدوين أو المظاهرة الإلكترونية) كانت جديدة على مسامعي، وعندما جاء الدور علي طُلب مني باعتباري طالبًا بإحدى كليات الإعلام بمدينة السادس من أكتوبر، أن أكون مسؤولا عن الحملة بالمدينة فلم يكن لها وجود بالمنطقة بعد، ارتبكت وأخبرتهم بأنني لم يسبق لي العمل السياسي فكيف أكون مسؤولا! لحسن الحظ كان هناك طالب آخر بالاجتماع يدرس الهندسة بإحدى جامعات المدينة، يصغرني سنًا لكنه كان أكثر مني شجاعة ومنخرطًا بالعمل السياسي، فهو عضو بحركة شباب 6 إبريل أسندت له تلك المهمة. قبل المغادرة طلب منا ترك أرقام هواتف أشخاص قريبين منا حتى يتم التواصل معهم للاطمئنان علينا حال أصاب أحدنا مكروه أو تم اعتقاله، شحب وجهي مرة أخرى.. تركت رقم هاتف أخي وغادرت.

عدت إلى المنزل وأنا أشعر بسعادة وفخر شديدين، لأني كسرت حاجز الخوف بداخلي وتعرفت وشاركت وجوهًا كنت وما زالت أراها أنبل ما في هذا الوطن، لا أذكر أسماءهم لكني أتذكر وجوههم جيدًا، ففي بلد أوصد فيه المجال العام، تحكمه ديكتاتورية بوليسية منذ عقود كان هناك من يقف في وجه الطغيان لا يأبه بأي عواقب يناضل من أجل ما يؤمن به من أجل انتزاع حريته وحقوقه الإنسانية.

كانت مشاركتي بعد ذلك تتمثل في حضور الفعاليات الميدانية وحث الناس للتوقيع على التوكيلات، لم أخبر أحدًا من أهلي بما اخترت وسلكت. كنت أعرف أي رد فعل سينتابهم كسائر الأسر المصرية حين ذاك، لكن على أي حال علموا بذلك حينما اتصل أحد مسؤولي الحملة بأخي يطمئن عليّ.

الطريق نحو الثورة

توالت الأحداث وازدادت الأزمات الاقتصادية وانتابت النظام حالة من الصرع في تعامله مع معارضيه، جاءت حادثة مقتل الشاب خالد سعيد بالإسكندرية كشاهد عن منهجية التعذيب بالأقسام والسجون، لتوسع من نطاق الغضب الشعبي، ثم جاء موعد الانتخابات البرلمانية المنتظرة والتي شهدت واحدة من أكبر عمليات التزوير بفوز الحزب الوطني بأغلبية المقاعد وإسقاط كل معارضيه، ونتيجة لذلك انسحبت كل الأحزاب التي شاركت من المرحلة الأولى وعلى رأسها الإخوان المسلمون وحزب الوفد، تلك الانتخابات كانت بمثابة إعلان من النظام بتأميمه للمجال العام. وعليه كان استدعاء ورقة الفتنة الطائفية أمرًا ضروريًا، فقبيل أعياد الميلاد فُجرت كنيسة القديسين، واعتقل على إثرها شاب سكندري آخر لم يبلغ ربيعه العشرين عُذب حتى الموت في محاولة لإرغامه على الاعتراف بتفجير الكنيسة. تلك الجرائم وتعاقبها لم تترك للشعب أي طريق آخر سوى حتمية الانفجار، فكانت الدعوة للتظاهر في عيد الشرطة بـ25 يناير.    

25 يناير  

لم أكن من الذين شاركوا في الثورة من يومها الأول، منعت حينها من مغادرة المنزل، جلست أمام التلفاز أترقب ماذا سيحدث هل ستستجيب قطاعات من الشعب لتلك الدعوة أم إن حاجز الخوف لا يزال قائمًا؟!

نجح اليوم الأول وخرج الآلاف بمحافظات مصر المختلفة، وسُمعت هتافات لأول مرة تدعو لإسقاط النظام كتلك التي نودي بها في تونس قبل أسبوعين وأسقطت الطاغية بن علي.

أخيرًا خلع المصريون ثوب الخوف

في اليوم التالي 26 يناير كنت بالجامعة لأداء آخر امتحان بالفصل الدراسي الأول للسنة الثالثة بقسم الصحافة (هذا الامتحان هو الوحيد الذي رسبت فيه طوال فترة دراستي) بعدما انتهينا قررت أنا واثنان من أصدقائي أن نعرّجَ إلى ميدان التحرير، ذهبنا وكان الوضع حظرًا بشكل كبير، ففارغ القنابل المسيلة للدموع تملأ ميدان عبد المنعم رياض وسيارات الأمن المركزي تتمركز على أطراف الميدان، مع تواجد مجموعات من الناس يبدو على بعضها أنها مثلنا جاءت ظنًا منهم بوجود تظاهرات. الكل في انتظار ماذا سوف يحدث!   

مع دخول الظلام ازدادت الأعداد بميدان عبد المنعم رياض، وبدأت تتشكل تجمعات صغيرة تتناقش فيما بينها، ثم بدأ الهتاف ضد الداخلية ومبارك ونجله، انضم إلينا متظاهرون آخرون، طفنا بمسيرة حول أرجاء الميدان حتى وصلنا إلى مبنى التلفزيون المصري، فجأة حاصرت قوات الأمن التظاهرة من كل مكان لا تعرف من أين أتوا، اعتقلت من اعتقلت، وفل من فل، أما أنا وأصدقائي فأخذنا نصيبنا ضربًا وسبًا، ولألطاف الله نجحنا في الهروب، في طريقنا نحو مغادرة الميدان اضطررنا أن نترجل من ميدان التحرير حتى ميدان رمسيس بالمرور من ميادين منطقة وسط البلد، فقوات الأمن سيطرت على ميدان عبد المنعم رياض وأغلقت شارع رمسيس، شوارع وسط البلد كانت أشبه بالثكنات العسكرية لم يكن بها سوى قوات الأمن المركزي، لم تمر مصر بموقف كهذا منذ ما يعرف بأحداث الأمن المركزي بثمانينيات القرن الماضي.

