سِنجار، مدينةٌ عراقيّة لم يُنصفها التّاريخُ ولا الجغرافيا، وكحال العراق،أُلقِيَ بها في دوامة الصراعات الطائفية عبثًا لتصبحَ محلّ نزاعٍ خاصة معَ التغييرات الجيوسياسيّة التي تشهدها المنطقة. مدينةٌ جبليّة تقع شمال غربِ العراق ويسكنها حواليّ 24 ألف نسمة من الأيزيديّين، هذه الطائفة المضطهدةُ التي أعادها تنظيمُ داعش الإرهابيّ للواجهة.

في الواقع، تعرّض أتباع الديانة الإيزيديّة على مرّ التاريخ للاضطهاد والمجازر بسبب فتاوى التكفير المتكررّة، بداية من حملات «التطهير» في القرن السابع عشر، مروارًا بحملات الأنفال الممتدة من 1963 – 2007 المنتهية بنكبة أغسطس (آب) 2007، وصولا إلى مجزرة سنجار التّي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلاميّة إثر انسحاب قوّات البشمركة من شمال العراق، إبادةٌ جماعيّة ذهب ضحّيتها 5000 من أتباع الطائفة الإيزيديّة إثر سيطرة التنظيم الإرهابيّ على المدينة في 4 أغسطس (آب) 2014.

ناديا مراد.. قصّةُ بطلة 

في خضم النزاعات الطّائفية والحرب ضدّ الأقليّة المنسية في أطراف العراق، وُلدت ناديا مراد (ماردلين) في كوجو – سنجار سنة 1993، ولم تكن تعلم طوال سنواتها العشرين التّي قضتّها هناك، أنّ حياتها البسيطة ستتغيّر تماما في صائفة 2014.

وفي فترة غير بعيدة وركن آخر من العالم، ولدت أمل علم الدّين بلبنان خلال الحرب الأهلية الدّامية التي اندلعت في ثمانينات القرن الماضي، وهي كذلك حرب تدور في محورٍ طائفيّ دفعت عائلتها للمغادرة إلى المملكة المتحدّة أين ستتابع أمل دراسة القانون لتصبح لاحقًا واحدة من أشهر الحقوقيّات في العالم، بعد تولّيها للعديد من القضايا المثيرة للجدل، كدفاعها عن رئيس جمهورية المادليف، مؤسس موقع وكيليكس، رئيسة الوزراء الأوكرانيّة وغيرهم. وقد تضاعفت شهرتها بعد تزوّجها من الممثلّ العالميّ جورج كلوني.

بدأتُ قصة تقاطعِ حياتيهما، حينما كان عمرُ ناديا مراد 21 سنة، كانت طالبة، من وسط معدم، تطمحُ لأن تصبح مدرّسة وتساعد عائلتها المتكوّنة من ثمانية أفراد.

أواخر صيف 2014 احتلتّ قوّات داعش القرية، وحلّ الخراب أكبرُ عمليّة إبادة جماعية شهدتها المدينة حينها كانت ناديا في المدرسة، وكانت المدينة تهوي أمام زحف المتشددين الذين يعتبرون أبناء الأقلية الإيزيدية من عبدة الشيطان وعليهم أن يعتنقوا الإسلام وإلا كان مصيرهم الموت. مقاتلو «الدولة الإسلامية» الذين لا يتورعون عن قطع الرؤوس طوقوا المدينة بلحى قذرةّ وبنادق آلية . اختطف مسلحو داعش ناديا من المدرسة وأخذوها رفقة أكثر من 150 امرأة أيزيدية إلى الموصل. لتجد هناك الآلاف من النساء والأطفال الذين كانوا يقدمون لمقاتلي التنظيم كهدايا.

 في 15 أغسطس (آب)، شاهدت ناديا أمهّا وأشقاءها يعدمون في ساحة عامة. حمّام دمٍ ذبح فيه 310 فرد في أقل من ساعة، ثمّ راكموا الجثث والرؤوس في مشهد سيرياليّ رافقه العويل الذي لا يفارق أذنيها إلى الآن، بينما كانت تراقبُ من نافذة المبنى الذي حُبست به.

حُبست ناديا في المبنى لأسابيع مع الآلاف من العائلات، ثمّ قدم المجاهدون أخيرًا لاقتسام الغنائم. تصف الفتاة الناجية أول من حاول اغتصابها بأنه وحش آدميّ. بقيت نادية أسيرة لبضعة أيام عند أحد مسلحي داعش في الموصل، ثمّ عاد مغتصبها ولم ينتظر كثيرا، قبل أن يأمرها أن تضع المكياج وتتزين «قلت له إنني مريضة وفي تلك الليلة السوداء فعلها».

عاشت ناديا بعدها الإهانة والاغتصاب يوميا، وكان مختطفها يطلب منها أن تلبس ملابس كاشفة لتلبية نزواته الجنسية. في محاولة أولى للهروب تحت وطأة الاغتصاب المتكرر، رغم الحراسة المشددة،تسللت بحثا عن طريق الإفلات من العبودية الجنسية. لكن حظها كان عاثرا، فقد أمسك بها الحراس لدى محاولتها الفرار واقتادوها إلى سجّانها الذي يقول إنه «زوجها».

وكان العقاب أن رمى بها في غرفة انفرادية وجردها من ملابسها، ثم تركها للحراس يتناوبون على اغتصابها طوال الليل، تقول نادية في شهادتها «اغتصبوني حتى فقدت الوعي». و بعد ثلاثة أشهر من تلك الحادثة نجحت في الهروب أخيرًا من الجحيم إلى مخيّم للاجئين بألمانيا، حيث بدأت معركتها الحقيقيّة: إيصال قصتّها لكل العالم.

امرأتان وعدوّ واحد

أمل علم الدين وناديا مراد – رغم اختلافهما – يشكّلان فريقا استثنائيا فعلا، الأولى امرأة متخرّجة من أكسفورد، من عائلة مثقفة، طويلةُ القامة منمقّة الملابس واثقة الخطى، والثانيّة كانت تطمحُ لتدريس التّاريخ، لم تكمل تعليمها، من عائلة فقيرة ومجتمعٍ تقليديّ، قصيرةُ القامة وخجولة جدّا، بشعرٍ داكن وعينين شاحبتين والكثير من الحكايا المُوجعة.

التقت المرأتان لأوّل مرة حين أدلت ناديا بشهادتها أمام مجلس الأمن، بلهجتها الكرديّة، وصوتها الخجول، وكلماتها التّي أبكت الحاضرين. الآن، تمثّل أمل علم الدّين الأيزيدين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتطالب المحامية والناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان بالموافقة على إجراء تحقيق أممي في الفظائع التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في هذا البلد ومحاسبة مرتكبيها أمام القضاء.

وفي خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار سعيها إلى محاكمة الجهاديين على جرائمهم بالعراق، قالت كلوني، وكيلة الدفاع عن النساء الأيزيديات «هناك مقابر جماعية تقبع من دون حماية ومن دون أن تُنبش، وهناك شهود يفرون، وما من ناشط واحد في داعش يحاكم بأي مكان في العالم بتهمة ارتكاب جرائم دولية».

متحدتّان في مواجهة العالم اتحادا فريدا من نوعه، أمل كلوني وناديا مراد امرأتان وقضيّة واحدة. هذا الأسبوع تختتمان زيارة إلى نيويورك، حيث من المنتظر أن تقدّما أكثر المناشدات إلحاحا لدى الأمم المتحدة، إذ أنه لا يوجد تقدمٌ واضحة في قضية الأيزيديين.

تتوالى تحركات أمل ونادية من أجل تحقيق العدالة لضحايا داعش، فبعد أن تحدثتا العام الماضي في مجلس الأمم المتحدة، تعودان هناك مرة أخرى من أجل حثّ العراق على السماح بتحقيق تابع للأمم المتحدة في جرائم المجموعات الإرهابية.

تقول أمل إنّ الحكومة العراقية يجب أن ترسل خطابا رسميا تطلب فيه التحقيق من قبل مجلس الأمن الدولي المؤلف من 15 عضوا يحق لهم التصويت على التحقيق. لكن مرت أشهر، والمواعيد التي حددتها المملكة المتحدة قد تمّ تأجيلها.

 تقول نادية في هذا السياق: «أتساءل ما إذا كانت هناك أي جدوى من مواصلة حملتي على الإطلاق، لا أستطيع أن أفهم ما الذي يأخذ وقتا طويلا. لا أستطيع أن أفهم لماذا يسمحون للتنظيم أن يفلت من العقاب،أطلب من الحكومة العراقية والأمم المتحدة التعجيل لإجراء تحقيق ومنح جميع الضحايا العدالة التي يستحقونها».

أمّا أمل، فقد أكدّت أن الأمم المتحدة يمكن أن تعمل بدون موافقة العراق ويمكن إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، لتصب القضيّة قضية دولية.

لكنهما رغم العزيمة على مواصلة التحدّي، تبديان استياء واضحا تُرجم من خلال تصريحاتهما الأخيرة، فقد قالت أمل كلوني «نادية تعرف أين دفنت والدتها، وهناك مقابر جماعيّة وأدلة على انتهاكات لحقوق الإنسان، وصمت مخيف…»، وأضافت: «ولكن في النهاية إذا لم يظهر ذلك الدعم في هيئة إجراء حقيقي فإن على الأمم المتحدة أن تفكر في سبل أخرى لتحقيق المساءلة».

كان مجلس أوروبا قد منح الشابة الإيزيدية جائزة حقوق الإنسان التي تحمل اسم الرئيس التشيكي الأسبق والناشط الحقوقي فاتسلاف هافيل. كما عينت سفيرة النوايا ورشحت لجائزة نوبل للسلام، كلّ هذا، أعطى الشابة نفوذا تستغله في دفاعها المستميت عن قضيّتها الأم. مؤخرًا، عبرت ناديا عن غضبها بعد عودة ممن دعموا مسلحي داعش إلى حياتهم الطبيعية في الجزء الشرقي لمدينة الموصل. فقد كتبت نادية مراد على حسابها في تويتر «نصف الموصل قد حرر.. الآلاف ممن فتحوا أبوابهم لداعش الآن عادوا لممارسة حياتهم الطبيعية وكأن شيئا لم يحصل». ناديا، سئمت من تأخير محاكمة تقتص من «إرهابيي الدولة الإسلامية». حيث اعتبرت أن إخفاق أنظمة العالم في محاسبة المجرمين أمر غير مبررّ.

إن المتأملّ في أول لقاءات نادية التلفزيونيّة، يدرك أن الشابة الأيزيدية قد اكتسبت على مرّ الثلاث سنوات الماضية، ثقة كبيرة، تظاهي ثقة أمل علم الدين التّي تعيش حياتها تحت الأضواء، صارت أمل أكثر شراسة ونضجا، وتطور خطابها، وصارت تجيد التواصل بالأعين بعد أن كانت تتلعثم في سرد أقوالها. أمّا أمل، فباقترابها من نادية، هي تلامس جذورها العربيّة، فعائلة أمل أيضا قد عانت من ويلات حرب لبنان، غريبتان، طردتا من أرضهما بسبب الطائفية المقيتة، فاتحدتّا تحاربان نفس العدّو بنفس الصمود والتحدّي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

EUROPE ONLINE
عرض التعليقات
تحميل المزيد