قال لي أحد قبل أيام أن الرجُل في “الماضي” – السبعينات والثمانينات – كان حين يُزوِجُ ابنته أو أخته، يقوم بذلك – خفية- بعُرس “خفيف” لا يُثيرُ الجلبة من كثرة خجله من الأمر. كان قد يتوارى عن الأنظار لأسبوع أو أسبوعين بسبب ذلك. وأنهُ لو كان في يده أن لا يُقيم عُرسًا أصلًا لقام بالأمر.» بكري كُنا أفضل حالًا «، أكملت العبارة التي أراد قولها .. بيني وبين نفسي.

 

يوم أمس، قال لي أحد الأقرباء، في حوار بيننا كان عن قضية دعم الوالد الجزائري للأبناء الذكور ماديًّا وعدم النظر إلى البنات منهم. قال لي؛ الوالد إن كان بإمكانه مُساعدة كُل أبنائه، فسيُساعدهم. لكن حين يضع الأولويات أمامه فالأولوية يجب أن تكون دومًا للأبناء الذكور.

 

عبارتان، وإن كانتا تبدوان بسيطتين. إلا أنهما بدلالات عميقة تصفان الحالة التي يسيرُ عليها الرجُل في مُجتمعنا في قضية تعامله مع المرأة. فهو – على ما يبدو– ما زالت تُسيره عقلية وأد البنات الجاهلية. فكرة أن المرأة جسدٌ سيُمنح لرجُل آخر ليتمتع به. أو جسدٌ حاضن ومُنتجٌ لأبناء لا يحملون اسم العائلة التي وُلدت لها. وفكرة المرأة الضعيفة، غير القادرة على العمل، غير المُفيدة للعائلة ماديًّا. فكرة المرأة العورة والعار.

 

في الماضي كان الرجُل الجاهلي يدفن ابنتهُ حية، يبيعُها لسوق النخاسة أو يتصدق بها. أيُ طريقة ليتخلص من هذا الكائن النكرة الذي أُجبر على الحصول عليه. أمور لم يعُد رجُل مُجتمعنا يقوم بها. ليس لِأنه يرفُضها – وإن كان سيقول إنه يرفضها- لكن لأن الإسلام منعها – وحمدًا لله أنه منعها–. رغم هذا ما زال فِكر الوأد مُتجذرًا في عقل الرجُل. وأدٌ بطريقة مُختلفة تمامًا، وأكثر خطورة. فعواقبها لا يتحملُها هو والمرأة التي يئدُها وحدهُما فقط. وإنما كُل المُجتمع. هو وأدٌ نفسي للمرأة.

 

مُجتمعُنا، وككُل المُجتمعات يميلُ إلى عمل مُقارنات وتصنيفات للأمور. ذلك أفضل من هذا وهذا أكثرُ رفعة من تلك. الرجُل والمرأة لم يتفاديا هذا التقليد. المُقارنات تحتاجُ دومًا إلى مرجع، أو مقياس. وبما أن مُجتمعنا مُجتمع ذكوري بامتياز – بعقل ذكوري- يكون الرجُل – بصفاته النفسية والبيولوجية- مرجعًا لهذه المُقارنات بين الرجُل والمرأة. فتصير نتيجة المرأة العورة والعار، نتيجة حتمية لهذه المُقارنة. المرأة ببساطة امرأة من المُستحيل عليها أن تكون رجُلًا. هذا الخلل الذي وُلدت به – باعتبار الرجُل مرجعًا- لم يكُن لديها خيار فيه. كما لم يكُن للرجُل خيارٌ في كونه “كاملًا”.

 

للمرأة، كما للرجل، خصوصياتُها البيولوجية والنفسية. أمرٌ كهذا لا يمكن تجاوزه بل ويجب احترامه. قد يُقبل أن يُقال إن لكُل منهُما مكانه في المُجتمع. – استنادًا على خصوصيات كُل منهما. وهذا موضوع آخر- لكن هذا لا يعني الحق في وضع أحدهما فوق الآخر، أو القول إن أحدهما أفضل من الآخر.. إهانة الآخر أو حتى مُحاولة عمل مُقارنات بين الاثنين. لأننا سنقع في إشكالية المرجع. فعلى أي أساس تُعمل المُقارنات وما هو مرجعُها؟

 

المُقارنة بين الجنسين – التي وُضع الرجُل مرجعًا فيها، برضى الجنسين- فاسدة. فهُما مُختلفان تمامًا جسديًّا ونفسيًّا. المُقارنة هذه كالمُقارنة بين غزال وأسد – دون إسقاط أحدهما على أحد الجنسين- لا يُمكن القول إن الغزال ضعيف، ولا أن الأسد قوي، لأنهُما ببساطة، ورغم مُشاركتهما في منظومة واحدة، من بُعدين مُختلفين تمامًا.

 

المُقارنة في مُجتمعنا – أو رُبما في العالم كُله- بين الرجل والمرأة فاسدة مبنية على مرجع ذكوري خاطئ قَبِل به كلا الجنسين، ذكورًا وإناثًا. وبالتالي ورغم أن المُجتمع يتحكمُ فيه الرجال، لا يُمكن لومهم وحدهم على هذه النتيجة. المرأة حصلت في القرن الأخير على ما لم تحصُل عليه أي امرأة في التاريخ رُبما، من تعليم وفُرص مُتساوية لتلك التي يحصل عليها الرجُل، ورُبما أفضل أحيانًا.

 

رغم هذا، رغم التعليم والتكوين الذي تحصُل عليه. لم تستطع التحرُر – نفسيًّا قبل جسديًّا- من المُرسخات المُجتمعية والإعلامية التي تُعلمُها مُنذ الصغر كيف تكون أنثى – أنثى من وجهة نظر رجولية-. هي ما زالت ترى في الرجُل – صفاته وما يحصل عليه- مرجعًا لما تُريد.. وتُطالب به، رغم وقوعها دومًا في صدام بين بيولوجيتها التي تُريها حقيقتها – أنثى- وما يُريدها المُجتمع أن تكون عليه لتكون “أنثى” كما يُعرفها هو. إذا هي أعلمُ من الرجل أن المرجع الذي يُقام لعمل هذا التقييم خاطئ. لذلك وكفرد من هذا المُجتمع.. تتحمل جزءًا مُهمًا من الواقع الذي نحنُ فيه الآن.

 

على المرأة والرجُل الخروج من صندوقيهما – الذكري والأنثوي- والتفكير في خصائص كُل منهُما بكُل تجرُد وموضوعية ومُحاولة تحديد أدوار كُل منهُما. هذا ما سيقضي على النظرة المُجتمعية الذكورية الاستعلائية، وما سيُساهم في التقدُم بهذا المُجتمع إلى الأمام.. فأكثر المُجتمعات تقدمًا، هي أكثرها فهمًا لأدوار الناس، واستغلالًا لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد