في البدء لا بد لي أن أشيد بهذا الكتاب، وأبدي إعجابي الشديد به؛ لأنه ليس مجرد كتاب عادي، بل هو كنز من المعرفة (العلمية والتجريبية) التي تُنظم العلاقة بين الرجال والنساء، وتُبين الفروق بينهما، حيث يؤسس الكاتب لمفهوم الاختلاف بين الجنسين، ويبين الفوارق الفكرية والجسمية والحسية، ويضع الطريقة المُثلى للتعامل مع هذه الاختلافات.

يفترض جون غراي في كتابه أن الرجال كانوا يعيشون في المريخ، وأن النساء كُنَّ يعشن في الزهرة، وكلهم كانوا يعيشون بهدوء وسلام وتقبل، لكن هذا الحال لم يدم طويلًا؛ إذ تسرب الملل إلى نفوسهم، مما دفعهم ومن باب الفضول للبحث عما يزيل إحساس الملل هذا، وأثناء هذا البحث اكتشف الرجال كوكبًا اسمه الزهرة، ثم بدأت الرحلة.

الكاتب ومن خلال فصول كتابه المختلفة وتناغم طرحه، إذ تراه يكمل بعضه بعضًا، استطاع أن يقرب المسافة بين المريخيين (الرجال)، والزهريات (النساء)، ويشرح مستعينًا بالتجارب الإنسانية التي واجهته، سواء في حياته الشخصية، وكذلك التي التقى بها من خلال أصدقاء، أو التي كان يستضيفها كحالات استشارية.

كما وضح للقارئ أن «النساء» و«الرجال» مختلفون في الكثير من الأشياء، وهذا أصل خلقهم، وأي محاولة لكسر أو إذابة أو تحويل هذا الاختلاف أو إلغائه، ما هو إلا مشروع خراب ودمار للعلاقة بين الرجال والنساء.

«المريخيون» لهم صفاتهم خلقوا بها وتطبعوا عليها، و«الزهريات» لهن صفاتهن التي خلقن بها وتطبعن عليها، ومن الضروري ألا نحاول أن نعدل هذا الأمر، لتستمر العلاقة الاجتماعية والأسرية بينهم.

يقول جون غراي في مقدمة الكتاب: «لا يجب أن تحاول تغيير شخصية شريك حياتك، فتلك شؤونه هو أو هي، وشأنك أنت هو تغيير طريقة الاتصال وردود الأفعال والتجارب معه».

وهذا ما نحتاج إلى أن نتعلمه اليوم؛ لكي نقلل المشكلات مع شركائنا، لا يجب أن ننتظر ردود فعل تشبه ما نفكر فيه، بل علينا أن نتجاوب ونفهم ردود الفعل، سواء أكانت غاضبة أم راضية، فرحة أم حزينة، ليس علينا أن ننتظر ردود فعل مُرضية دومًا، يجب أن نفهم ونستوعب ونحب الآخر بالشكل الذي هو عليه، ونحاول أن نصلح من العلاقة التي بيننا.

الانعزال والسكوت وعدم الاهتمام من «الرجال» لا يعني أنهم لا يحبونِ أو أنهم يخططون لمشروع خيانة، إطلاقًا هذا غير موجود، بل هم غارقون في التفكير بمشكلة ما.

الثرثرة والتذمر والصراخ من «النساء» لا يعني أنهن يبحثن عن مشكلات، أو حتى حلول لمشكلة ما، الأمر أبسط من ذلك، إنهن يبحثن عن الإنصات دون اقتراح لأي حلول، إنصات فقط! هذا ما يقوله جون غراي عن الجنسين.

الرجل ينظر إلى الأمور من زاوية مختلفة عن زاوية النساء، والعكس صحيح، كلٌّ يرى الأمر بطريقته بناءً على «علاقاته وثقافته وطبيعة حياته»، وهذا ما يجب أن نفهمه، كما أننا لا نحتاج إلى نسخ متشابهة، عندما نتشابه لم يعد لأحدنا من ضرورة، الاختلاف يبقينا ويجددنا.

إذًا ونحن نناقش موضوع العلاقة بين الجنسين علينا أن نؤسس لمفهوم موحد ألا وهو «الاختلاف»، لأن أي العلاقة بين «الرجال والنساء» قائمة عليه، ومن فهمه نصل إلى النجاح والتميز، لا كما تعلمنا بأن الاختلاف هو باب الخطر الذي تدخل منه كل مشاكلنا، على العكس من ذلك علينا أن نفهم «الاختلاف» بصورته الصحيحة، ونميزه عن «الخلاف».

وإذا رجعنا الى أصل اللغة نجد أن أبا البقاء الكفوي في كتابه الاختلاف والخلاف ذكر أن الاختلاف: هو ما اتحد فيه القصد، واختلف فيه الموصل إليه، وهو مستند على دليل. أما الخلاف: فهو ما اختلف فيه القصد مع الطريق الموصل إليه، وهو لا يستند إلى أي دليل.

كما أن محاولة كسب الرجال للنساء باستخدام وسائل الإقناع الحضارية، لا ينقص منهم شيئًا، والأمر ينطبق على النساء أيضًا، بل هو ما يؤسس لمفهوم التعايش الصحيح ويرسخه ليصل بنا إلى أعلى درجات الوعي والتعايش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرجال, النساء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد