هل سبق لك أن سمعت عن طائر يدعى العنقاء؟ إنه طائر خيالي ورد ذكره في قصص مغامرات السندباد، وقصص ألف ليلة وليلة، وكذلك في الأساطير العربية القديمة.

يمتاز هذا الطائر بالجمال والقوة، وفي معظم القصص أنه عندما يموت يحترق ويصبح رمادًا، ويخرج من الرماد طائر عنقاء جديد.

كل ألف عام، تريد العنقاء أن تولد ثانية، فتترك موطنها وترحل وتختار نخلة شاهقة العلو لها قمة تصل إلى السماء، وتبني لها عشًا. بعد ذلك تموت في النار، ومن رمادها يخرج مخلوق جديد.. دودة لها لون كاللبن، تتحول إلى شرنقة، وتخرج من هذه الشرنقة عنقاء جديدة تطير عائدة إلى موطنها الأصلي! إنها أسطورة العنقاء كما ذكرها المؤرخ هيرودوت.

منذ صغري وأنا أحب أسطورة العنقاء، منذ قرأت عنها للمره الأولى وأنا أتصور طائر العنقاء بخيالي: امرأة. امرأة حرة بهية لديها القدرة على إعادة بناء عقلها وروحها الغضة مئات المرات دون حتى مساعدة من شريك.

مع مرور سنوات العمر أدركت أن النساء ببلدي لا يولدن كطائر العنقاء، على العكس، أغلبهن كن في الأصل فراشات حالمة، تحولن فيما بعد بفعل الزمن وقسوة التجربة إلى عنقاء كاملة النضج.

في الغالب تمر عملية تحول المرأة من فراشة إلى عنقاء بكل مراحلها في عشر خطوات:

1- تتآمر عليها كل مسلسلات التلفزيون والروايات وأفلام السينما، وكل أغاني الحب؛ لتغرس بعقلها الغض أن الدنيا خلقت فقط من أجل الحب، وهو الهدف الأسمى والأهم. وأن المرأة وجدت على الأرض لتهوى رجلًا، وما الحياة إلا قبلات وشوق وغرام بلا نهاية.

2- تقع في شباك أول طارق لقلبها، ومع أول كلمة إطراء تتخذ اهم قرار في حياتها ببراءة، قد تصل إلى حد السذاجة أحيانًا. وتحت تأثير دقات قلبها تقنع نفسها أن الزواج من الحبيب هو المستقبل بكل ما فيه، ويصبح الزواج هو منية النفس وكفى، حتى لو كان ذلك على حساب دراستها أو مهنتها.

3- ومن أول أيام الزواج، ومن أجل عيون حبيب القلب، تهمل كل من كان داخل دائرة اهتمامها من قبل، من هوايات وأصدقاء وعمل وأقارب. فتفقد أغلب تفاصيلها بالتدريج، تلك التفاصيل التي كانت تميزها عن غيرها قبل الزواج، تتخلص منها بالإهمال ومع الوقت.

4- تصدم بعد مرور الشهور الاولى، بعد أن يعود زوجها لعمله المعتاد وروتينه القديم بأن هناك أشياء أخرى تحكم الحياة معًا في بيت واحد غير الحب. ترى الزوج والزواج بعين أكثر واقعية، مميزاته وعيوبه الآن أكثر اتضاحًا، ولا مجال للمزيد من أكاذيب الخطوبة وادعائها.

5- في الغالب تكون صدمتها التالية، عندما تلد الزوجة طفلها الأول، فلا وجه للمقارنة بين الأمومة في الحقيقة والأمومة على أغلفة المجلات وإعلانات التلفزيون. فكل امرأة قبل الإنجاب كانت مقتنعة أنها ستصبح أمًا مختلفة، فقط أيام بعد الولادة وستدرك خطأها، ستدرك ذاك الفارق المرعب بين النظريه والتطبيق. يهرب الزوج في عمله، وهي وحدها الآن ورضيعًا يبكي.

6- الصداقة مع امرأه متزوجة مغامرة غير آمنة النتائج؛ فلا وقت لديها لتخرج معك، أو حتى لتستمع إليك، ولا طاقة لديها لتمتص غضبك، وتشاركك أحلامك. صديقتك المتزوجة في أغلب الأوقات منهكة بين أعمال البيت ومسؤليات الزواج. مجرد رؤيتها – ولو مرة في الشهر – هو محض عمل خطير يحتاج لخطة سابقة التجهيز؛ فهي فقط متاحة في أوقات فراغها، لا في وقت احتياجك الفعلي لها، وأنت مجرد قطعة حلوى للتسلية فقط في أوقات الفراغ.

7- مع كل طفل جديد يزيد ضغط المسؤليات عليها؛ فيقل الوقت المتاح لديها للاهتمام بعلاقتها مع حبيب كان هو كل شيء قبل أن يشاركه فيها الملائكة الصغار؛ فيبهت الحب ويتوارى. فكل علاقه تحتاج لبعض الوقت والاهتمام؛ لتبقى حية نضرة، هي أيضًا تحتاج للحب لتبقى على قيد الحياة، فتضحي في أغلب الأوقات ممزقة بين كونها أمًا وزوجة.

8- لا شئ يضاهي إحساس المرأة المهووس بالوقت، الوقت هو اغلى ما لدينا جميعًا، ومع مرور العمر يتراكم الغضب بداخلها كل صباح، مع كل نظرة في المرآة، مع كل ظهور لشعرة بيضاء جديدة، مع كل زيارة لطبيب يزيد الوجع بتلك الروح التي أعطت – بدون حساب – أغلي ما لديها: العمر. تمر السنين بأسرع مما نتخيل؛ فتجد نفسها مع الوقت وكأنها امرأة أخرى، فلقد تغير كل شيء دون أن تدري، نضج عقلها كثيًرا، تغير شكل جسدها، ضعف قلبها عما مضى.

9- الخيبات والخيانات المتتالية تميت نقاط الضعف فيها، فتدرك بالتجربة والخطأ أنها وحدها تمامًا، وحيدة في مواجهة الحياة، فتعيد تقييم كل شيء.

لا مجال لمزيد من الضعف والخيبة والخذلان للذات، لا وقت لمزيد من التراجع عن تحقيق أحلامنا القديمة، فلم يعد هناك المزيد لإهداره، كانت لها أحلام عدة تناستها عمدًا، قارب وقت الامتحان على النهاية، ولم تكتب شيئًا يستحق الذكر بعد. فمن أنا؟ وإلى أين أسير؟

10 _ عند تلك اللحظة تنتهي حياة الفراشة تمامًا، وبلا عودة.

تتحول المرآه فيها لعنقاء كامله البهاء، تتحول تلك المرآه لعنقاء قوية تحترق وتولد من جديد بعد كل كبوة أو صراع مر مع الحياة، تدرك كيف تعيد التوازن لروحها بعد كل وجع أو جرح حتى دون مساعدة الآن.

تنسى عمرًا مضى، كانت فيه فراشة هشة، تملك أسطورة العنقاء في البعث، تعرف مواطن القوة بها وتسعى نحو أحلامها بلا توقف، حتى وإن لم تصل ستستمتع حتمًا بالرحلة، ففي رحلة كل امرأة أسطورة لا يعرفها سواها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد