مثل هذه الرؤى – التي طرحناها في الجزء الأول من المقال – لا تعطي شكلاً محددًا لصورة المرأة في الأدب العربي، والتي مازالت تتأرجح ما بين الصورة التقليدية وبين ما يجب أن تكون عليه صورتها داخل النصوص الأدبية من وجهة نظر المرأة نفسها التي ترى أنها ظُلِمَتْ داخل المجتمع عامة، وفي النصوص الأدبية خاصة.

فقد بدأ الروائي «برسم صورة غير واقعية للمرأة بحيث كانت إما ملكًا وإما بغيًا قديسة لأنها سقطت بالرغم منها، أو تضحية بنفسها في سبيل أسرتها الفقيرة… وغير ذلك مما يمد الاتجاه الرومانسي بموضوع من موضوعاته الأثيرة، ومع تطور وخروج المرأة إلى التعليم والعمل ورؤية الرجل لها عن قرب أصبحت نظرة الرجل إلى المرأة أكثر واقعية فلا يوغل في تقديسها ولا في تلطيخها، وهكذا ساعد التطور الاجتماعي في العلاقات بين المرأة والرجل على انحسار موجة المد الرومانسي واشتداد الاتجاه الواقعي».

وجاء هذا التطور الفني لصور المرأة في الرواية ومحاولة الروائي (الرجل) إظهار المرأة كإنسان حر، يساهم في بناء الوطن على قدم المساواة مع الرجل لا يظهر إلا في الفترات التاريخية القريبة من ثورة 1952.

وهن تتضح حقيقة امتلاك المرأة نموذجًا إنسانيًا يشبه الحقيقة، وهذا يعني أن ظهور نموذج إنساني سوي في الرواية لم تظفر به إلا مع بداية التحرر الحقيقي للوطن، والتي تراها أنها تحتوي على مساحة جديدة لتغير الفكر الذي سيطر على التفكير السائد داخل المجتمع الذكوري.

وقد جاء تركيز الكاتبة الروائية على قضايا المرأة نتيجة الضغظ والاختناق الذي مازال يمارس على المرأة العربية إلى يومنا هذا؛ ذلك أنه وسط التحولات التي لم تعد تخطئها العين داخل المدن العربية، ما تزال التشريعات التي تقنن العلاقة بين المرأة والرجل تستعيد اللغة القديمة باسم تدعيم حضور المطلقات في كل جوانب المجتمع العربي.

وما تزال عقلية الحريم تباشر حضورها المكثف رغم تناقضاتها الصارخة، مما تبرز بقوة المسألة النسائية في كل تحول تاريخي مرتقب ومتوقع، وهذا معناه أن القضية النسائية لا يمكن أبدًا فصلها عن ثقافة نظام المجتمع السائد في الوطن العربي.

وبما أن العمل الأدبي بمثابة الإعلان عن الذات وما تعانيه فهو مجال للتنفيس والحديث عما تواجه المرأة من معاناة وتحاول تغييره، فقد أظهرت الكاتبة معاناة المرأة وما تعانيه من خلال الصورة الفنية التي رسمتها للمرأة في علاقتها بذاتها ومفهومها عن نفسها، وعلاقتها بالآخرين، فهي تتعدى وجود المرأة الفردي المعبر عن مناطق العالم الداخلي للمرأة لتعبر عن حقائق أبعد من الوجود؛ كأن تكون المرأة رمزًا للوطن، أو للأرض، أو للنوع الأنثوي بصفة خاصة.

فالمرأة الكاتبة ترسم صورة لنفسها تحقق لها ما كان ومن الممكن ومن الخطر أن يكون. فالإبداع الفني ما هو إلا تحقيق تخيلي لأفكار من الخطر أن تتحقق بالفعل على أرض الواقع.

ولكن الفنان يستخدم تلك المادة اللا شعورية، ويصقلها ويطورها ليخلق منها عملًا فنيًا، فالفن وظيفة دافعية سوية، حيث يكون التسامي هو العملية المؤدية مباشرة إلى الإبداع، أي السعي نحو غايات مقبولة اجتماعيا.

فالعمل الأدبي بمثابة إعلان عن الذات وما يدرو بداخلها من صراعات، فهو بمثابة الحوار الخلاق بين مقتضيات الواقع والعالم الشخصي الذاتي الداخلي، فمهما بلغ العمل الأدبي من واقعية، فإنه لابد وأن ينطوي على عنصر ذاتي، وإلا فسيكون مجرد سرد تاريخي ولا يندرج تحت قائمة الإبداع الفني.

من أجل هذه الصورة السائدة سعت النساء إلى تغيير الفكرة السائدة عنهن من خلال العمل الاجتماعي الذي ظهر أثره في الأعمال الإبداعية الت يقمن بكتابتها. وكان الأساس الذي انطلقت منه حركة التعبير لدى المرأة هو تغيير فكر المجتمع، لم تقم على اعتبار الرجال خصومًا، بل صوروا على أنهم ضحايا صور مغلوطة جدًا ومفاهيم خاصة عن النساء، حيث رسمت الروايات عالمًا تعكس فيه المساواة والتكافؤ بين الجنسين، حتى يتمكنَّ من ممارسة حياتهنّ والمشاركة في المجتمع، فحولت صورة المرأة من فكرة الجسد إلى إنسان مشارك في الحياة، ومن هنا كانت البداية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد