نعلم يقينًا مدى أهمية الاعتراف بالتجارب الإنسانية الجادة والناجحة. ولهذا نحن مدعوون دائمًا إلى الاعتراف المتبادل بها وبأهميتها. على الأقل كمنهج للرقي بها وفسح المجال أمامها لتشرأب نحو الأفضل، من حيث هو فلسفة وقيمة عليا تتيح لنا الاستمرار في السعي لتأسيس فضاء مشترك يضمن حيزًا للتنوع والاختلاف المؤسس للأمن الاجتماعي.

بمناسبة احتضان مدينة مراكش يوم الخميس المنصرم أشغال القمة العالمية الثانية لمبادرة «نساء في أفريقيا»، قدم الملك محمد السادس حصيلة المغرب في مسألة المساواة بين الرجل والمرأة، الحصيلة التي ارتكزت على ثلاث دعائم أساسية هي: الوثيقة الدستورية لسنة 2011 والتي نصت صراحة على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ودعم الاستقلالية الاقتصادية وروح المبادرة الحرة لدى النساء على الصعيد الوطني، وكذا اعتماد مقاربة النوع في إعداد الميزانيات والتي تُعد آلية أساسية لضمان حقوق المرأة. وإذا كانت هذه الدعائم الثلاث تعكس تجربة ناجحة في تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين، بحيث يعمل المغرب اليوم على مشاركتها نظرائه في القارة السمراء، فإنها تدفعنا أيضًا إلى معاودة التساؤل حول علاقة المرأة والسلطة في السياق المغربي. ومحاولة النفاذ إلى قدر الإشكالات السوسيو-ثقافية التي تحكم المخيال الشعبي للمرأة قبل الرجل بخصوص مسألة ممارسة المرأة للسلطة.

السلطة ليس لها جنس، وممارستها ليست بالضرورة مرتهنة إلى محددات فيسيولوجية أو سيكيولوجية معينة، وإنما هي قرينة الكفاءة والقدرة على تقديم الإضافة النوعية، بشكل يخدم المجتمع ويحقق نموًا وحركية لبنياته الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية، ويمكن اعتبار هذا قصب السبق في مسألة ممارسة المرأة للسلطة ضد ثقافة الاستيلاب القائمة على النوع والتي ظلت تتحكم في النسق الثقافي العربي عمومًا والمغربي خاصة.

لقد حازت أبعاد قضية المرأة والسلطة طيلة عقود اهتمام المجتمعات العربية لذا عمد رعيل الحركات الديمقراطية الحقوقية النسوية خلال تسعينات القرن الماضي إلى الدعوة والنضال لأجل ترسانة قانونية لا تناصب المرأة الإقصاء والتهميش، وانما تدفعها دفعا لإنتزاع حقها في ممارسة السلطة والمشاركة في بناء المجتمع الذي تشكل أكثر من نصف ساكنته، وعلى اعتبار أن النضال من أجل حقوق النساء شَكلٌ من نضالٍ لتغيير كل شيء، ليست حقوق النساء فقط، فقد باشر المغرب سلسلة إصلاحات قانونية مُهَيكلة مكنت من تطوير الترسانة القانونية، وبالتالي تمكين المرأة من ولوج مراكز القرار.

وذلك فبدءًا باعتماد نمط الاقتراع باللائحة النسبية واللائحة الوطنية سنة 2002 ، مرورًا بإحداث دائرة انتخابية إضافية محلية تخصص للنساء سنة 2009، ثم إحداث دائرة انتخابية وطنية تتكون من 60 مقعدًا برلمانيًا للنساء سنة 2011، إضافة إلى التنصيص على تضمن لوائح الترشيح لعضوية مجلس المستشارين ترشيحات تتناوب بين الذكور والإناث سنة 2015، وألزمت أيضًا الأحزاب السياسية بتوسيع الحيز المخصص للنساء ودعم مشاركتهن بفاعلية في تحقيق مساعي التنمية من خلال الحث على بلوغ نسبة الثلث داخل أجهزتها المسيرة وطنيًا وجهويًا، وإحداثها لجنة للمناصفة وتكافؤ الفرص.

كما تم إحداث صندوق الدعم لتشجيع تمثيلية النساء كآلية دائمة تهتم بتقوية التمثيلية النسوية وتشتغل بكيفية مستمرة من أجل تمويل مشاريع لتقوية قدرات النساء، باعتمادات تخصص له في إطار القانون المالي للسنة المالية، وانتهاءا عند إطلاق برنامج الحكامة المحلي من أجل تطوير خطة عمل للنساء المنتخبات، بغرض ضمان النجاعة والفعالية في تدبير النساء المنتخبات للمهام المسنودة إليهن.

ولعَلَّ تبني المغرب خيار الديمقراطية التشاركية كأحد الثوابت الدستورية، شكل تحولًا هيكليًا في مسار ممارسة المرأة للسلطة، وذلك ليس فقط على مستوى الهياكل الحزبية والمسار الإنتخابي التمثيلي، بل مكنها أيضًا من سلطة من نوع آخر، عبر دسترة أدوار جديدة للمجتمع المدني، وهي سلطة مراقبة وتقييم السياسات العمومية، بحيث أضحى الفاعل المدني مخولًا له قانونًا المشاركة في صنع السياسات العمومية وصياغة القرار العمومي وتقييمه، بشكل يتيح له رصد مدى احترام صناع القرار لمبدأ النوع الاجتماعي والمساواة وتكافؤ الفرص.

وهذا التحول الهيكلي هو استمرار لمسلسل الإصلاح الذي بموجبه يتاح لفئة عريضة من النساء المشاركة في الحياة العامة، وهي أيضًا نتيجة صيرورة مستمرة من النضال بموجبها استطاعت المرأة أن تنتزع قدرًا كبيرًا من الثقة، في مجتمع ذكوري تقوم فيه التنشئة الاجتماعية على السلطة الأبوية التي ظلت تتدثر بلباس الأعراف والتقاليد ويغديها قصور القوانين وشحها.

وبعيدًا عن الترسانة القانونية التي تعتبر متقدمة جدًا، تبقى محاولة بناء مصالحة مجتمعية بين المرأة وممارسة السلطة على مستوى التمفصلات الدقيقة للمجتمع التحدي الأكبر أمام الهيئات الحقوقية النسوية والدولة.

على اعتبار أن الترسانة القانوينة اليوم تنحو نحو الاعتراف الكامل للمراة بحقها في مشاركة الرجل بناء مستقبل المغرب، ولعلّ تبني المغرب طرح دعم الاستقلالية الاقتصادية وروح المبادرة الحرة لدى النساء كأحد الأعمدة الأساس ضمن خطته الرامية لتحقيق المساواة بين المرأة والرجل، تعتبر مدخلًا أساسيًا لتحقيق هذا الهدف، وهو ما يمكن قراءته من منظار أنطونيو غرامشي وفكرته حول كون الاقتصاد أساس تشكيل الطبقات الإجتماعية؛ الشيء الذي يمكن أن نعي من خلاله أهمية التمكين الإقتصادي للمرأة كمدخل لتحقيق ذاتها اجتماعيًا ومواجهة المنطق الذكوري بسياسة الأمر الواقع كحل مباشر وفعال لترسيخ ثقافة المساواة في ممارسة السلطة في المعيش اليومي لأفراد المجتمع، وبالتالي التأثير الميكرو-اجتماعي في المخيال الشعبي.

إذًا، وكما عدناه ضمن متون السو-سيولوجيا، فإن التمظهرات الاجتماعية التي ظلت تقوض مقدرات المرأة هي وبلا شك مفاعيل قرون وقرون من الاستبداد الذكوري الذي بنى كينونته على إقصاء المرأة من الفضاء العام وحاول جاهدًا أن يلبس استبداده وأنانيته لباس القدسي الديني تارة، ولباس التقاليد والأعراف تارة أخرى، لكن سرعان ما تهاوى هذا الطرح أمام الرجة الفكرية الحقوقية التي عرفها المغرب خلال العقد الأخير من القرن الماضي، والتي شكلت ذاك المهماز الحضاري الذي وخز الأمة وبعث الأمل في مثقفيها ومفكريها الذين قادوا مسار النضال لأجل تحقيق مغرب المساواة في الحقوق كما الواجبات، في السياسة كما الثقافة، في العلم كما الفن، لأجل مواطنة كاملة، وهو ما كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السلطة, المرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد