سيطر النظام الأبوي – على الفكر العربي والعالمي – الذي كان سائدًا في المجتمعات – ومازال – فغير مسموح للمرأة بالتعلم أو الخروج إلى العمل – في الطبقات العليا والوسطى- حتى إن الشيوخ كانوا يعلمن بناتهن العلوم الشرعية فقط. وظل هذا سائدًا حتى عصر الانفتاح في الفكر العربيK ومحاولات تحرير المرأة على يد «قاسم أمين»، والشيخ «محمد عبده»، و«رفاعة رافع الطهطاوي»، الذين ساعدوا في نشر قضية تحرر المرأة من أجل التعليم. وبالرغم من ذلك فقد شهد بداية القرن العشرين انتكاسة مجتمعية في طريقة التفاعل مع المرأة في العالم العربي، إلا أن وضع المرأة في العالم العربي كان مختلفًا في تلك الفترة، وكانت الحركة النسوية العربية تمر بالمرحلة الثانية التي بدأت في المطالبة بالمساواة مع الرجل، فقد طالبنَ بكسب حقوقهن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالمساواة مع الرجل، وبدأت في اتخاذ خطوات فعالة على الأرض، وأسسن الاتحاد النسائي العربي عام 1928، وانضمت النساء العربيات إلى حركة السلم الدولية عام 1932، وانضمت النساء العربيات إلى مؤتمر جنيف، فكان للنساء حضور بارز في القضايا الإقليمية والقومية والدولية.

والتزامًا بأفكار المرحلة الثانية من أجندة الحركة النسوية العربية فقد قدم جيل الخمسينات من رائدات فن الرواية العربية شرحًا مفصلًا وواضحًا لمعاناة النساء في المجتمع، وعرضن لقضية المساواة التي كانت تشغل عقل النساء، في محاولة منهن لخلق فرصة تكافؤ مع الرجال، فقد نالت قضية المساواة بين الرجل والمرأة الحظ الأكبر من روايات تلك المرحلة والإبداعات النسائية للكاتبات العربيات، ودائمًا كانت نهاية البطلة بالانتحار، حين لا يوجد مخرج، وهذا يتناسب من طبيعة المرأة في المجتمع فحين لا تجد الأنثى مخرجًا تنتحر، بل إن بعض النساء في آسيا الوسطى يحرقن أنفسهن حتى الموت كوسيلة للتطهير من العار الاجتماعي، وبما أن البطلة في النص عاجزة وغير قادرة على المحافظة على براءتها، وتعجز عن شرح وجهات نظرها تلجأ للانتحار والموت كحل بديل يحررها من كل شيء.

تحدثت الروائيات من خلال أعمالهن عن حياة المرأة ومكانتها داخل الأسرة، في محاولة منهن لتقويض النظام الأبوي الذي أخضع المرأة له. فقد نشرت «زينب محمد» روايتها «أسرار وصيفة مصرية»([1])، في القاهرة عام 1927، كتبت الرواية على شكل رسائل توجه درسًا أخلاقيًا للرجلين الشابين، اللذين وقعا ضحية امرأة لا أخلاقية ومستهزئة. ففوزي يحذر صديقه من الانخراط مع فكرية في علاقة عاطفية؛ لأنها توافق على رؤية حبيبها، وتستجيب لحبه، يدخل خيري في محنة سوء الظن والشك الذي زرعه فوزي بداخله وينتحر.

كانت المعضلة التي حيرت الكاتبة «وداد سكاكيني» تظهر على لسان بطلتها أورى في رواية «أروى بنت الخطوب»، هي معضلة المرأة التي رفضت أن تعرض جسدها للامتهان من أجل مصلحة اجتماعية. حين يتهمها شقيق زوجها عبيد بالزنا، ويرسل بها إلى المحكمة، ويحكم عليها بالرجم، ومن ثم تتعرض لسلسلة من الانتهاكات ومحاولات الاغتصاب التي دفعتها في مرحلة بعينها إلى قتل المعتدي عليها، «تسمرت في مكانها لا تصدق أين أودى بها الظلم الاجتماعي»، وتظهر معاناتها من الفكر الاجتماعي السائد عن النساء وصورتها عن نفسها، وتحدد مصدر عذاباتها حين فكرت «بالمآسي التي سببها لها جمالها، وتساءلت كيف يمكن لها أن تجعل ملامحها خشنة وتقلل من جاذبيتها الأنثوية»؛ فسبب معاناتها الأساسي هي الصورة السائدة عن النساء في المجتمع، حين نجد أن معظم الرجال الذين يحاولن اغتصابها غارقين في أفكارهم السوداء عن المرأة، وهي لا تعرف طريقة يمكنها من خلالها التواصل معهم، فهدف أروى هو البحث عن الذات بالصورة التي تراها المرأة، وليس بالصورة التي يراها الرجل.

كما تقدم لنا وداد سكاكيني سيرة ذاتية لرابعة العدوية تعبر من خلالها عن حياة المرأة العربية قديمًا، عبر قصة حقيقة لامرأة عاشت في القرنين التاسع والعاشر بعد الميلاد.

تسرد حكاية المرأة التي رفضتها عائلاتها؛ لكونها فتاة، وأصبحت مفخرة لأهل العراق وسوريا والسعودية وفلسطين، وأصبح بيتها وقبرها مزارًا دينيًا. في محاولة منها إلى دعوة الرجل إلى إعادة النظر إلى تاريخ المرأة وسيرتها، ولفت أنظار الرجال إليها.

وفي الوقت نفسه تحاول أن تفتح طريقًا للنساء يلقي الضوء على المعاناة والحزن والفجيعة التي تنتج من رحمها امرأة جديدة جديرة بالاحترام، فقد «حققت رابعة هدفًا واضحًا للمستقيمين والمخلصين. وقد عاشت ذلك الهدف برؤيا معرفية وحقيقية. وتركت للنساء بابًا مفتوحًا شريفًا وجديرًا بالاحترام لن يغلق مرة أخرى. وكانت امرأة تترأس صنف النساء اللواتي كرسنَّ أنفسهنّ لهدف ما. وقد أصبحت البرهان الحيّ لعبادة وحبّ الله».

ولا تكفي وداد سكاكيني بالحديث عن رابعة العدوية نموذجًا تراثيًّا يعبر عن مفاهيم الرجل المغلوطة عن المرأة، بل تعرض في كتابها «الأول بين الصوفيات» إلى الكتابة عن ميّ زيادة وأعمالها الرائدة.

فقد بذلت وداد سكاكيني مجهودًا مضنيًا لقشع الغيوم التي أحاطت بحياة ميّ زيادة وأسباب وفاتها، لكي تتمكن من أن توضع في مكانها الصحيح. باعتبارها امرأة رائدة صاحبة صالون ثقافي وأدبي شهير، صالون الآنسة ميّ، ذاع صيته في الوسط الأدبي المصري والعربي، فميّ امراة سلبت ثروتها في السنوات الأخيرة التي سبقت وفاتها؛ بحجة أنها فقدت عقلها، وتم إرسالها إلى مستشفى للأمراض العقلية.

كما ظهر في لبنان وفلسطين وسوريا ومصر والعراق العديد من الروائيات اللواتي انتهجن آراء وداد سكاكيني التي عبرت عنها من خلال أعملها الإبداعية، أمثال «هند سلامة»، و«فتحية محمود الباتع»، و«هيام نويلاتي»، و«كوليت خوري»، و«أمينة السعيد»، و«حربية محمد»؛ ممن قدمن محاولات حثيثة لإعادة صياغة صورة المرأة في ذهن الرأي العام ولتخليصها من لعنة الجسد. وقد عبرنَ من خلال أعمالهنَّ عن صورة المرأة في ذهن الرأي العام ودور المرأة ومفاهيمهن في العالم العربي لدور المرأة وحاولت التوفيق بين الاثنين أو التعبير عن رؤيتهن لدور المرأة في العالم العربي من خلال أعمالهن.

فقد نشرت «صبرية محمد» من العراق عام (1953-1954) روايتي «جريمة رجل»، و«الرجل هو الجاني»؛ حيث وضحت الطريقة التي يحكم بها الرجال النساء وكأنهم ملوك.

وبعدها بعدة سنوات نشرت رواية «في الليل» للكاتبة السورية «هيام نويلاتي»، تحدثت فيها عن المرأة الموهوبة في محاولتها السعي للمساواة المهنية مع الرجال، والتي تبني علاقة مع أستاذها في الموسيقى، ذلك الرجل المسن الذي حاول اغتصابها ما أن وجد فرصة في لحظة خلوة لها معه، وسارع الأستاذ برسوبها في الامتحان؛ بسبب نقمته عليها؛ لأنها رفضته، ويدمر مستقبلها. وقد قوبلت هذه الرواية بكثير من النقد السيئ، بالرغم من أنها رواية تطلق صرخة تطالب بالمساواة، وتنتهي عكس باقي الروايات النسائية التي تنتهي بموت البطلة أو بانتحارها، فالفتاة بالرغم من إصابتها بالعمى وتدمير أحلامها، سافرت إلى مصر واستعادت جزء من عملها وأصبحت مشهورة، بل إنها غيرت قناعات ابن أستاذها الذي حاول مساندتها بأيّ شيء؛ كي تغفر ما فعله أباه بها، فتطلب منه أن يسمي ابنته على اسمها.

فهدف النساء من كتابة الرواية هي تغيير موقف المجتمع حيال المرأة الذي ينتج عند الرجل نتيجة سوء الفهم والظن السيئ.

وتحاول الكاتبة اللبنانية هند سلامة من خلال روايتها «الحجاب المهتوك» أن تقدم محاولة تعزز بها التفاهم بين الرجل والمرأة. فهي تعرض لوجهتي النظر المختلفين. فالنساء في روايتها لسنَ ملائكة ولسنَ شياطين، بل هنَّ نتيجة طبيعية لظروفهن الاجتماعية.

وتقدم الكاتبة الفلسطينية «فتحية محمود الباتع» من خلال روايتها «مذكرات زائفة»، وفيها تعرض إلى نفس الأفكار التي ناقشتها وداد سكاكيني وهند سلامة في أعمالهما.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

([1]) زينب محمد، أسرار وصيفة مصرية، مكاتب النشر والتأليف التجاري، القاهرة، 1927.
عرض التعليقات
تحميل المزيد