فبقدر الهلع الذي انتابنا خشية القبض علينا بقدر التعب والإنهاك الذي رأيناه على وجوه العساكر في تلك الليلة. ربما يومي 26 و27 لا يذكرون كثيرًا في عمر الثورة إلا أنهما ساهما بشكل كبير في نجاح الثورة فلولاهما ما كانت لقوات الأمن التي أنهكت على مدار 3 أيام أن تسقط في جمعة الغضب.

فيما تلى من أيام الثورة بميدان التحرير رأيت مصر التي نحب، مصر تتسع للجميع، رأيت أناسًا مختلفي الديانة والأيديولوجيات يتقبل كل منهم الآخر، يؤمنون بالمستقبل ويتطلعون نحو وطن جديد يحتوي الجميع تُصان فيه الحقوق والحريات، يوم التنحي رأيت فرحة تعبر عن فخر وسعادة في وجوه المصريين، وشعورًا بانتماء قد نسي لهذا الوطن.. كنت شاهدًا على أنبل ما في المصريين.  

لا شك أن يوم سقوط الطغاة هو يوم من أيام الله  

أما بعد  

طلب مني أن أكتب هذا المقال أحكي فيه تجربتي مع الثورة والمشاعر التي عشتها وما تعلمت منها، حينما بدأت في الكتابة انتابني شعور متناقض بين الفخر والانكسار والخذلان لما آلت إليه الثورة.   

بحكم عملي صحفيًا كنت شاهدًا على كافة الأحداث والمنعرجات التي مرت بها الثورة، عشت معها لحظات انتصاراتها وانهزاماتها وما أكثرها، أدرك حقيقة أن تاريخ الثورات مليء بالصراعات بين الثورة ومن قامت عليهم (الثورة المضادة)، لكن وللحقيقة ضُربت الثورة من أبنائها قبل خصومها.

ارتكب الجميع خطايا لا تغتفر وسّعت من رقعة الانقسام وعجلت بهزيمتها، من تعجل بخطف ثمارها وظن أنه قادر عليها ويستطيع أن يحكم منفردًا أو شبه له أنه يحكم، ومن فشل، تحالفوا جميعًا مع أعدائها. لدي الكثير لأقوله عند تلك المرحلة ومواقف اتخذها كل فريق كنت شاهدًا عليها، لكني أتأفف من ذكره الآن فالكل دفع الثمن والظلم طال الجميع.

إذا ما سألتني ماذا تعلمت تلك القوى السياسية خلال السنوات الماضية سأقول لك حقًا.. لا شيء فلا تزال غارقة في الانقسام والخلاف وتبادل التهم حتى الآن، كل فريق يحزن لما له إلا قليلا من قليل، ربما لم يسمع أحد منهم بعد كلمات علي لعريضي رئيس الوزراء التونسي الأسبق حينما أقدم على الاستقالة قائلا: «دعونا نتفق على الحد الأدنى خير من أن نتقاتل على الحد الأقصى» ليفسح المجال لإنهاء الانقسام بين التونسيين.

ما تعلمته من الثورة هو ألا أضع أي آمال على تلك القوى التقليدية التي أخجلتنا في كل اختبار خاضته، كنت وما زالت أرى أننا الشباب لدينا قدرة على التعايش والتواصل لا يعرفها هؤلاء.

على الصعيد الشخصي أصبحت أكثر تقبلًا للآخرين، فما كنت في السابق أبغض وجوده أدافع عن حقه في الوجود الآن، تعلمت أن الحكم على الناس وأفكارهم لا يكون بمقياس الحب والكراهية فهما يشتركان في جعل صاحبهما أعمى لا يرى الحقيقة.

تعلمت أن تغير رأيي أو نظرتي تجاه قضية ما حسب المعطيات الجديدة هو الفطرة البشرية وبقائي على رأيي مع اختلاف المعطيات حتى لا يقال إني متناقض هو التناقض نفسه.

إلى أين..

لم يتخيل أحد أن بعد سبع سنوات على أعظم ما صنعه المصريون في عصرهم الحديث، ستكون مصر على ما هي عليه الآن قابعة تحت حكم استبدادي يعصف بكل سبل الحياة يقمع ويقتل ويجوع ويؤمم المجال العام، لا يقبل حتى بوجود أصوات معارضة ولو شكلية كتلك التي تواجدت من قبل في ديكتاتورية رسخت لعقود كدولة مبارك التي أو الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية.

 مصر يناير ليست مصر التي عشناها من قبل ونعيشها الآن، تلك التي قرر من يحكموها أن تُبنى على أنقاض البشر ويهان فيها الإنسان وتهتك فيها الأرواح دونما حساب ولا يعرف القانون فيها مجرى.

قد يبدو الواقع قاتمًا والمستقبل غامضًا، لكن يقيني أن تلك السلطة تسير نحو مصيرها المحتوم، فقد اختارت أن تسي عكس حركة المستقبل وضد سياق التاريخ، فالمستقبل دائمًا ما كان للشباب أعتى أعداء هذه السلطة، فبإمكان أي مجنون أن يدهس الأزهار لكن لا يمكنه أبدًا أن يمنع الربيع، والتاريخ الذي لم يكتب لهم سوى نهاية واحدة.. التاريخ الذي لا يقرؤه الطغاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد