«رفقًا بالقوارير» نصيحة نبوية ذهبية لكل رجل مع كل امرأة، لم تكن مرشّحة لموقف واحد في حياة الرجل مع المرأة، وإنما هي نصيحة حياة دائمة ينبغي للرجل أن يضعها في حسبانه في كل تعاملاته مع المرأة، ونحن في هذه الرحلة النفسية لأعماق المرأة، سوف نثبت أهمية الأخذ بتلك النصيحة؛ حيث سنبحر في أعماق التغيرات السيكولوجية التي تصيب المرأة في مراحل حياتها المختلفة التي غالبًا لا يتفهمها الرجل، والتي أحيانًا لا تفهمها المرأة نفسها؛ فتنقلب علاقتها إلى جحيم.

في الأسبوع الذي يسبق الدورة الشهرية للمرأة، وبعد أن كانت في منتهى النشاط والحيوية، والرغبة في الحياة، قد تبدأ أعراض غريبة تصيبها، بداية من الفتور والاكتئاب، حيث تشعر بحالة عامة من الحزن والرغبة في البكاء وكراهية الدنيا، بل كراهية النفس، ثم القلق والعصبية، حيث تجد المرأة نفسها مستفزَّة مستنفرَة، لديها رغبة غير مفهومة في الشجار والعراك، حالة من الثورة والرغبة في الانفجار التي لن تجد أقرب من الزوج لتمارس عليه تلك المشاعر!

قد تصيبها بعض الأعراض العضوية، مثل الصداع النصفي وآلام الثديين، فتفرغ شحناتها السلبية غير المفهومة في زوجها المسكين، ولكن زوجها الرءوف الشفوق سيتحملها بكل حب وود، وسيحرص على عدم استثارتها واستفزازها، فهو يعلم جيدًا أن ما يحدث لزوجته الحبيبة هو (المرض الشهري)! أيام معدودة سيصبر عليها، ثم تنكشف الغمة مرة أخرى، وفعلًا مع دخول الدورة الشهرية بدأت تصيبها حالة من الهدوء والسكينة، ثم انقضت الدورة، وعادت متحمسة متفائلة، كما أصبحت عاطفية رومانسية، وسرعان ما ندمت على انفعالها وتهورها في الأيام الخالية، وعادت المياه لمجاريها، وهدأت العاصفة الهوجاء، بعد أن انحنى الزوج الحصيف لها!

عاش الزوجان حياة هنيئة مرضيّة إلى أن أتى الخبر السعيد، لقد حملت الزوجة ! وليس هناك خبر أسعد من ذلك؛ فرغبة الأمومة من أشد الرغبات التي تسعى لها المرأة، وتحرص على أن تعيشها بروحها ودمها، سعادة لا توصف، وانشراح فوق حدود العقل، ولكن…

فجأة أصابتها حالة من الانقباض، انطفأت جذوة السعادة، ومات الحماس في داخلها، وبدأت تغيرات نفسية غريبة لم تفهمها الزوجة نفسها، إنها تشعر بالرغبة في إنهاء هذا الحمل! لا تستطيع مواصلة الحمل، وتريد التخلص من جنينها!وكأنها بقول الله تعالى: (حملته أمه كُرها ووضعته كُرها) الأحقاف: 15، إنها لا تريد أن يأتي طفلها ليواصل معاناة تلك الحياة التعيسة! بدأت الأفكار الاكتئابية تحاصرها، حالة من القلق واضطرابات النوم، قلة في التركيز، وأعراض عضوية من اضطرابات في النبض والهضم، وأبشع ما أصابها تلك الوساوس الغريبة التي تسيطر عليها من أنها سوف تلد طفلًا مشوهًا، وأنها إذا أنجبت الطفل في المستشفى فسيتم تبديله بطفل آخر!

إنها أعراض اكتئاب الحمل الذي يصيب بعض النساء الحبليات، سيصبر الزوج على زوجته، وسيذهب بها للطبيب النفسي، ولكن لا علاج دوائي ممكن في تلك الفترة الحرجة، كل ما على الزوج والزوجة هو الصبر إلى أن يجتازا تلك المرحلة، ولا يخفى الدور المحوري للزوج في مؤازرة زوجته، والعطف عليها؛ فهو يعلم جيدًا أنها فترة محدودة ستمر، ومن صبر على حبيبه في الشدة استمتع به في الرخاء!

انكشفت الغُمّة وأتى المولود السعيد، وكان المتوقع أن يملأ البيت فرحًا وسعادة، وهذا ما حدث بالفعل في الأيام الأولى بعد الولادة، ولكن سرعان ما تبدلت نشوة الأم، وحل محلها حزن غريب، وكآبة غير مناسبة للحدث، بدأ القلق يساورها على طفلها، كما شعرت أنها لن تصلح للقيام بعبء الأمومة، أما اضطرابات النوم فكأنها من حظها ونصيبها في كل مرحلة من مراحل حياتها! تنهمر الدموع من مقلتيها بلا سبب ظاهر، لقد ساورتها أفكار غريبة ملحّة أن تتخلص من ابنها أو تقذفه بعيدًا!

قد ترفض العناية برضيعها وتلقي به لأمها فهو قد صار عبئًا لا تحتمله! تحيطها أفكار غير طبعية من أن الطفل ليس ابنها أو أنه تبدل بطفل آخر! إنها أعراض اكتئاب ما بعد الولادة.. ربما يأتيها صريحًا وربما يأتيها مقنّعا على هيئة أعراض عضوية من آلام في الظهر والقدم وصداع لا يستجيب للأدوية، أعراض متعلقة بالقلب أو الجهاز الهضمي أو التنفس، وكلها يحار لها الأطباء ولا تستجيب لدوائهم، يرى الزوج كل هذا من زوجته ويتذكر وصية رسولنا الكريم: (فاستوصوا بالنساء خيرًا) فينفذها بحذافيرها، ويتذكر أيامًا لها خلت امتلأت فيها بالحب والحنان والرومانسية، يتحمل الزوج كل هذا برضا واطمئنان إلى أن تمر تلك المرحلة الصعبة.

مرت الأيام وعادت السعادة والبهجة للبيت بزوجة تتحمل معاناتها وزوج يتفهم نفسية زوجته؛ فالتفاهم أحد الأعمدة الرئيسة التي ينبني عليها بيت الزوجية، وما دام الزوج مراعيًا لقارورته، فلا حزن ولا شقاء بإذن الله، ولكن الزوجة وصلت لسن الخامسة والأربعين، وبدأت تغيرات جديدة في حياتها لم تعهدها من قبل، سخونة تهب على صدرها ووجهها فتحرقهما، وربما بدأ ذلك الغليان من القدم، مصاحَبا بحالة من الخوف والخجل وزيادة ضربات القلب، ظلت تلك الأعراض تذهب وتجيء، ناهيك باضطرابات الدورة الشهرية التي استمرت شهورًا طويلة بلا سبب ظاهر، جاءت اضطرابات النوم مرة أخرى، وعادت مشاعر الكآبة والحزن مرة أخرى، بدأت الزوجة توجه تلك المشاعر نحو زوجها، كأنها تتهمه بتلك الحالة التي وصلت إليها مجترّة ذكريات الماضي مركّزة على حوادثها السيئة لتشير إليه بأصابع الاتهام أنه هو من أفنى زهرة عمرها وامتص رحيقها حتى صارت زهرة ذابلة يابسة لا ينظر إليها أحد! تتعمد التجهم في وجهه واستفزازه، ثم تخلو بنفسها، وتشعر بأنها قد كبرت، وانتهت مهمتها في الحياة، لقد انقطع الطمث، وبدأ الشبح الذي كانت تخاف منه منذ زمن، إنه سن اليأس.

لقد أصبحت في مخيّلتها غير مرغوبة وربما تطلب الطلاق من زوجها إمعانًا في الغضب والاستفزاز، هنا يعلم الزوج أن قارورته تريد أن تنكسر، وما عليه سوى أن يتعهدها بالطمأنة والحنان، ويذكّرها بأنه يحبها مهما كبر العمر ومهما مر الزمان، وإن عدم القدرة على الإنجاب ليس مانعًا من الحب، بل ليس مانعًا من العلاقة الزوجية، بل هي الحياة وقوانينها ونواميسها التي ينبغي أن نخضع لها بلا تبرم أو ضيق، فتهدأ الزوجة، وتبدأ مرحلة أكثر حيوية وسعادة من الحياة الزوجية بفضل ذلك الزوج الحكيم العاقل.

لعلنا بعد تلك الرحلة النفسية  أدركنا جيدًا معنى الوصايا النبوية (رفقًا بالقوارير) و(فاستوصوا بالنساء خيرًا) فإن المرأة تتعرض لضغوط نفسية في حياتها الفسيولوجية والسيكولوجية لا يتعرض لها الرجل؛ الرجل ليس له دَورة شهرية ولا يحمل ولا يلد وليس لديه سن يأس، لذا كان عليه نصيب وافر من الصبر على المرأة وتفهم معاناتها والأخذ بيدها، ففي كل مرحلة عصيبة من تلك المراحل عليه أن يلين جانبه لها ويتحمل ثوراتها وعنفها وعلوّ صوتها عليه؛ فكل ذلك بالرغم منها، أما إذا واجه تلك الثورات الموسمية للزوجة بالعنف والردّ بالمثل، بل رد الصاع صاعين، فستنتهي الحياة الزوجية حتمًا ويتحطم بناء قوامه قول رسولنا الكريم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وهذا القوام ليس سهلًا، وإنما يأتي بحكمة الرجل وتعقله، وفهمه لنفسية المرأة المختلفة والمعقدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب (متاعب الزواج) للدكتور عادل صادق
عرض التعليقات
تحميل المزيد