للحب أسرار لا يصل إليها إلا من أحب بصدق، وبداية الحب رسالة تتلقاها روح أو يستقبلها قلب فتبدأ أنوار الحب تضيء الحياة بأكملها، والغميصاء كانت واحدة ممن تلقت روحها رسالة من ربها عز وجل فآمنت به وانخلعت من حياتها السابقة التي كانت أشبه بممات في صورة حياة، فأحبت ربها حبًا شديدًا، لكن للأسف الظروف كانت لا تسمح أن تظهر دينها الجديد لأن زوجها لا يزال على ملة الكفر، لذا فهي كانت تحاول أن تكتم إيمانها وللأسف كان ذلك مستحيلًا، وبمرور الوقت عرف زوجها فغضب غضبًا شديدًا وأصر عليها أن تعود فتحيا بالكفر حياة الأموات مرة أخرى، كان يظن أن حقوقه باعتباره زوجًا تقتضي طاعة زوجته له حتى وإن كان في أمر كهذا، لم يكن يعلم ما تكنه زوجته من حب لله وإيمان به، لم يكن يعلم أن تمسكها بدينها سيغلب صوته المرتفع ولهجته الحادة.

رفضت وأبت رغم مستقبل غامض تنتظره إن أصرت على ما هي عليه حتى وإن كان هو الحق! ربما يطلقها ويطردها من بيته، ربما يمنعها من ابنها أنس الذي لا تقوى على الحياة بدونه، ربما يتهمها البعض بأنها السبب في أي مرض أو أذى يلحق بزوجها، ربما وربما تساؤلات كثيرة ومخاوف متعددة وبين أن ترضخ لرغبة زوجها وبين أن تثبت قرار حاسم ربما لن تقوى عليه أي امرأة، لكن لحسن الحظ كان في قلبها من حب الله والثقة به ما منحها القوة لتصمد أمام موجات زوجها العاتية، فلما يئس منها وعلم أن عودتها للكفر مرة أخرى ستأخذ وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا خرج من بيته يملأ الغضب أركانه فلقيه عدو فقتله، فسرى الخبر أسرع من الريح للغميصاء فبكت، نعم بكت عليه وهو كافر لكنه زوجها وأبو طفلها، بكت نعم وهو كافر لأنها كانت ترجو إيمانه يومًا، كانت ترجو أن يرضخ هو أمام صمودها فتحيا هي وهو وابنهما في ظل دين جديد يجدد فيهم إنسانيتهم ويعيدهم للحياة مرة أخرى.

وبهذا أصبحت هي مؤخرًا أرملة في وجه الحياة بمفردها مع ابنها الطفل الذي يناهز عمره العشر سنوات، ومع الوقت استحالت المحنة منحة وإذا بموت زوجها يفتح الله عليها بابًا عظيمًا من حبه ورسوله سيطر على حياتها فمحا أي أثر للبؤس في تلك الحياة، ويومًا بعد يوم بدأ حب الله ورسوله يتعاظم في قلبها حتى فاض منه وكعادة المحب لا يستطيع أن يكتم حبه، بل هو دومًا يريد أن يعلنه للناس جميعًا.

من هذا المبدأ شرعت الغميصاء في غرس بذور حبها في قلب ابنها الصغير أنس الذي ستأخذ حياته لاحقًا مسارًا مختلفًا بسبب كلمات أمه تلك، أنا أعلم أنها كانت بكل تأكيد مختلفة، مؤكد أنها كانت تخرج من قلبها حارة لتستقر في قلبه، فحبها عظيم جدًا لرب خلقها ورزقها وهداها لصراط مستقيم، وكذلك كان حبها لنبي أخرجها من ظلمات الشرك لأنوار التوحيد، فنما أنس وذلك الحب معه حتى إنه اشتاق لرؤية النبي الذي تفصل الصحراء بينهما مسافة ستة أميال تقضي في عشرين يومًا وليلة.

ورغم بعد المسافة ورغم الطفل الصغير ابن العشر سنوات رغم كل هذا إلا إنه كان يريد أن يذهب لمكة ليرى من أحبه كثيرًا أو بالأحرى من غرست أمه حبه فيه، وللأسف الشديد لم يأذن الله بذلك ولم يقدر ذهابه هناك، فبقي الولد وأمه في المدينة على أحر من الجمر يريدان رؤية النبي محمد صلي الله عليه وسلم.

ثم تمر الأيام وتنقضي الشهور ليأتي أفضل خبر كان ينتظره قلب الفتى وأمه، فالطريق بين مكة والمدينة الآن يحمل محمدًا وصاحبه وهما على وشك الوصول في أي لحظة فدعوا الله أن لا تميتهما الفرحة حتى يريا الرسول، وبدأ أنس وأصحابه الأطفال يخرجون كل غداة لنواصي الطرق يتنبؤون بمقدم المهاجرين ويشيعون الأخبار الكاذبة أن المهاجرين وصلا أرض يثرب، أطفال نعم لكنهم كانوا يشيعون قضية تهز أركان المجتمع المدني، فقديمًا كان الوعي بأمور كهذه لا فرق بين صغير وكبير فيها، فالصغار حتى وإن كان عقلهم لا يستوعب أمورًا كهذه فالكبار يبسطونها قدر الممكن لتستقر بعقولهم وإن أبت عقولهم فالقلوب لن تأبى!

والأخبار الكاذبة تلك صدق منها خبر، وبالفعل بدا خيال المهاجرين بعيدًا وظل يقترب رويدًا رويدًا إلى أن تحققا منه فعلت صيحات الأطفال بين طرق المدينة يعلنون الخبر الأعظم والأهم ربما في تاريخ المدينة ثم انتفضت المدينة وتأهبت لاستقبال المهاجرين، فالرجال خرجوا على ناصية الطريق والنساء والفتيات المخدرات علون أسطح منازلهن كل يريد أن يشبع عينيه من صاحب الوحي – النبي الأمين – وحينما قدم النبي تخلل صفوف الرجال والصبيان وكان منهم أنس الذي انطلق كالرمح بسرعة الرياح نحو النبي ليصافحه ويعانقه فلطالما اشتاق له، وما ظنك بشوق الحبيب إلى رؤية حبيبه.

وهنا أتساءل أليس من الممكن أن يخرج الصبيان كلهم ينتظرون النبي وأنس لا يكون معهم، أليس من الممكن أن يكون كأي طفل في واقعنا المعاصر يحتل فيه الأقصى وتنزف فيه سوريا ويحارب دين الله وهو غارق في عالم آخر لا يعلم شيئًا عن أي شيء، من الممكن طبعًا لكن ما حال دون ذلك أم آمنت بقضية أولًا فصمدت أمام زوجها، ثم صمدت أمام الحياة فربت ولدها على حب الله ورسوله، أم كانت تتعايش مع واقعها كما هو فكان من أثار ذلك تربية أنس بتلك الطريقة، فأنس أولًا وأخيرًا طفل ولن يلام على أي موقف يتخذه كأي طفل في واقعنا لأن الطفل في الأغلب يوجه وحيثما يشار إليه يذهب.

إننا إذا كنا نريد نصرًا وتمكينًا فلا بد أن نعيد تربية الأولاد بطريقة مختلفة تتناسب مع ما نريد ونطمح.

وحينما وفد الرسول صلي الله عليه وسلم لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وأتحفه بهدية إلا أم أنس -الغميصاء – لم تجد ما تهديه للنبي، فهي امرأة أرملة وتعول طفلًا صغيرًا، فرجعت إلي بيتها والحزن يقطعها، أبعد كل هذا الشوق لا تجد ما تهديه للنبي ألا تبًا وسحقًا وبعدًا للفقر الذي يخذل الفقراء.

ثم تمر الأيام والغميصاء لا تزال في حالتها تلك تبحث يمينًا ويسارًا تقلب في الأغراض وتبحث في المتاع علها تجد ما يصلح هديةً للنبي لكن للأسف الشديد كل المحاولات باءت بالفشل وظهرت النتيجة النهائية أن لا شيء يصلح.

وأمام رغبتها الشديدة في إتحاف النبي بهدية وبين حالة الفقر الذي تعاني منه كان لا بد – وقد أصرت – أن تستغني عن شيء من ضروريات حياتها فأخذت أنسًا بين يديها إلى أن دخلت على النبي محمد وقالت والحب والألم يملآن قلبها (يارسول الله هذا ابني أنس خذه فليخدمك ما شئت) ثم رجعت وفرحتها بالهدية عظيمة وحزنها لفراق ابنها أعظم، لكن تلك قوانين الحب، فمن يحب لا بد أن يعطي، ومن يحب لا بد أن يضحي.

ثم يبقي أنس مع النبي ليخدمه سنوات عديدة ينهل فيها من فيض عمله وبحر أدبه ليكون أنسًا الذي نعرفه اليوم، لكن ما كان يكون أنس هذا دون الغميصاء وتربيتها وتضحيتها، دون الغميصاء التي صدقت ما عاهدت الله عليه فصدقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أراء, تربية, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد