كلما قلبنا في عادات مجتمعنا وإرث التخلف والرجعية الذي بدأ منذ أواخر العهد العثماني إلى يومنا هذا، تجد أنّ الكثير مما اعتادت عليه هذه المجتمعات يجب أن يتغيّر ويتبدّل كليًّا، وخاصة تلك العادات والقوانين المرتبطة بالنساء والتي حوّلت من أول مجتمع أنصف المرأة – المجتمع الإسلامي – إلى واحد من أكثر المجتمعات إيذاءً للمرأة وتجريحًا.

ما الفرق بين أن تدفن الفتاة بعد ولادتها، أو تحدد لها سن الثلاثين لتدفنها؟

ينظر المجتمع بشكل عام أنّ الفتاة إن بلغت الثلاثين من عمرها صار اسمها عانسًا، ولم تعد تحظى بفرص الزواج التي تتوفّر لتلك التي تصغرها بعشرة أعوام، وكأنّ تاريخ وفاتها كفتاة عادية هو عند بلوغها هذه السنّ، حتى أنّ كثيرًا من الفتيات وبسبب هذا المعتقد الفاسد الخاطئ تشعر بالدونية إذا وصلت إلى الثلاثين، وقد تتخلى عن كثير من أحلامها والصور التي رسمتها في ذهنها لفارس أحلامها، فقد تضطر للزواج برجل لديه مشاكل مع عائلاته، أو رجل لم يكن يحلم بأن يحظى بظفر رجلها قبل عدة أعوام، وربما تجد نفسها منكسرة مهزومة في هذه السن، وكلّ تلك الأوهام مردّها الأول هو التفكير الخاطئ والسائد عند مجتمعنا.

الثلاثينية جوهرة صقلتها الحياة، عاشت فترة من الماضي أعطتها دروسًا وعبرًا كافية لكي تنضج روحًا وعقلًا، وتعيش حاضرها بطمأنينة وثقة ونظرة ثاقبة، وتتطلّع إلى مستقبلها بعين حادقة، فلا تقتلوا هذا الكنز بمعتقدات بالية مهترئة.

جرّب أن تحاور أي ثلاثينية ستجدها تملك وجهة نظر خاصة بها لكل قضية، هي لا تقبل أن تكون نسخة عن أحد ولا تحب التفكير التقليدي، محاورة ذكية تحفر في ذهنك أفكارها بهدوء ودهاء، تعرف حدود المزح وتضبط تصرفاتها بإيقاع تذهيبي يسحر من يتابعها، قوية بمفردها لا تعتمد على أحد، إن مشت تمشي على استحياء، ما عادت تستهويها صرعات الموضة ولا تجذبها حركات المراهقة، إن صمتت رأيت الهيبة وإن تكلمت أفصحت وأوضحت.

لا تضحك ضحك الفتيات الصغيرات لتجذب الناظرين، إنما تبتسم ابتسامة باردة صفراء، لا تثير الفتنة وليست صيدًا سهلًا لذئاب الذكور، تعيش الواقع ولا تهمها الوعود المخملية، بسيطة لأنها عرفت الحياة، طموحة لأنها تريد الحياة، إن كنت ضعيفًا كانت سندك وإن كنت قويًا صارت جيشك، وإن أردت النصيحة وجدتها الحكيمة البليغة، وإن أردت السكون كانت سكنك.

المرأة في هذا العمر أكثر حنانًا ولطفًا وعاطفة، وأشد إخلاصًا ووفاءً وصدقًا، وأنقى سريرة وأعذب قولًا وأحلى طلعةً وأبهى منظرًا، ولولا أن حملت تلك الصفات ما كان عمر الحور العين في جنان الخلد الثلاثين،فهو سن تمام الحسن والأنوثة.

لو نظر الشاب الخاطب إلى أبكار الثلاثين بنظرة الباحث عن أم فاضلة ومربية لما توانى في طلبها، ومن المؤسف أنّ الفكرة السائدة عند أغلب العائلات أن تبحث عن فتاة صغيرة لابنهم من باب: (يربيها على يده) وهذا ما يسمى بتدجين النساء وقولبتهن، فأنت مجبر أن تعيش مع إخوتك وهم لا يحملون فكرك، ومجبر على تحمّل الخلاف بينك وبين والديك لأنه يستحيل أن يتفقوا معك دائمًا، ولكن إن وصل الأمر إلى الزوجة صرت تبحث عمن لا تعصي لك أمرًا ولا تخالف لك شورى، فبالله عليك لم اسمها زوجة إن أصبحت نسخة مبرمجة على ما يناسب دماغك؟ ألا تدرك أن أكثر مكان يحتاج إلى أكثر من رأي وأكثر من فكر وعقل هو المنزل؟

المرأة في الثلاثين لم تبلغ سن الخطر وفوات القطار كما يتهيأ لنا، إنما هي بلغت سن الحور العين السنّ الذي نضجت فيه فكرا وروحًا وعقلًا وجسدًا، وصارت الأكثر أهلية للزواج وشراكة الحياة، والأقل مهرًا الأكثر بركة الودود الولود.

هذه عادة جديدة من العادات البائدة يجب مسحها وإلغاؤها، وكما أن الإسلام في بداياته أخذ على كل يد امتدّت لوأد الفتاة في صغرها، فلنأخذ على يد كل من يدفنهن في أجمل فترة من فترات حياتهن، فلا تجبروا بناتكم على الزواج بدعوى الخوف من العنوسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد