كان للمرأة دورٌ هام لا يمكن إغفاله في كل الأحداث التي مرَّ بها العالم على المدى البعيد والقريب. منذ خلق حواء إلى يومنا هذا, تقوم على نهضة الأمم تارة وتساعد في تدميرها تارة أخرى, تطالب بالنهضة والحرية, وتساند الثورات وتعمل على إنجاحها من جانب, ومن جانب آخر تساند الحكم الاستبدادي والقمع والانحدار.

 

بين نيل المرأة لحقوقها وحرياتها والاستبداد السياسي علاقة نسبية مترابطة؛ فالحكومة التي تؤسس على السلطة الاستبدادية لا ينتظر منها أن تعمل على إكساب المرأة حقوقها وحريتها. فالاستعباد السياسي الذي عاشت فيه الأمة المصرية كان له كبير الأثر في الانحطاط العام في جميع مظاهر الحياة, انحطاط في العقول, وانحطاط في الأخلاق, ومازالت تهبط من درجة إلى أسفل منها حتى انتهى بها الحال إلى أن تكون جسمًا ضعيفًا عليلًا ساكنًا لا يقدر أن يقف أمام ظواهر العنف ضد المرأة أو غيرها من الظواهر.

 

فالحكومات المستبدة لا يسودها الخير والعدل, ويحجر فيها على العقل وحرية الإرادة والفكر, وحرية اللسان والقلم, ويغلب فيها الباطل على الحق, والظلم على العدل, والجهل على العلم, والرق على الحرية. إذ لا رادع فيها ولا وازع, ولا معارض ولا منازع, وفي ظل هذا النظام تقبع المرأة في قاع السلم الاجتماعي وتتحمل كافة أنواع الاستبداد.

 

وكما كان التاريخ النسائي دائمًا مليئًا بالمكائد والمؤامرات, كان مليئًا بالتناقضات أيضًا. فنجد نبوية موسى إحدى المجاهدات في حقل حقوق المرأة والتعليم والاستقلال الوطني تمدح في الحكم الديكتاتوري معتبرة أنه أفضل للبلاد والعباد فتقول:

 

“إن الحكومات الدستورية في البلاد العريقة في أصول الدستور قد تفيد البلاد كثيرًا لأن أعضاء البرلمان يعرفون كيف يقفون حائلًا بين الوزراء وشهواتهم الحزبية, أما في البلاد كمصر التي لم يسبق لها عهد بالدستور فإن الحكم الدكتاتوري خير لها من الحكم النيابي خصوصًا إذا كان الديكتاتور لا ينتمي إلى حزب من الأحزاب”.

 

بالطبع قد تكون تلك الكلمات مألوفة للبعض منا نسمعها كثيرًا تلك الأيام, لكن ما لا نسمعه كثيرًا أن الرقي والأخلاق في الحكومات المستبدة الغاشمة المستعبدة لشعوبها أقل منه في الحكومات الحرة العاقلة, فكان يقال إنما العاجز من لا يستبد!

 

أصبحنا اليوم والكل يخجل بأن يوصم بالاستبداد, لأنه ينافي العدل والمروءة, ينافي العقل والمصلحة والأدب, يهم فقط الحكومات المستبدة الغاشمة أن يجهل الشعب, وتسلب قواه, تريد من ذلك أن تستقوي من ضعفه, وتستغني من فقره, فكيف يمكن لحكومة مستبدة أن تلتفت لحقوق ومطالب هي في الأساس ضد وجودها؟!

 

كثيرون هم من حاولوا البحث والتنقيب في تلك العلاقة القديمة الحديثة, كانت منهم الكاتبة الفرنسية ديان دوكريه التي تحاول إلقاء الضوء في كتابها الصادر حديثًا عن دار «بيرّان» بالفرنسية Femmes de dictateur، أو «نساء الديكتاتور» على علاقة النساء بالحكام المستبدين الذين حكموا بقبضةٍ من حديد، فكانوا أصحاب السلطة المطلقة. كتبوا التاريخ الحديث بأيديهم الدامية، فقرّروا مصائر الشعوب واستبدّوا بالأوطان. أبادوا الملايين من البشر من دون أن يرّف لهم جفن.

 

أمّا هذا كلّه فلم يكن سوى إرضاءٍ لنزعاتهم السلطوية وإشباعٍ للذّة الهيمنة التي تعتريهم. هؤلاء هم الطغاة أو الديكتاتوريون. هم الذين يُملون الأوامر ولا يتلقونها أبدًا, ليست الديكتاتورية الصفة الوحيدة التي تجمع أبطال هذا الكتاب، بل إنّ «حبّ التأثير والإغواء» هو أيضًا الصفة المشتركة فيما بينهم.

 

والأكيد أنّ شخصياتهم القيادية وتعابيرهم الجديّة والطلّة العسكرية وحسّ الخطابة والكاريزما التي يمتلكونها هي كلّها سمات إذا ما اجتمعت في رجل واحد جعلت منه حلم النساء ومحطّ إعجابهن. وهذا ما حصل مع قادة القرن العشرين الذين أصبحوا رمز الرجولة في زمانهم. والكتاب هذا يُعزّز صورة الديكتاتور – الدون جوان الذي ترغب المرأة به وتستعدّ أن تتحمّل الأعباء الثقيلة مقابل الارتباط بصاحب «السلطة المطلقة».

 

وعلى عكس ما يظهر من حب متبادل بين الديكتاتور والنساء، كانت تسير العلاقة؛ فلم يتوقفوا على عدم تحقق مطالبها بل اضطهدوا النساء وسلبوهن حريتهن, فلم تتخطَّ أن تكون موضعًا لشهوة الرجال, وواسطة من وسائط مسرته. تحدث عدد كبير من المفكرين عن الدور الذي يلعبه الاستبداد السياسي بتدهور المرأة في المجتمع أمثال قاسم أمين الذي قال: “إن هذه الحالة التي عليها المرأة هي من توابع الاستبداد السياسي الذي يخضعنا, ونخضع له, في كل مكان حط الرجل من منزلة المرأة وعاملها معاملة الرقيق, وحط من نفسه وأفقدها وجود الحرية, وبالعكس في البلاد التي تتمتع النساء بحريتهن الشخصية, يتمتع الرجال بحريتهم السياسية, فالحالتان مرتبطتان ارتباطًا كليًا”.

 

بينيتو موسوليني كان يتلقى ما يزيد عن 35000 رسالة حب شهريًا وهتلر تفوّق في عدد المعجبات به على نجوم الغناء والسينما في عصره. أمّا الديكتاتور الصيني ماو فكان أكثرهم حبًّا للنساء وأجرأهم في الانتقال من علاقة إلى أخرى، بينما لينين كان الأقل اهتمامًا, وستالين الرجل الأكثر جاذبية في عيون النساء على رغم هيئته القاسية ووجهه القبيح, لكن لم يشفع للنساء حبهن وذوبانهن في عيون المستبدين, أو حتى (حملهن بنجومهم الساطعة), لكن على العكس مثل كل قصة حب بينهم تنتهي بالفشل.. موسوليني قال بأن “النساء مثل البلاد خلقت لتغتصب” فلم تتوقف شعبيته النسائية ولكن زادت, أو هتلر الذي تسببت مغامراته الحربية في النهاية باغتصاب أكثر من نصف مليون ألمانية وقتل الملايين على أيدي جنود الجيش الأحمر والأمريكي.

 

ويبقى السؤال الصغير الكبير متى تعلم النساء بأن التضحيات التي يُقَدِّمْنَها في سبيل إرضاء المستبدين هي ما تضعهن في تلك المكانة المهينة دون حقوق أو حرية؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد