المرأة في الإسلام

أحاط الإسلام المرأة بسياج من الرعاية والعناية، وارتفع بها وقدَّرها، وخصَّها بالتكريم وحُسْن معاملتها سواء كانت ابنةً أو زوجةً أوأختًا. وقضى الإسلام على مبدأ التَّفْرِقَة بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانيَّة، وأنزلها المكانة التي لم تبلغها في ديانة أو عقيدة سابقة، فقرَّر أنَّ المرأة والرجل خُلِقَا من أصل واحد؛ قال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}(النساء:1).

فالأمر في الإسلام لم يقف عند الحفاظ على حقِّ المرأة في الحياة فقط، وإنما رغَّب الإسلام في الإحسان إليهن. من مظاهر تكريم الإسلام للصغيرة: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :”مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ؛ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ”.

ثم أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بتعليمها فقال: “أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا.. فَلَهُ أَجْرَانِ”.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها؛ أدخله الله الجنة)(أخرجه أبوداود وأحمد).

ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة، أن أعطاها حق التصرف في مالها وحق التملّك من دون أن يجعل للزوج عليها من سبيل، حيث أثبت الإسلام للمرأة ذِمَّة ماليَّة مستقلَّة تمامًا كالرجل؛ فلها أن تبيع وتشتري، وتستأجر وتؤجِّر، وتوكل وتهب، ولا حِجْر عليها في ذلك مادامت عاقلة رشيدة، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}(النساء: 6).

ومن الحقوق السیاسیة للمرأة حقها في البیعة والحسبة والشورى والأمان والإجارة والنصیحة وغیر ذلك، ولما أَجَارَتْ أُمُّ هانئ بنت أبي طالب رجلًا من المشركين، وأبى أخوها عليٌّ – رضي الله عنه – إلاَّ أنْ يقتله، كان قضاء الرسول – صلى الله عليه وسلم – في هذه الحادثة قول: “أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ”.

ومن مظاهر تكريم الزوجة: أن جعل لها حقوقًا عادلة، ففي حجة الوداع، يقول صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله،»، ويقول: “إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله”.

وأيضا حقها في اختيار الزوج، واحترام إرادتها، وهذا الموقف من أدق المواقف في حياتها، وأمسِّها بمستقبلها، ويتجلى ذلك في حق المرأة البكر في اختيار الزوج، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله عن الجارية يُنكحها أهلها، أتُستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله: «نعم تُستأمَر» فقالت: فقلت له: إنها تستحي، فقال رسول الله: «فذلك إذنها، إذا هي سكتت». وبذلك لا يجوز إجبارها على الاقتران برجل لا تريده.

ثم لمَّا تصير زوجةً يحثُّ الشرع الحنيف على حُسْن معاملتها وعشرتها؛ مبيِّنًا أن حُسْن عِشْرَة النساء دليل على نُبْل نفس الرجل وكريم طباعه، فيقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : “إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَقَى امْرَأَتَهُ مِنَ الْـمَاءِ أُجِرَ”. ويقول مرهبًا: “اللَّهُمَّ، إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ”.

وقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قدوة عملية في ذلك؛ فكان في غاية الرقَّة واللُّطف مع أهله، يروي في ذلك الأسود بن يزيد النخعي، فيقول: سألتُ عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصنع في أهله؟ قالت: “كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، قَامَ إلى الصَّلاةِ”.

يروى عنه أيضا “كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته… والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها”(أخرجه البخاري ومسلم).

وروي عنه أيضا أنه قال: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”(أخرجه الترمذي وابن ماجه).

وكذا أوجب لها العشرة بالمعروف حال الحب وفي حال الكراهية: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}(النساء: 19).

وهذه العشرة للزوجة بالمعروف تصبح ميزانًا للخيرية عند الله يستبق فيه المسلمون إلى محبة الله ورضاه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله”(أخرجه الترمذي وأبوداود وأحمد). وقوله صلى الله عليه وسلم: “اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا”(رواه البخاري).

وهكذا فالعلاقة الزوجية سلسلة متبادلة من الحقوق والواجبات، وهي قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(البقرة: 288)، وأوجب الله تعالى للزوجة السكن الكريم المتناسب مع قدرة الزوج المالية، قال تعالى {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ}(الطلاق: 6).

 

وأما الوفاء للزوجة بعد وفاتها فقد ضرب النبيُّ أروع الأمثلة في ذلك، قال أنس عن النبيّ [ إذا أتي بالهدية قال: “اذهبوا إلى فلانة، فأنها كانت صديقة لخديجة”.

ومن مظاهر تكريم الإسلام للمرأة المنزلة العلية التي أولاها للأم، فقد أوصى الله تعالى بها بعد عبادته فقال عز وجل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(النساء: 36).

قال ابن عباس: يريد البر، برهما مع اللطف، ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما كالعبد بين يدي السيد تذللا لهما. وقد حملها الرسول أمانة تربية الأولاد فقال مكرمًا لها: «والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها» (متفق عليه).

1- قوله تعالى : {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا}(الأحقاف:15).

2- وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(الإسراء: 23-23).

لقد أمر الله تعالى بعبادته وحده في الآيتين، وقرن بعبادته البرَّ بالوالدين، وهذا يدل على أهمية إكرام الأم والأب، ونهى الأولاد أن يقولوا للوالدين قولا سيئًا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، ولا يجوز للأولاد أن ينهروهما، ويصدر منهم كلام قبيح، بل على الأولاد أن يخاطبوا الوالدين بالرفق واللين، والقول الحسن، ولاسيما الأم. وأكد العناية بها في حال كبرها وضعفها، جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، مَن أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم مَن؟ قال: «أمك» قال: ثم مَن؟ قال: «أمك» قال: ثم مَن؟ قال: «أبوك»(رواه البخاري ومسلم).

 

ففي الحديث نجد أن الرسول أوصى بالأم ثلاث مرات. ومن حق الأم على ولدها أن ينفق عليها إذا احتاجت إلى النفقة، مادام قادرا مستطيعا.

تلك هي شريعة الإسلام التي حفظت للمرأة حقوقها وخصوصيتها وصانت لها كرامتها ومكانتها ورفعت قدرها، بما يثبت وجودها، ويحترم ذاتها، ويرد لها اعتبارها، ويكرم شأنها، ويعز رأيها، ويزيل ظلمها، ويضيء حياتها بطاعة ربها، ويسعد قلبها بذكر ربها، ويزين عمرها بهدي خالقها، ومن هنا يدرك المرء بكل يقين أن الإسلام فعلا وحقا كما قال عنه العزيز الحكيم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(الإسراء: ٧٠).

تكريم المرأة لذاتها، أي بوصفها جنسا، فأتى الإسلام وكرمها أعظم تكريم فجعلها هي والرجل على حد سواء، “فالنساء شقائق الرجال” كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قرر الإسلام تساوي الذكر بالأنثى في إنسانيتهما وكافة الأمور العبادية، ولم يميز بينهما في شيء إلا حال التعارض مع الطبيعة التكوينية والنفسية والوظيفية للذكر أو للأنثى.

وقد حذر القرآن من صنيع الجاهلية التي كانت تنتقص المرأة وتعتبرها عارا تتخلص منه بوأدها حال الطفولة {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}(النحل: 58-59).

وفي إزاء هذا الواقع الجاهلي الظالم خص النبي صلى الله عليه وسلم البنات والأخوات بالمزيد من وصايته فقال: “من يلي من هذه البنات شيئا، فأحسن إليهن؛ كُنَّ له سترا من النار”(أخرجه البخاري ومسلم).

وبشّر بالجنة من أحسن رعاية الإناث من أخوات وبنات، فقال: “من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو ابنتان أو أختان؛ فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن؛ فله الجنة”(أخرجه الترمذي وأبوداود وأحمد).

ويرتفع الجزاء في حديث آخر ليبلغ بالمحسن إليهن إلى أعلى الجنة، حيث أنبياء الله والصالحون من عباده، يقول صلى الله عليه وسلم: “من عال جاريتين حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو” وضم أصابعه.(أخرجه مسلم). أي أنه يجاور النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، كما تتجاور الأصبعان في يد الواحد فينا.

كل هذا الترغيب والحث من الإسلام ليبطل شرعة الجاهلية في انتقاص المؤنسات الغاليات اللاتي يرغِّب النبي صلى الله عليه وسلم بمحبتهن فيقول: “لا تكرهوا البنات، فإنهن المؤنسات الغاليات”(أخرجه أحمد).

ويبرأ الإسلام من تفضيل الذكر على الأنثى، ويعد بالجنة من أكرم الأنثى وأنصفها، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها؛ أدخله الله الجنة”(أخرجه أبوداود وأحمد).

وأوصى الإسلام برعاية الأنثى، سواء كانت ابنة أو زوجة أو أم أو حتى أمة، بل وأكد على رعاية حقوقها حتى في حال العبودية، ففي حديث الثلاثة الذين يؤتيهم الله أجرهم مرتين ذكر صلى الله عليه وسلم: “الرجل تكون له الأمة، فيعلمها فيحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن أدبها، ثم يعتقها فيتزوجها، فله أجران”(رواه البخاري). كرمها بنتا، وأعلى مكانتها، إذ حث على تربيتها وتعليمها، وجعل لتربية البنات أجرا عظيما، ومن ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ”(رواه مسلم). وروى ابن ماجه عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاثُ بَنَاتٍ، فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”(رواه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه). وقوله: “من جِدَته” أي من غنا.

وبالجملة؛ فالإسلام رفع من شأن المرأة، وأعلى من مكانتها وسوى بينها وبين الرجل في أكثر الأحكام، فهي مأمورة مثله بالإيمان والطاعة، ومساوية له في جزاء الآخرة، ولها حق التعبير، تنصح وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الله، ولها حق التملك، تبيع وتشتري، وترث، وتتصدق وتهب، ولا يجوز لأحد أن يأخذ مالها بغير رضاها، ولها حق الحياة الكريمة، لا يُعتدى عليها، ولا تُظلم. ولها حق التعليم، بل يجب أن تتعلم ما تحتاجه في دينها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد