لا أكتَرِثُ بِها .. تِلك كانت إجابتي على صديقي الذي حدثنِي عن إحدى تِلك الجَميلات كزوجةٍ أتخِذُها لي، وتنَهدْت لأُكمِل حديثي .. إنك يا صديق إن تبحث عن هذا الجمال، فإِنك تنتمي لِمتطرِفي الفِهم الذين ينخدِعون بذلك الجمال البلاستِيكي الذي يصف المَظْهر؛ بينما الجَوهرُ في حالٍ يُرثى لها.

كيفَ طَغى في فِكرِ مُجتمعاتِنا مفهوم الجمالِ على مفهوم الأنوثة؟ أم أننا لا نستطيعُ استيعابَ الفرقِ بينهما؟ إن التركيزَ على المظاهرِ الخارجيةِ الخَدَاعَة – كما أُسَمِيها – أصبح داءُ مُعظمِ الفتياتِ في عصْرِنا الحديث، فتجد أن ثِقتهن في أنفُسِهن تعتمدُ على عددِ المراتِ التي يسْمعن فيها كلماتِ مديحٍ مِن الغُربَاء.
تناسَين ما يُؤهِلهن لِيكُن زوجات المستقبل، وانشغلن بأن يكُن مَحلَ النظرِ المؤقتْ واللهفةِ المُتقطِعة والابتسامةِ الخَاوية والكلماتِ المُبتذلة والغزلِ المسترسل .. نصبن أنفُسَهن أمامنا، وكأن اكتحالُ العينِ أو إبرازُ المفاتن يجلب الرِجال .. هن مُخطئات؛ فهي تَجلبُ أنصافَ الرجالِ، بل أقلَ من ذلك.

ابتَعدَتْ المرأةُ عن فِطْرتِها وتقاعَست عن الاهتمام بِأُنوثَتِها على حسابِ العولمةِ الزائفة التي جعلتها تنتَهِج مفاهيم المساواة بينها وبين الرجل والاستقلاليةِ الماديةِ والتخلُصِ من التبعية والانفراد باتخاذِ القرارات والرغبة في تحقيقِ النجاحات والانتصارات، بينما الانتصارُ الحقيقي في حفاظِها على تميزِها كونها امرأة تمتلكُ ما لا يمتلكهُ الرجال من الصفاتِ والطباعِ التي يذوبُ أمامها الرجل ويعجزُ في حضورها الجمال.

إنني عندما أتحدثُ يا رفيق عن فُقدانِ الأنوثة، فإنني أتحدثُ عن طائرٍ فقدَ جناحهُ، فلا يستطيعُ إبهارَنا بتحليقِه، هكذا المرأةُ حين تتنازلُ عن أنوثَتِها، فإنها لن تكونَ سوى وجبةٍ سريعةٍ لجائعٍ يلتهِمُها، ثم يُلقِي بها عندَ إحساسه بالشَبع أو في حُضورِ وجبةٍ أثمنَ منها.

لذا في ظِلِ مجتمعٍ نسائيٍ اختلطتْ عليه المفاهيم، وتبودلت فيه الأدوار، أصبحت عودةُ الأنوثة حُلمًا وأمَلًا لكلِ شابٍ أراد أن يُكملَ دينهُ بالزواج، فالأنوثة حِكرٌ على الأنثى، أما الجمالُ فيأتي ويَذهب ويُوهَب ويُكتسَب، وكلٌ يَراهُ بِمَنظُورهِ المختلِف، فالجمالُ بلا فضيلة كالزهرةِ بلا عبير، وليس معنى ذلك إغفالُ المظهرِ، وتعاظُمِ المضمون، ولكنَ التوازنَ بينهما هو المَقصدُ والمَرجو والمَطلوب.

دَعنِي يا صديقي أُعركَ عَقْلًا لم يُلوَثْ؛ لِيُجيبَني لماذا سأتزوجُ من إمرأةٍ تناسَت أنها تحملُ في أحشائِها تاريخَ الخُلفاء، وتلدُ لأجيالِها حَضارةَ العُظماء، أهملت أصالتها وفِطرتها، وارتدت عباءةَ الرُجولة، وغَفلت عن كونِ جَمالِها يَسُرُ العين، أما أُنوثتها فهي تَأسرِ القلب. فما أكثرُ جَميلاتِ الوجه والقوام! وما أقل القلب الوفي الأمين الذي يَمنح ولا يَنتظر، يُعطي ولا يَسلِب .. ما أقل النفس الزكيةِ الطاهرة التي لا تحملُ الضغينة ولم تفسدْ بالنميمة .. يا صديقي قلما تجد إحداهن اتخذتْ من الحَياءِ عادة ومن العِفَةِ عِبادة .. قلما تجد من تُدرِك أن صَوت المرأةِ عورة، وأن عُلوَ صوتِها مُنافٍ لِكونِها أنثى .. قلما ترى من احترمت حِجابَها وارتدته كما ينبغي أن يكون .. إننا يا رفيقي في حالةٍ يَصعُب وَصْفها .. فالمجتمعاتُ العربية امتلأت عن آخرِها بأشباهِ الجميلات اللاتي شَوهْنَ انتماءهن الديني الشريف بلِباسِهنَ الفاضح وأصواتِهن الصاخبة وروائِحهن الفواحة ظنًا أن ذلك جمالًا، وهو أشبه ما يكُون بمُستنقعٍ، بل وأسوأ من ذلك.

يجبُ أن يدرِكَ المُجتَمعُ الأُنثَوِي عِظَمَ قَدرِهِنَ في الإسلامِ عندَ حِفاظِهنَ على أنْفُسِهنَ كَونَهن نِساء، فعليهِن أن يحْتفِظنَ بأُنوثَتِهن وفِطرةِ أخْلاقِهِنَ وسَلامةِ تَرْبِيَتِهِن، ولا يُهْمِلْنَ جَمالَهُن بالإستعانةِ على ذلك بالأدواتِ الرَبانيةِ التي تَجعلُ مِنْهُن زَهرَاتٍ مُتفتحة وشَمسًا مُضيئة ولآلئ ثَمينة وجَنةٍ يتمنى المرءُ وُلوجَها، عليهم أن يستخدموا قول الحَقِ للشِفاه .. والإحسان إلى الناس للأيدي .. والاستقامةُ لجمالِ القوام .. والرحمةُ لتكحيلِ العينين .. وقراءةُ القرآن لترقيقِ الأصوات .. والتفكر في سيرةِ سيدِ الأنام لتفتيحِ العقل .. عليهم أن يحفظوا أفواههم بالصمت عن الغِيبة والنميمة .. لتسْلمَ صُدورُهم بالتَناسي والتَغافُل .. ولتَبيضَ وُجوههم بإتقانِ العبادة .. وليكثُر رِزْقُهم بالاستغفار .. ولتهدتي قلوبهم بالإبتعادِ عن الحسد .. فترزق نُفوسهم بالحب والمحبة بجمالِ صِدْقهم وحُسنِ قولِهم فَيكونوا جَمالًا براقًا يعجزُ عن وَصفِه الكُتَابُ والشُعراء.

وعلينا نحنُ مَعشرَ الرِجال أن نستفيقَ مِن غفلتِنا، وننتبِه لِعِظَم دورِنا كآباء وأولياءُ أمور، بل والأهم كشَباب لديهم أخَواتٍ وأمهات .. علينا أن نغضَ البصر ونَصون اللسان ونكف الأذى .. علينا أن نَصُوم .. وأن نَنْصَح ونتناصَح .. نأمرُ بالمعروف وننهى عن المنكر .. علينا أن نتذكرْ أن مَن هانت عليه أعْراضُ الناس هانت في عُيونِ الناس أعراضَه فلْنَحفظ أعراضَ غَيرِنا لتُحْفَظَ أعراضُنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد