روعة الحكي وجمال المحكي

يضرب الفن القصصي بجذور عميقة في الثقافة الإنسانية، فقبل اختراع الكتابة أمضى الإنسان الأول في كهفه البدائي شطرًا من الليل مصورًا بالرسم ما عالجه في نهاره من أحداث متشابكة ووقائع متداخلة، ثم ارتقى الإنسان واهتدى إلى الكتابة، فارتقت أدوات الحكي والقص، فاحتل القص مساحة واسعة من التراث الإنساني في شتى الثقافات، ولعل جزءًا من استمتاعنا بالقص يعود إلى تلك الخبرة السحيقة التي يختزنها وعينا الإنساني البعيد.

ولعل اهتمام الإنسان بالقص الفني يرجع -فيما يرجع- إلى أن القص الراقي يتيح لقارئه قدرًا عظيمًا من المتعة الفنية، إذ يطوف بنا في بيئات شتى وأصقاع متباينة، مداعبًا الخيال، موسعًا المدارك والآفاق والمشاعر، على أن جمال القص ومتعته تتضاعف بما يُضمِّنه القاص من قضايا إنسانية، وتزداد تلك المتعة باتساع رؤية الفنان وانطلاقها إلى آفاق رحيبة تشمل الناس أجمعين.

ومن هنا جاءت الميزة الأساسية في مجموعة (كرسي هزاز) القصصية للكاتبة الشابة هدى عبد المحسن، لقد أخلصت الكاتبة لقضية محددة، وناقشتها من جوانب شتى، إذ احتلت جدلية الرجل والمرأة المساحة الأبرز في هذه المجموعة.

قضايا إنسانية ونسوية شائكة

فعلى مدار القصص السبع عشرة التي احتوتها المجموعة القصصية احتلت قضايا المرأة وجدلها مع الرجل موقعها المتميز في ثلاث عشرة قصة، في حين احتوت بقية القصص الأربع على قضايا إنسانية عامة، وإن لم تكن شديدة البعد عن قضايا المرأة كذلك، وقد تنوعت أبعاد الجدل ومستوياته بين المرأة والرجل، إذ تناولت المجموعة عددًا من المشكلات التي ترى الكاتبة أن الرجل هو المتسبب الأول فيها، وهي مشكلات نسوية واقتصادية وجنسية، يجمع بينها كلها طابع القهر والاستبداد والتسلط.

احتلت القضايا النسوية المساحة الأبرز في هذه المجموعة، وعكست قصة (سقط متاع) قضية التمركز حول الأنثى، فقد سيطرت على (أسماء) البطلة رغبة ملحة في حذف اسم أبيها من شهادة ميلادها، لأن كل ما يهمها ألا يلحق اسمه اسمها، وألا يذيل اسمها باسم تلك العائلة، يشعر القارئ أن ثمة شيئًا بين سطور القصةلم تبح به الكاتبة، فلماذا ترغب (أسماء) في حذف اسم أبيها وعائلته؟ ربما كان السبب سلوكًا مشينًا، أو ربما كان ظلمًا شديدًا وقع عليها، على أن نهاية القصة تشير بجلاء إلى قضية التمركز حول المرأة، بقولها:

«يحكى أنه بعد قرون وقرون في عصر ما بعد الرجل، أصبح الأبناء يحملون أسماء أمهاتهم وجداتهم لأمهاتهم».

وقد اهتمت المجموعة بجسد المرأة وحريتها في التصرف فيه كما تشاء من وجهة نظرها، لا من وجهة نظر الآخرين، وقد انعكست هذه الرؤية في قصة (وجه سافر) وقصة (فكرة سخيفة في رأسها)، فقد أثارت الكاتبة في قصة (وجه سافر) قضية السفور والحجاب بين جمال الوجه وتشوهه من ناحية وبين الرغبة الشخصية والرغبة العامة من ناحية أخرى، منتصرة للحرية الشخصية لبطلتها، كما أثارت في قصة (فكرة سخيفة في رأسها) رؤية (عالية) ذات القامة الطويلة المديدة لجسدها، وحريتها في ارتداء ما تشاء من الأحذية التي تشعرها بأنوثتها غير عابئة بموقف الآخرين من جسدها وقوامها.

وقد عكست قصة (ظل حائط) قضية النسوية من زاوية أخرى، وهي مدى فاعلية الرجل في حياة المرأة، خاصة عندما تفتقد الابنةُ دور الأب في أوقات تشتد فيها حاجة المرأة لوجود ظل الرجل، وتساءلت:

«أين الأب؟ أين الأب؟ والخواء والفراغ في الغرفة المعتمة يبحثان عن إجابة سؤلها، فيردها الخرس.»

وقد جاءت المعاناة الاقتصادية في المرتبة الثانية المشكلات التي تعاني منها المرأة، فبطلة قصة (كرسي هزاز)، تستجدي العطاء وتلح في السؤال حتى تحصل على (كرسي هزاز)، حتى إذا حصلت عليه لم تستمتع به كما دار في خلدها وهمت بتحطيمه.

وفى قصة (أم الهنا) تجابهنا طفلة خادمة تعمل لقاء لقيمات يقمن صلبها، وعانت بطلة (اللوحة) من بخل زوجها ولؤمه وعنفه وبطشه، وعانت بطلة (خرقة في مكب النفايات) من البخل والشح كذلك، إضافة إلى معاناتها من الإهمال والتهاون والتقصير في حقها.

واحتلت المشكلات الجنسية مساحة لا بأس في المجموعة، فعالجتها الكاتبة في قصتين هما (حقوق مؤداة) و(إبرة وفتلة)، ففي قصة (حقوق مؤداة) تعاني بطلة القصة من الاغتصاب النفسي باسم الدين من قبل الزوج، ذلك الذي خوفّها لعنات الملائكة إذا تمنعت عليه، وفى المقابل عالجت المجموعة مسألة الحرمان الجنسي في قصة (إبرة وفتلة) وإن كانت القصة الوحيدة التي انتهت نهاية حسنة تبعث الأمل في العمل كله تقريبًا.

وقد أحاطت الكاتبة كل تلك المشكلات السابقة بإطار صفيق من العنف والقسوة والتجاهل والإهمال من جانب الرجل، وقد برز ذلك على نحو واضح في قصة (سيدة الشارع)، التي جسدت كثيرًا من ظلم الرجل للمرأة كما ترى الكاتبة، وهو ما تكرر في قصة (إخفاق) عندما جسد الأب معاني التسلط والقهر تجاه ابنته التي تحلم أن تصبح كاتبة مشهورة.

ومن الطريف أن التصدي للنوازع الخيرة والإنسانية في أغلب قصص المجموعة يأتي على يد الرجل، فقد منع الأب ابنته في قصة (عندما) من مساعدة الفقراء والمتسولين، مثلما تجاهل الزوج الفكرة ذاتها عندما تزوجت البطلة وحاولت مساعدة المشردين، كأن الرجل قد نصب نفسه في المجموعة حجر عثرة في سبيل أي ارتقاء للمرأة أو تفكير في المساعدة، على أن المجموعة لم تغفل الإشارة إلى دور المرأة في حراسة البوابة الذكورية –كما يقول علماء الأنثروبولجيا- عندما لعبت الدور الأكبر في إخضاع المرأة لسيطرة الرجل، وتمثل ذلك في دور الأم في قصة (سيدة الشارع)، و(أم الهنا).

فى حين أسندت الكاتبة الحلول الناجعة في معالجة الشخصيات إلى المرأة، كما فعلت الطبيبة النفسية مع (عالية)، وكما فعلت البطلة في قصة (إبرة وفتلة)، وهو ما يشير إلى رؤية المجموعة تجاه مشكلات الواقع وأن المرأة ينبغي أن تكون الفاعل الرئيسي في حلها ومواجهتها.

جماليات السرد

وقد أسهمت جماليات السرد في إظهار اهتمام الكاتبة بقضايا المرأة ومعاناتها، إذ احتلت المرأة موقع السارد والبطل في خمس عشرة قصة، وهي مساحة كبيرة، يكاد يتضاءل فيها دور الرجل تضاؤلًا تامًا، حتى لقد غابت الشخصيات النسائية عن إحداهما غيابًا شبه تامٍ في قصة من القصتين اللتين احتل الرجل فيهما موضع البطل السارد ، وبرز ظل شاحب لشخصية نسائية في القصة الأخرى، كأن الكاتبة في حالة قطيعة مع الرجال.

وتشترك الشخصيات النسوية في هذه القصص في مجموعة من السمات العامة، فكلها تقريبًا تعاني من قهر الرجل وعدوانه وتسلطه، ومحاولة التملص من سيطرته الجائرة الظالمة، وتشتبك مع شخصية الرجل في صراعات عنيفة، تحاول فيها استرداد جزء من حريتها السلبية من وجهة نظر الكاتبة، بل إن بعض شخصيات المجموعة تسعى إلى أن ترد الصاع صاعين بالانتقام المباشر حينًا وغير المباشر حينًا.

وقد تعددت سبل انتقام المرأة وتملصها من مشكلات الواقع، فوجدنا التفكير في تحطيم الكرسي الهزاز الذي كان في الحقيقة معادلًا موضوعيًا للزوج البخيل الذي كانت الزوجة تستجديه العطاء والاهتمام. ووصل الانتقام إلى ذروته في قصة (حقوق مؤداة)، إذ استعملت البطلة أنوثتها في النيل من الزوج الكريه، فأغرته بمضاجعتها وهو لم يستعد بعد صحته إثر عملية القلب المفتوح، وهو ما ترتب عنه موت الزوج بذبحة صدرية، مرورًا بانتقام (أم الهنا) من صاحبة البيت عندما سرقت طاولة الشاي الذهبية ذات العجلات الضخمة التي تفخر بها سيدتها أمام ضيوفها.

جدلية الرجل والمرأة

تبدو صورة الرجل في مجموعة (كرسي هزاز) صورة قاتمة، تُظهر الرجل في صورة المغتصب القاسي، شديد العنف، ضئيل الاهتمام، نفعي في المقام الأول، لا يكترث إلا لذاته وشهواته. وهي صورة نمطية متكررة في كثير من الأعمال السردية النسوية، لا تكاد تقدم جديدًا في هذا الباب، إذ تعتمد المخرون الثقافى المتراكم منطلقًا لها، وكان الأجدر أن تحتوي صورة الرجل على أكثر من جانب، حتى تبدو الصورة إنسانية واقعية أكثر منها صورة نمطية.

وربما كان أحد الأسباب التي تسببت في هذه الصورة النمطية أن أغلب الشخصيات في العمل تكاد تكون أصواتًا بالمصطلح السردي، إذ جاءت أغلب الشخصيات دون أسماء، أو صورة جسدية واضحة المعالم، كما غلب على السرد ضمير المتكلم السارد، وبالتالى غاب صوت الراوي العليم الذي يمكن أن يضيف للشخصيات أبعادًا كلية، بخلاف المتكلم المصاحب الذي غالبًا لا يتطرق إلا لما تقع عليه عينه من أحداث، ولعل أدوات الكاتبة الفنية تتطور فيما تستقبله من إبداع في رسم الشخصيات بعامة والذكورية منها على وجه الخصوص، خاصة أن هذه هي المحاولة الأولى لها في عالم النشر.

ومما يحمد للكاتبة تلك اللغة السردية الآسرة التي غلفت بها مجموعتها القصصية، وتلك الصور الشاعرية التي نثرتها بعناية في خضم قصص المجموعة، وهو ما يدل على نفس مرهف، وتمكن من الأدوات الفنية اللازمة لهذا الفن الدقيق فن القصة القصيرة، وكلنا شغف أن نقرأ للكاتبة أعمالًا فنية أخرى تمتع بها وجداننا الفني، وتثري بها أدبنا العربي الحديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد