من العناوين المميزة واللافتة للقارئ، هي تلك العناوين التي تتعلق بالمرأة والرجل وما يزيد بريقها إن كُتِبَ العناون بصيغة «المدح المفقود» أو «النقد الموؤود» لسلوك أو ظاهرة ما للذكر أو الأنثى على حد السواء، لكن إن كان السياق يتناول الأنثى، فإن احتمالية تعاظم رجع الصدى تكون أكبر، لا لشيء إلا لأن الأنثى في المجتمع العربي اعتادت أن تتبنى موقف الضحية وهو حق لها، بشرط العقلانية وعدم المبالغة فيه كما يجري اليوم.

ما سبب كتابة هذه التدوينة؟

رجع الصدى الهائل الذي أحدثته مدونة  بعنوان «إذا أردت امرأة تُقبل يديك فلا تتزوج مثقفة». النتيجة الواضحة هنا إقصاء المرأة المثقفة من بين النساء الصالحات للزواج، وفي نتيجة أخرى ارتأت أغلب المشاركات الغاضبات في التعليقات أن صاحب المدونة يعاني من عقدة النرجسية الشرقية وما هو أكثر من ذلك، زد على ذلك ردًّا من خلال مدونة كاملة بعنوان «حين تصبح ثقافة المرأة تهمة ونقيصة»، الأكيد أن حجم رجع الصدى يشي بعمق الهوة بين الطرفين، وهذا ما استدعى الكتابة. أنا لن أدخل حكمًا بين المقالتين، هذا مجرد تمهيد يرصد مادة قابلة للاشتعال عند أي طرح لها، قضية «هي وهو» ففي كافة صفحات التواصل أيضًا تحدث هذه الضجة الصاخبة لهذه المادة.

ما قبل المشكلة؟

لو عدنا إلى حياتنا الاجتماعية قبل عشر سنوات سنجد أن سلطة الرجل كانت أوسع على المرأة، ولو عدنا إلى الخلف عشرين عامًا ستكون سلطة الرجل أوسع ضعف ما كانت عليه في العشر الأولى وهكذا دواليك للوصول إلى السلطة المطلقة التي يلخصها القول الشعبي في مصر «أمرك يا تاج راسي»، أو «حاضر ابن عمي» في بلاد الشام، وللمغرب العربي نصيب بلفظ «كيما يحب راجلي». إلى هنا تبدو الأمور طبيعية ضمن البناء الاجتماعي الذي تشكلت عليه المنطقة العربية في منح السلطة المطلقة للرجل كونه المُعيل الأول والأخير «رب الأسرة».

من الذي اخترع قصة «هي وهو»؟

سُنة الحياة التغيير وسيرورة النمط الاجتماعي، وتطوره سلبًا أو إيجابًا أمر محتوم، مع بداية الألفية الثالثة ارتفعت وتيرة الثورة الاتصالية «مجلات، راديوهات، تلفزيونات، روايات، واليوم الوسيلة الأكثر دهشةً وتعقيدًا الإعلام الجديد». في المنطقة العربية نموذجان بين القائم بالاتصال والمتلقي، الأول يُعنى بالأخبار وملحقاتها السياسية، والثاني بالبرامج والمسلسلات الاجتماعية. هذه المسلسلات جديدة المحتوى قدمت صورة مغايرة للمرأة التي اعتادت المرأة العربية أن تعيشها، ولا ينحصر الأمر على المسلسلات فهناك الروايات «أحلام مستغانمي»، ومؤسسات حقوق المرأة، وحصول المرأة على التعليم والعمل، وما إلى ذلك من وسائل «تنميط المرأة الجديدة».

كافة العوامل المذكورة آنفًا رسمت ملامح المرأة الجديدة لتُنادي المرأة العربية بالحرية مما تعتقده سجنًا أو ظلمًا لها، وبعبارة مكثفة فقد أُعلِنَ استقلال المرأة عندما حصلت على الوظيفة وأصبحت معيلة للأسرة رفقة الرجل.

ما بين حرية المرأة وتحرير الوصول للمرأة مفارقة كبيرة، لا أحد ينكر أن النسق التربوي القديم فيه جوانب مظلمة تخص المرأة، لكن ما يقدم في المواد الاجتماعية الحديثة يحمل البُعدين «حريتها وتحرير الوصول إليها»، ونموذجًا على ذلك تشريع الحب والعلاقات الغرامية خارج الدين، وقد أصبح سلوكًا لا يمكننا إنكاره.

ماذا أنتجت حرية المرأة المزعومة؟

الخلل الكبير الذي حدث لميزان السلطة داخل الأسرة ساهم في إفراغ مضمون الحياة الأسرية من فحواه؛ إذ لا سلطة لأحد على الآخر، وفي كل يوم يتعزز هذا السلوك أكثر، وما ارتفاع معدلات تأخر سن الزواج إضافة إلى تفشي الطلاق، إلا ثمرة من ثمار تحرير المرأة واستقلالها عبر نموذج يحمل قيم ومفاهيم لا تخدم الأسرة العربية، ولا تخدم حرية المرأة بقدر ما تخدم كسر  الحواجز الاجتماعية السيئة والمحمودة على حد السواء.

 من يتحمل المسؤولية؟

في هذا المقام فإن النسق الاجتماعي القديم هو الذي يتحمل المسؤولية المباشرة، وليس «المرأة أو الرجل»، إذ هو إنتاج للمجتمع وليس للرجل أو للمرأة منفردة، حتى ولو كانت السلطة للرجل، فإن أغلب الأمهات تُعاير ابنها إن لم يحكم زوجته! وتفاصيل أخرى كلنا نعرفها ليس هنا مقامها، والمسؤولية الثانوية تقع على عاتق صانع نموذج «المرأة الجديدة» أو مبتكر لفظ «هو وهي».

كيف نبادر إلى الحل؟

في الخطوة الأولى يجب على المرأة أن تدفن فكرة تحرير المرأة، الذي ما هو إلا أكذوبة، (فالمرأة اليوم لها سيارة ووظيفة وحساب في البنك وتسافر عبر القارات…) وفي الجاهلية هند بنت عتبة القرشية كانت امرأةً لها نَفس وأنفة والدليل «نحن بنات طارق نمشي على النمارق»، وفي الإسلام نذكر جيدًا تلك المرأة التي أسكتت أمير المؤمين عُمر (أخطأ عمر وأصابت امرأة)، وعليه نخلص إلى أن قضية تحرير المرأة أكل عليها الدهر وشرب، وإن كانت بعض السلبيات موجودة «سامحك الله أخت العرب»، وفي الخطوة الثانية أن ننسى لفظ «هي وهو» وأن نتتلمذ من جديد على ثلاثة حروف مفادها «نحن».

فالقضية لا تحتاج إلى ذلك التعقيد الذي تقصه الروايات والمسلسلات ومؤسسات المرأة، ما الحياة إلا برنامج ونموذج نعمل به خلال مساحات مشتركة تتوافق مع طبيعة الطرفين (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، فلا حاجة لنشر مفاهيم التحرر الخاطئة التي من أمثلتها «تشريع العلاقات الغرامية وإفرازتها» خارج السياق الديني والاجتماعي، وهذا سيكون موضوع التدوينة المقبلة إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد