يحتفل العالم بعيد المرأة السنوي في 8 مارس (آذار)، وهي مناسبة للوقوف على الإنجازات والإحباطات، التراجعات والمكاسب، الآمال والمتمنيات.

نستحضر هذه الذكرى التي بدأت باحتجاجات النساء العاملات في وحدات الإنتاج بالأنظمة الرأسمالية خلال القرن التاسع عشر، أوج الحركة الإمبريالية التي انتقلت من مرحلة الثورة الصناعية الأولية المعتمدة على النسيج والطاقة البخارية، إلى مرحلة متطورة من الإنتاج الصناعي التي فرضت على الدول الرأسمالية رفع سقف إنتاجها، وغزو الأسواق الخارجية، مما أدى إلى حشر الملايين من النساء في معامل البورجوازية التي تفتقد إلى أبرز شروط السلامة المهنية، خصوصًا مع الأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة، وغياب المساواة مع أخيها الرجل.

في أواسط القرن التاسع عشر، احتجت النساء في الولايات المتحدة على ظروف العمل غير الإنسانية، رغم قمع الشرطة، لكن هذا الاحتجاج لفت الانتباه إلى حقوق المرأة المهضومة في معامل الطبقة البورجوازية، وفي بداية القرن العشرين نظمت النساء المضطهدات في المصانع الأمريكية حركة احتجاجات واسعة للتنديد بطول ساعات العمل المرهقة، وضرورة تمتيعهن بحقهن في التصويت، وخلال سنة 1910 عقدت سيدات في عاصمة الدنمارك مؤتمرًا دوليًّا للنساء بمبادرة من سيدة تدعى كلارا زيتكين، ومثل المؤتمر نساء من 17 دولة، اتفقن خلاله على جعل الثامن من مارس كل سنة عيدًا للمرأة، واحتفل به لأول مرة في كل من سويسرا، ألمانيا، النمسا، والدنمارك، ولم يصبح العيد أمميًّا إلا سنة 1975 بعدما أقرته الأمم المتحدة.

إن المتتبع لحقوق النساء في العالم لا يمكن إلا أن ينشرح للوضع المتقدم الذي أصبحن يتمتعن به مقارنة بالماضي، خصوصًا في الضفة الشمالية من العالم، مع تسجيل تراجعات خطيرة في بلدان العالم النامي المحكوم وفق النظام البطريركي الأبوي، الذي يقزم من مكانة المرأة ودورها في المجتمع.

رغم مكانة المرأة المميزة لدى الأمم المتقدمة، فإنها تعتريها العديد من الاختلالات، لذلك وجب التنبيه لتلك الانزلاقات الخطيرة التي وقعت في تحولات البنى الاجتماعية، وإن كانت قد تمكنت من حصد العديد من المكاسب، فإنها ما زالت مقيدة داخل النظام الرأسمالي الذي حولها إلى مجرد سلعة للربح، فهي أسيرة المجلات النسائية والقنوات الفضائية، التي تستعرض جسدها وتجعل منه وسيلة لجذب الانتباه والبيع والشراء.

حتى التظاهرات الرياضية، خصوصًا في الملاكمة وسباق السيارات والدرجات الهوائية، فإن دورها هو تأثيث المشاهد، وأخذ الصور، وحمل لافتات الشركات الراعية بأزياء الإغواء والإثارة، والهدف بطبيعة الحال لفت المشاهد إلى المنتج بواسطة المرأة، التي تبقى الوسيلة الأنجع للربح.

إن وعي المرأة بخطورة هذا الاستغلال هو السبيل للتخلص من وضعية العبودية في صيغها المعاصرة؛ لأن هذا الاستلاب لا يقتصر فقط على نساء الطبقات الكادحة بل حتى الغنية، وذلك ما أورده مصطفى حجازي في كتابه الرائع «سيكولوجية الإنسان المقهور»؛ إذ فصل في أشكال الاستلاب التي تعاني منه المرأة في الأوساط الميسورة أو ذات الامتياز بقوله: «المرأة في هاته الأوساط مجرد أداة للتباهي، حيث تفرغ من محتواها الفكري وتتحول إلى وسيلة للعرض والمبارزة في شقها المادي»، ويضيف «المرأة وإن أفلتت من القهر المادي إلا أنها ستعيش قهرًا قد يكون أدهى وأمر، وهو الاستلاب المعنوي الذي لا يقل عن كونه موتًا معنويًّا».

وما زالت المرأة في أوساط الدول الفقيرة تعاني القهر الاقتصادي بالأساس، ففي بعض المجتمعات يقع العبء عليها في كل شيء، وفي الأزمات يشار إليها قبل أي شيء.

والحديث عن المرأة لا يستقيم دون ذكر أهم إنجازاتها، ففيلسوفنا المغربي الراحل محمد عابد الجابري لم يكن ليخرج لنا عصارة فكره المتمثل في ثلاثية العقل العربي – والعديد من الموضوعات التي تخص الإشكالات الفكرية العربية المعاصرة – دون زوجته المناضلة التي تكفلت بإنجاز كل التزاماته الأسرية، مقابل أن يتفرغ كليًّا للبحث والتنقيب عن نكبات العقل العربي، كما صرح بذلك في وثائقي الجزيرة.

المرأة المناضلة لا نستثني منهن اللواتي ضحين بأنفسهن لصالح الديمقراطية والحرية، من سعيدة المنبهي، شهيدة الرأي في مغرب السبعينيات، إلى كل نساء المغرب اللواتي يقمن بتضحيات سواء في البيت، أو في العمل، إلى جانب شقيقها الرجل، لا نسثني منهن النساء المقاومات، خصوصًا الثكلى منهن في فلسطين المباركة، اللواتي قدمن الشهداء من أبنائهن.

نختم بما قيل في وصف مكانة المرأة: «لا تخف الارتباط بامرأة قوية، ربما يأتي يوم تكون هي جيشك الوحيد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد