كتب الفيلسوف الإيطالي المجدد داخل النسق الماركسي «أنطونيو غرامشي» في كراسات سجنه عن المثقف ما يلي: «إن جميع الناس مفكرون (بهذه الدرجة أو تلك)، ومن ثم نستطيع أن نقول: ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس» واضح من هذا التعريف لمفهوم المثقف أن صورة هذا الأخير لا تتحدد من خلال الكم المعرفي الكبير الذي يحمله صاحبه، بل تتحدد بالأساس من خلال الوظيفة التي يؤديها داخل مجتمعه كمشرع وصاحب مشروع ومدافع عن مشروعه، أي بصفته «شخصًا متفردًا – كما يقول إدوارد سعيد – قادرًا على أن يقول كلمة الحق في مواجهة السلطة، وهو سريع الغضب فصيح اللسان، شجاع إلى درجة لا تعقل، وثائر لا يرى أن ثمة سلطة دنيوية أكبر وأقوى من أن ينتقدها ويوجه اللوم إليها». والحق أن هذه الصفات جميعها توفرت في شخصية ابن رشد، سواء نظرنا إلى الرجل من ناحية الكم المعرفي الهائل الذي كان يمتلكه، أو نظرنا إليه بوصفه مجتهدًا ومناضلًا في سبيل إقرار «كلمة الحق». حتى لقد جرَّت عليه جرأته تلك النكبة التي تعرض لها في آخر حياته.

من هنا يمكن القول إن فيلسوف قرطبة لم يكن أبدًا فيلسوفًا متعاليًا، ينأى بنفسه عن قضايا مجتمعه، كما يفعل بعض المثقفين الذين يخاطبون الناس من برجهم العاجي.

كلا، لقد كان ابن رشد «مثقفًا عضويًّا» مهتمًّا، بل مهمومًا بقضايا ومشكلات مجتمعه، مكافحًا ومناضلًا ضد الفقهاء المتزمتين الذين كانوا قد حرَّموا الفلسفة وحكموا بالكفر على المشتغلين بها. ومُصدرًا بالمقابل فتواه بوجوب الاشتغال بالفلسفة لمن هم أهل لها، والتي تضمنها كتيبه «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، ثم مقترحًا للحلول التي يراها ناجعة ومناسبة لعصره، وللمجتمع الذي يتحدث هو بالنيابة عنه. متسلحًا في ذلك بكل الوسائل المعرفية وما اكتسبه من علوم نقلية وعقلية مختلفة، والتي أمكنه الاطلاع عليها، من خلال احتكاكه الطويل بالعلوم العربية أولًا: كالفقه والكلام والنحو والبلاغة… وانفتاحه ثانيًا على علوم الآخرين من فلسفة وطب وفلك… وما إلى ذلك مما كان يُطلق عليه عمومًا اسم «علوم الأوائل».

لقد وصل ابن رشد من سعة الاطلاع جعلت معاصره ابن الأبار يقول عنه «إنه لم ينشأ في الأندلس مثله كمالًا وفضلًا، وكان على شرفه أشد الناس تواضعًا وتخفضهم جناحًا. عني بالعلم من صغره إلى كبره».

لم يكن إذن ما كتبه فيلسوفنا مردُّه إلى مجرد ترف فكري أو الكتابة من أجل الكتابة فقط. كلا، إن جميع مؤلفاته مسكونة بهاجس الإشكالية التي عاشها المجتمع الأندلسي في تلك الفترة، وهي بالتالي تندرج في إطار عملية «التصحيح»: «تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير»، تصحيح وضع الفلسفة وتخليصها من مسائل علم الكلام، تصحيح العلوم الطبية وتحريرها من نظريات جاليانوس، وكذا طموحه لتصحيح علم الفلك بالرجوع به إلى أرسطو وتخليصه من آراء بطليموس… وهلم جرا.

وكتابه الضروري في السياسة – الذي نحن بصدده – لا يخرج عن هذا النطاق، إن ما يستلفت الانتباه في هذا الكتاب الذي نقله أحمد شحلان من العبرية إلى العربية ونشره سنة 1999م هو تناول ابن رشد لقضية المرأة من منظور لا نكاد نجد له مثيلًا في التراث العربي السابق له.

صحيح أن ابن رشد في كتابه هذا عمد إلى شرح ما جاء في جمهورية أفلاطون، لكن فيلسوف قرطبة لم يقتصر على مجرد الشرح، بل كرس جهده لـ«تبيئة» السياسة اليونانية ومفاهيمها مع المجتمع العربي الإسلامي عامة، والمجتمع الأندلسي خاصة. فنجده يستقي باستمرار أمثلة من مجتمعه، يقول مثلًا في مسألة لها علاقة بموضوعنا، وهي بعض أسباب تقهقر المدينة، والتي يعزو جزءًا كبيرًا منها إلى تراجع دور المرأة فيها، واقتصارها على  البيت وخدمة زوجها، فيقول متحسرًا على ما آلت إليه وضعية المرأة الأندلسية من الانحطاط في عهده؛ إذ يُرجع ذلك إلى كونهن «اتخذن للنسل دون غيره وللقيام بأزواجهن، وكدًّا للإنجاب والرضاعة والتربية، فكان ذلك مبطلًا لأفعالهن [الأخرى]».

يلاحظ ابن رشد أن النساء في الأندلس لا يلتجئن إلى العمل إلا في حالة الحاجة الماسة للمال الراجعة للفاقة والفقر فـ«ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال، كما في صناعة الغزل والنسيج» مما يجعلهن «ثقلًا على الرجال»، ويَكُنَّ بذلك «سببًا من أسباب فقر هذه المدن».

إن ابن رشد لا يرى أي فرق بين الرجل والمرأة «إلا بما فضل الله بعضهم على بعض»، يقول صاحب بداية المجتهد ونهاية المقتصد:  «إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية، فإنهن بالضرورة يشتركن وإياهم فيها [الأفعال الإنسانية]، وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف. أعني أن الرجال أكثر كدًّا في الأعمال الإنسانية من النساء».

وإذن فالاختلاف بين الرجل والمرأة -حسب ابن رشد – هو فقط في تكويناتهما البيولوجية الطبيعية لا غير، مما يجعل الرجال قوامين على النساء، ومع ذلك فالنساء أيضًا يتفوقن على الرجال في بعض الأمور؛ إذ «لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقًا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فن الموسيقى العملية، ولذلك يقال إن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء».

إننا هنا أمام خطاب عقلاني منفتح حول قضية المرأة.

فابن رشد يرى إذن أن «طبع النساء والرجال طبع واحد» من حيث المهام المنوطة بكل منهما، والعمل الذي يجب أن يقوم به كل منهما داخل المدينة. ولما كان الأمر كذلك وجب «أن تقوم النساء في المدينة بأعمال هي من جنس الأعمال التي يقوم بها الرجال، أو بعينها، فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات وغير هذا». النساء محاربات وفيلسوفات وحاكمات. ليكن، ولكن كيف؟

يجيبنا ابن رشد قائلًا: «وأما اشتراكهن في صناعة الحرب وغيرها، فذلك بين من حال ساكني البراري وأهل الثغور، ومثل هذا ما جبلت عليه بعض من النساء من الذكاء وحسن الاستعداد». وهنا تظهر أمامنا مشكلة فقهية يكن طرحها على الشكل التالي: إذا كان على المرأة أن تقوم «في المدينة بأعمال هي من جنس الأعمال التي يقوم بها الرجال. فلماذا حرمت عليها بعض الشرائع توليها إمامة المسلمين؟ ثم أولم يشترط بعض الفقهاء المالكيين – ومن بينهم أبو بكر ابن العربي- الذكورة كأساس لتولي منصب القضاء، فما بالك بالإمامة الكبرى؟

هنا يلتمس ابن رشد مخرجًا ويرجع ذلك فقط إلى كونه «لما ظُّن أن يكون هذا الصنف نادرًا في النساء، منعت بعض الشرائع أن يجعل فيهن الإمامة، أعني الإمامة الكبرى، ولإمكان وجود هذا بينهن أبعدت ذلك بعض الشرائع»، إن فيلسوف قرطبة وقاضي قضاتها يتحدث هنا لابصفته فيلسوفًا، بل بصفته فقيهًا متمرسًا، ويحكم ببطلان ما جاء به بعض الفقهاء من تحريم «الرياسة» على النساء، بدعوى أنها لم تحدث في عهد الصحابة، ويُرجع سبب ذلك فقط لعدم شيوع هذا الأمر بين الناس.

لقد أولى ابن رشد أيضًا مسألة التربية والتنشئة أهمية قصوى، سواء للذكور أو الإناث، إذ يجب تعليمهم «الأخلاق وتربيتهم عليها، وذلك عن طريق تلقينهم الرياضة والموسيقى»، كما لا ينسى أن ينهى الآباء عن محاكاة أبنائهم لقصص كاذبة فيأخذ في ذلك نقلًا عن أفلاطون قوله: «إن أكثر الأشياء ضررًا على الوُلدان هو أن يسمعوا وهم صغار، قصصًا كاذبة؛ لأنهم في هذا العمر يكونون أكثر استعدادًا لأن يقبلوا بيسر ما يراد لهم أن يقبلوه من الصور»، وبالتالي فعلينا أن نجنبهم في سنهم المبكرة الاستماع للحكايات الكاذبة والساقطة حتى لا يتأثروا بها. وتؤثر فيما بعد في طريقة تفكيرهم. وقد قيل قديما «التعليم في الصغر كالنقش على الحجر».

وبعد.. فإن من المعلوم أن أفلاطون قد أنهى حلمه بالمدينة الفاضلة -كما تصورها – بنوع من التشاؤم، لأنه رأى بناءها يتطلب أن يقوم به فلاسفة، وبما أن هؤلاء قلة قليلة، وإذا ما وجدوا – كما كان الحال زمن أفلاطون نفسه – فالناس في الغالب لا يأتمرون بأمرهم، ولا يتخذونهم قدوة، والنتيجة تكون هي استحالة قيام مثل هذه المدينة.

يرد ابن رشد على هذا الادعاء بنص يعبر فيه عن تفاؤله فيقول: «والجواب هو أنه يمكن أن نربي أناسًا بهذه الصفات الطبيعية التي وصفناهم بها، ومع ذلك ينشأون وقد اختاروا الناموس العام المشترك الذي لا مناص لأمة من هذه الأمم من اختياره، وتكون مع ذلك شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية، وتكون الفلسفة قد بلغت على عهدهم غايتها. وذلك كما هو عليه الحال في زماننا هذا وفي ملتنا هذه. فإذا اتفق لمثل هؤلاء أن يكونوا أصحاب حكومة [حكم]، وذلك في زمان لا ينقطع، صار ممكنًا أن توجد هذه المدينة الفاضلة».

هذه إذن جملة من الآراء والمواقف التي صدرت عن ابن رشد، والتي ضمنها كتابه الضروري في السياسة إلى جانب تناوله لقضايا أخرى، كالاستبداد والأخلاق والحريَّة… إلخ.

وأخيرًا يمكن القول إن ابن رشد ظل مجهولًا داخل الثقافة العربية الإسلامية لفترة طويلة جدًّا، إلى أن بُعث من جديد على يد بعض المفكرين المتنورين في القرن الماضي، وقد كان المستشرقون سباقين، وذلك عندما نشر رينان مؤلفه الشهير عن «ابن رشد والرشدية».

وَلعل مِمَّا له دلالة أن محمد عابد الجابري عندما كان بصدد نقد وتحليل العقل العربي خصوصًا الشق العملي منه، سكت سكوتًا تامًا عن هذا الكتاب، مبررًا ذلك بأنه «لم يكن له أي حضور على مسرح ما دعوناه بـ«تجليات العقل السياسي العربي!».

حقًّا إن ابن رشد أصابه ما سماه محمد أركون بـ«سوسيولوجية الفشل» في الفكر الإسلامي. فما أحوجنا نحن الْيَوْمَ إليه وإلى روحه النقدية وعقلانيته المنفتحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد