دأبت «الدراما التليفزيونية» على تقديم المرأة المثقفة بصورة نمطية؛ تبدو فيها سيدة ترتدي نظارات طبية، تجادل وتنتقد كل صغيرة وكبيرة، ساخطة على المجتمع، عدوها الأول الرجل، تردد كلمات معينة كـ«المساواة»، «حقوق المرأة»، لا تهتم بمظهرها، والعمل بالنسبة لها هو تحقيق لذات، ولو كان هذا العمل مجرد «دوام يومي روتيني».

وهي صورة ـ على ما يبدو ـ مستمدة في الأساس من قالب ذهني رسمه المجتمع لها؛ إذ إن الصفات السابق ذكرها أجابني بها كل رجل سألته «لماذا لا ترتبط بامرأة مثقفة»؟

وهذا ما أكد إيماني أن هناك لبسًا كبيرًا في عقل الرجل في «تعريف» المرأة المثقفة. وقد لا ألومه وحده أو ألوم المجتمع على هذا، وقد سقطت الروايات النسائية في خطأ الصورة النمطية ذاتها، بالرغم من أنها كُتبت بيد من يُصنفن كنماذج مُثلى للمرأة المثقفة، وهن من يفترض أنه يقع على عاتقهن توضيح هذا اللبس، بدلًا من تأكيده.

بالنسبة لي، أرى أن هناك فرقًا كبيرًا بين المرأة الأكاديمية المتخصصة في مجال معين تجيده ـ وهذا هو النموذج الشائع من النساء ـ وبين المرأة المثقفة. وما يحدث هو أنه يتم الخلط بينهما، فتحصيل الشهادات العليا، لا علاقة له بالثقافة أبدًا.
لذلك يتوجب علينا أولًا أن نجد إجابة أوضح لهذا السؤال «من هي المرأة المثقفة»؟

المرأة المثقفة: هي امرأة استطاعت أن تنقذ عقلها، وتدفعه لتفكير خارج الصندوق، وكانت القراءة خير وسيلة لها.

المرأة المثقفة، ليست تلك المرأة «الموسوعاتية» غزيرة المعلومات؛ من تحفظ تواريخ الحروب العالمية، وأسماء وزراء «كوريا الجنوبية»؛ و نسبة الكثافة السكانية بـ«البرازيل»!

المرأة المثقفة هي من فهمت وعملت على إنتاج معرفة، فكر، حياة، عمل تفيد به البشرية، من خلال ما قرأته.

المرأة المثقفة تجالس الأمي، فيحس بأنها تنتمي له، وتلعب مع الطفل فيراها في سنه.

المرأة المثقفة لا تكتفي بالجلوس في مكتبتها؛ تسخر من المجتمع وتتفهه، إنما تهرب إليه. فالثقافة لا تفصلك عن المجتمع، بل تجعلك تسعى لمجتمع أفضل.

المرأة المثقفة، ليست هي من تحمل لقب «دكتورة»، بل هي من تحمل هم قضية. من تتقن إخراج التفاهات، من تفاهتها إلى عمقها؛ فتجعل منها أشياء جميلة.

المرأة المثقفة لا تنشد المثالية، لكنها ترفض الحياة الزائفة، تتحفظ على الجلوس في مطعم «خمس نجوم»، بينما أكثر من 800 مليون شخص في العالم لا يجدون كسرة خبز، ترفض أن تهديها خاتمًا يعادل ثمنه ثمن صندوق من الأدوية.

المرأة المثقفة تؤمن بأن الرجل حليفها، والجهل عدوها، فتسعى للاستفادة من خبرة الرجل.

أما غير ذلك، فإنما هن أنصاف وأعشار مثقفات، أسأن لصورة المثقفة الحقيقية. وهذا ما أكد اعتقاد الرجل بأن المرأة المثقفة زوجة فاشلة، آخر همها إنشاء أسرة، تمضي وقتها في حضور الندوات الثقافية واللقاءات الأدبية، تتحدث طوال الوقت عن القضايا الكبرى، وترى في العمل المنزلي خضوعًا وخنوعًا للرجل.
و قد يكون ذلك صحيحًا، إنما بالنسبة لمن لم يستوعبن عمق الثقافة، وهدفها، واعتقدن أن الثقافة هي التمرد، غير المبرر، بمناسبة وبدون مناسبة، الرفض لأجل الرفض فقط!

وفي نفس السياق، لا يمكننا تجاهل عقدة «الرجل الشرقي» الذي يصر على مقارنة نجاحه وثقافته بنجاح وثقافة المرأة، فيخال كل تفوق لها هو تفوق عليه، وليس تفوقًا لها على الجهل، فينفر بداية من الارتباط بهذا النموذج، ثم يلجأ لتأكيد الصورة النمطية له، كمسبب للنفور.

لهذا وجب علينا أولًا تصحيح المفاهيم في أذهاننا؛ إن أردنا كسر حالة الخوف من الارتباط العاطفي بالمرأة المثقفة، وعلى المرأة أيضًا أن تكون مثقفة حقيقة؛ حتى تبدو الصورة أجمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد