أزعجتني صورة وصلت إلى حسابي على موقع فيسبوك من أحد الصفحات الدعوية، كانت لحلوى أطفال على شكل مصاصة مغطاة كتب فوقها حجاب وأخرى غير مغطاة يحوم حولها ذباب كثيف وكتب عليها تبرج. فكتبت في ردي على المنشور أن الأمر فيه إهانة للمرأة؛ مما اضطر مدير الصفحة لتوبيخي ودعاني لأخذ العبرة أو الصمت!

لن أتحدث هنا عن سوء أدب مدير الصفحة وعن توجيهه لي بالصمت، الذي لا أجيده طبعًا. ولن أتحدث عن لباس المرأة والحلال منه والحرام. لكن ما أريد بسطه هو دلالة استعمال مثل هذه التشبيهات والتوصيفات للمرأة ومدى صحة استخدامها في الدعوة الدينية.

استعمال القياس أو المقارنة كحجة أمر سائد في الحجاج والنقاش والعلوم والأدب وحتى في الدين، فله فائدة لفهم أفضل لعالمنا، ويمكن إعتباره منهجية تعليمية فعالة وأسلوب سلس للشرح، لكنه يحتاج إلى توفر عناصر التشابه أو التلاقي بين شيئين لكي تصح المقارنة.

فمثلًا، اكتشف العلماء كواكب تشبه في شكلها ومناخها كوكب الأرض، فجعل من الممكن أن تكون هناك كائنات تعيش هناك بشكل من الأشكال. لكن يصبح القياس شبهة وتحايلًا منطقيًا عندما لا يكون هناك أي ترابط بين ما نريد القياس عليه. فما الرابط بين صورة الحلوى وحجاب المرأة في الإسلام؟

إن في رأيي الشخصي، لا رمزية ولا دلالة إيجابية للحلوى في الصورة والمرأة، إلا إذا كان من باب الإهانة، وتعزيز مظاهر التمييز، ونشر تصور مهين للنساء يشبههن بحلوى، وتعامل سطحي مع الحجاب باعتباره ممارسة دينية اختارتها فئة عريضة من مجتمعنا، في إطار تعبدي وجب احترامه.

أما الذباب الذي يحوم حول المصاصة ربما قصد به صاحب الصورة كثرة المتحرشين بالمرأة إن كانت غير متحجبة في الشارع العام، بينما الكثير من الدراسات التي تمت في العالم العربي تظهر أن التحرش الجنسي يمس النساء باختلاف أشكال لباسهن. فقد أكدت دراسة تابعة للمركز المصري لحقوق المرأة أن 83% من النساء المصريات يتعرضن لشكل من أشكال التحرش؛ مما يدل على مدى انتشار هذه الظاهرة. وهو أمر غير أخلاقي وجب إنكاره وشجبه كيفما كان لباس المرأة.

هذا يطرح الكثير التساؤلات حول طرق التواصل والتأثير لدى الكثير من وسائل الإعلام والصفحات الدعوية، فلم استعمال مثل هذه الصور؟ فهناك الكثير من الوسائل والنصوص التي يمكن اعتمادها بطريقة تراعي اختلاف جمهور الصفحة، ولم لا يتم نشر مواد إعلامية أكثر رحمة بالمرأة ونفسيتها، متحجبة أو غير متحجبة، ونقل رسالة سمحة عن الإسلام وعن نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكن في كلامه الإهانة، بل كان يكرم المرأة ويعلي من شأنها. 

إن طريقة إرسال الرسالة الأعلامي وصياغتها، لا تقل أهمية عن الرسالة نفسها. فلا فائدة من قسوة الخطاب وتعالي الدعاة. فبالرغم من تطور مجال الدعوة الدينية في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واستعمالها للقنوات الفضائية ومواقع التواصل الإجتماعي كوسائط إعلامية لنشر أفكارها، مازال يفتقد إلى روح الإبداع وفهم الواقع ومراعاة عقلية المجتمع التي تطورت.

ولتطوير مناهج الدعوة ورسائلها الإعلامية المنتشرة على صفحات الشبكات الاجتماعية، لا بد من جعلها أكثر إنسانية وعالمية كرسالة الإسلام، ومن الأحسن التعايش مع النقد وتقبله بصدر رحب وبروح انفتاح. وتقليص دائرة المقدس، فقد امتد التقديس من كلام الله ورسوله إلى كلام الدعاة والفقهاء، وحتى مدراء الصفحات الدعوية على الفيسبوك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد