ما تزال قضايا المرأة محل جدل بين طائفة كبيرة من المفكرين والمثقفين، حتى ظهر تيار يدَّعي نُصرة المرأة وتحريرها من أغلال الأفكار المدسوسة، على حد زعمه.

وأمام هذا التيار عامة الفقهاء وكثير من العلماء، كل منهما ينتصر لرأيه ومنظوره إلى المرأة ودورها في صياغة المجتمع.

لبس تيار التحرير ثوب الحب للمرأة، وأشاد باستقلالها في كل شيء، وفي الجانب الآخر نرى المتمسكين بالثراث وكثيرًا من العلماء بمقتضى قاعدة «سد الذرائع» قد ضيقوا على المرأة مجالها الفعَّال في الواقع. فأيهما أصوب وأقرب للحق؟

يقول الأستاذ عبد الحليم أبو شقة: إن الطعام الحلال مباح، وكذا الشراب، ولا يجوز تحريمه سدًا لذريعة ما ينتج عن الإسراف فيه من أمراض، أو سدًّا لذريعة الشرق من شرب المياه!

وإن اللسان نعمة من نعم الله على الإنسان، ولا يجوز تقييده – فضلًا عن قطعه – سدًّا لذريعة الكذب الذي أداته اللسان!

وفي حظر المباح، ومنه الاختلاط في المجتمع الإسلامي، لا بد من مراعاة شروط سد الذريعة، وهي:

1- أن يكون إفضاء الوسيلة المباحة إلى المفسدة غالبًا، لا نادرًا، وعند الشاطبي «أن يكون كثيرًا لا نادرًا ولا غالبًا».

2- أن تكون مفسدتها أرجح من مصلحتها، وليس مجرد مفسدة مرجوحة.

3- ألا يكون المنع – بعد توفر الشرطين السابقين- تحريمًا قاطعًا بل هو بين الكراهة والتحريم، حسب درجة المفسدة.

4- إذا كانت الوسيلة تفضي إلى مفسدة، ولكن مصلحتها أرجح من مفسدتها، فالشريعة لا تبيحها فحسب، بل قد تستحبها أو توجبها، حسب درجة المصلحة.

إن كل فريق قد تمادى في طريقته ودعواه باسم الدين، ولعمري لو أن دعواهم لا ينسبونها إلى الدين لكانت القضية أيسر، لكن إرجاع فكرة ما إلى شريعة الله بدون سند قوي، يجعل الأمر عسيرًا على العامة والخاصة.

إننا لو جئنا إلى قضية واحدة من قضايا المرأة في أفكار هؤلاء القوم؛ ندرك جيدًا كلًّا من «الجمود والإفراط» الذي وقع فيه كل تيار.

مشاركة المرأة في المجتمع

المجتمع بحاجة إلى المرأة مع الرجل للإصلاح والتغيير، واستقلال أيٍّ منهما عن الآخر يضر بالمجتمع ويضعفه. فكلاهما يُكمِل الآخر في مجالات متعددة داخل المجتمع.

لكن النظرة الإقصائية لمشاركة المرأة في قضايا المجتمع ما تزال موجودة؛ بل إن البعض يتبناها وكأنها الدين المنزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم!

فـتيار السلفية مؤمن بهذه الفكرة ويدعو لها، ويستدلون بأقوال للفقهاء، لكن الفقهاء خوفًا من الفتنة والفساد قالوا بتضييق مجال المرأة في المجتمع آنذاك، يقول الإمام أنس بن مالك – رضي الله عنه-: «أرى للإمام أن يتقدم إلى الصناع في قعود النساء إليهم، وأرى ألا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع…».

لكن أليس قول الإمام مالك في بداية كلامه «أرى للإمام» يدل على أن هذا رأي له، وأن الإمام – الحاكم – هو المُخول بإشراك المرأة من عدمه نظرًا إلى حاجة المجتمع والأمة؟

أليس قول الإمام: «وأرى ألا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصناع» تمييز بين المرأة الشابة من غيرها؟ ألا يوحي ذلك بأن رأيه قيل خوفًا من الفتنة في عصره وفي مكان معيَّن؟

إن الأوضاع تختلف والمجتمعات تتغير؛ فهل سنجمد على الفكر القديم ونترك مسايرة الواقع؟

إن مجتمع العصر الحديث لا يقدر على الاستغناء عن المرأة في شتى المجالات والتخصصات المختلفة، كالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وغير ذلك.

فالرجل والمرأة معًا يمكنهما صياغة الواقع صياغة صحيحة تجعل من المجتمع قوة في وجه كل متربص به. إن العمل المشترك للرجل والمرأة له حدوده الأخلاقية التي يفرضها المجتمع قانونًا، كما يفرضها إيمان الفرد نفسه وضميره الراشد؛ فإذا انحرف الضمير للفرد كان ضمير القانون في المجتمع رادعًا له عن أي تصرف يخل بالقيم والمبادئ الإنسانية. وإذا تذبذبت طبيعة المجتمع تمسك الفرد بذاته وإيمانه. وهكذا يصلح كلٌّ منهما الآخر إذا فسد أو اعوج فيصير مجتمعًا أخلاقيًّا أبيًّا تهابه كل المؤامرات الداخلية والخارجية. لا كما ادعى دعاة التحرير بالحرية المطلقة التي لا تحدها حدود ولا تحكمها ضوابط!

وكما أن مشاركة المرأة في الحياة تهذيبًا وإصلاحًا ضرورة إجتماعية، فكذلك أيضًا هو مطلب ديني حث عليه الشرع، قال تعالى: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».

وقال أيضًا: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر».

أوليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستلزم غالبًا الانخراط في المجتمع؟

أليست المرأة المسلمة من خير أمة أخرجت للناس؟

إن التزمت في إصدار الأحكام لهو طريق الضعفاء علميًّا، الفقراء فكريًّا، لا سيما إذا كان بغير نص صريح الدلالة في الأمور المنتسبة إلى الدين.

ألم يقرؤوا قول الله: «وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا».

أليس العمل لتطهير الفساد في المجتمع يعد من الصالحات؟ أليست مساعدة الآخرين ومؤازرتهم من الصالحات؟ أليست خدمة العاجز والفقير من الصالحات؟

هل جعل الله – عزوجل – حدود العمل الصالح من مهام الرجال دون النساء؟!

وعن أميمة بنت رقيقة أنها قالت: جئت النبي – صلى الله عليه وسلم- في نسوة نبايعنه فقال: «فيما أستطعتن وأطقتن». والأمر بالاستطاعة موكل للمرأة – ومن ثم الإمام – حسب قدرتها على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية المختلفة.

إن تصور خلل أخلاقي واقع في المجتمع في وجود التمسك الفردي والجماعي المنظم للمبادئ والقيم الإنسانية، أمر يكاد يختفي بين أهل المجتمع الواحد المحافظين على أنفسهم وأسرهم، كل في نطاق مسؤليته.

إن الحقيقة التي جاء بها الإسلام مؤيِّدًا السنن الكونية في الواقع لا بد منها لصلاح المجتمع وقوته، وهذه الحقيقة هي«أن الإسلام دين الجماعة»، والحامل لرسالة الإسلام هي الأمة كلها (رجالًا ونساءً).

هذه هي الفكرة السويَّة التي لا يقوم المجتمع إلا بها، وقد أكد هذا علماء الإسلام النبهاء؛ ومنهم الدكتور محمد عمارة – رحمه الله – إذ يقول: «وإذا كان الإنسان، ذكرًا وأنثى، هو مدني واجتماعي بالجبلة والفطرة والضرورة، فإن المجتمع المشرك، الذي يتشارك فيه النساء مع الرجال في العمل العام، هو القاعدة المتبعة والسنة القائمة منذ فجر الإنسانية وحتى مجتمع الرسالة الخاتمة لرسالات السماء…

لقد فتح الإسلام أبواب الحرية والتحرير أمام المرأة، وضبط هذه الحرية بضوابط الفطرة وقيم الإسلام، ولقد أحصى صاحب كتاب «تحرير المرأة في عصر الرسالة» – المرحوم الأستاذ عبد الحليم أبو شقة – يرحمه الله- حوالي ثلثمائة حديث نبوي صحيح – من البخاري ومسلم وحدهما – في مشاركة المرأة للرجال في مختلف ميادين العمل العام – عبادات، ومعاملات، واحتفالات، وحتى القتال في سبيل الله».

وهذا ما جرى على لسان المستشرقين؛ لا سيما غوستاف لوبون الذي يقول: «إن الإسلام، الذي رفع المرأة كثيرًا، بعيدٌ من خفضِها، ولم نكن أول من دافع عن هذا الرأي، فقد سبقنا إلى مثله كوسان دوبرسفال ثم مسيو بارتلمي سنت هيلر».

فما زال بوسعنا إدراك مجتمعاتنا من المهالك بالفكر النيّر، والعمل الصالح القائم على الإشراك والمشاركة.

«وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون..».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد