في الأيام القليلة الماضية تغيرت فتوى هيئة كبار العلماء بالسعودية بحق قيادة المرأة للسيارة بعد القرار الملكي الذي سمح باستخراج رخص القيادة للمرأة، فانقسم الناس على علماء المملكة الذين كانوا يقولون بالأمس بحرمة قيادة المرأة للسيارة.

وفي هذا المقال نتساءل هل تغير الفتوى (بعد صدور القرار) مراجعة فكرية، أم فتوى سياسية؟!

رجعت إلى الفتوى الأولى فوجدت أن الداعي إلى القول بالحرمة مجموعة من الأمور الظنية منها الاختلاط والسفور! مما يمكن تجنبه أو يقع للحاجة والضرورة. ثم جاءت الفتوى الثانية بالإباحة مبررة ذلك بأنها تلبي مصلحة الشعب! الأمر الذي يدعونا إلى تحليل هذه المصلحة حال الفتوى الأولى والفتوى الثانية.

إنها نفس الظروف، ونفس المعاناة التي كانت تعانيها الأسرة أو المرأة خصوصًا في حال تحريم القيادة، لم يتغير شيء، الأمر الذي وضع هيئة كبار العلماء في مأزق أمام الرأي العام، وسبب هذا المأزق فيما أرى عدم توضيحهم أسباب نسخ الفتوى الأولى.

كان على هيئة كبار العلماء أن تقول أن الفتوى الأولى وهي التحريم مبنية على ظروف قد تتغير هذه الظروف فتتغير الفتوى؛ إذ إن ما حرم سدًا للذرائع يباح للمصحلة الراجحة وممن قال بهذه القاعدة وأكثر الكلام فيها الإمامان ابن القيم وأستاذه ابن تيمة رحمهما الله. قال ابن القيم : «ما حُرِّم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال، حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة». «إعلام الموقعين» (2 / 161). فإذا كان التحريم في الفتوى الأولى سدًا للذرائع وليس تحريم قيادة المرأة للسيارة محرمًا لذاته ولا شك في ذلك فمن المحتمل في أي وقت أن تتغير الفتوى إذا كان هناك حاجة في ذلك.

لقد كان من العجيب أكثر أن يقول الدكتور فهد الماجد على مداخلته في قناة العربية بتاريخ 7 محرم 1439هـ 27 سبتمبر 2017م بأن هيئة كبار العلماء ليس لها فتوى (بهيئتها العامة) تحرم القيادة على المرأة. وأن الأمر مبني على المصالح والمفاسد وأن الفتاوى الفردية للعلماء مبنية على هذه المصالح والمفاسد. والأمر الأخير صحيح لكن القول وهو أن هيئة كبار العلماء ليس لها فتوى خاصة بالتحريم أمر يحتاج إلى تحقيق؛ إذ إن اللجنة الدائمة للإفتاء وهي لجنة من اللجان التي تفرعت عن هيئة كبار العلماء وفتواهم من أشهر الفتاوى في تاريخ الفقه الإسلامي المعاصر ولا تزال الفتوى موجودة على الموقع الرسمي للجنة إلى اليوم!

ومما تجدر الإشارة إليه الآن أن الخطأ كان في الفتوى الأولى، والدليل على ذلك أن الظروف في المملكة لم تتغير فيما يخص قيادة المرأة التي حرمت أولًا فهي ذات الظروف ومخافة الاختلاط والسفور وغير ذلك من مبررات الفتوى الأولى.

كما يبدو من تتابع الأحداث أن القرار الملكي لم يأت بعد فتوى تبيح بل جاء رغم فتوى التحريم، وهذا يستدعي التفكير في المرحلة القادمة على السعودية، هل قضايا المرأة بداية منظومة إصلاحية فكرية ستكون بداية لانسلاخ النظام السعودي عن الفكر السلفي أو الوهابي على حد تعبير البعض؟ خاصة وأن القرار لم يأت فيه أن هذا جاء بعد استشارة شرعية.

لقد بدأت الدعوة أخيرًا إلى قيادة المرأة للسيارة عام 2016 بتصريحات الملياردير السعودي الأمير «الوليد بن طلال»، التي وجه فيها نداء ملحا من أجل السماح للنساء بقيادة السيارات في السعودية، الدولة الوحيدة في العالم التي تحظر قيادة المرأة. وكان قد كتب في حسابه على موقع «تويتر»: (كفى نقاش: حان وقت قيادة المرأة للسيارة).

لقد بدا بعد القرار الملكي وموقف هيئة كبار العلماء تخوف كبير لدى التيار السلفي في المنطقة، فمنهم من يقول إن ما يحدث في المملكة بداية لانحلال أخلاقي يبدأ من المرأة، بينما يرى آخرون أن هذه الخطوة بداية مراجعات فكرية ومعايشة لواقع الأسر السعودية التي تعاني من الفتوى الأولى.

وبين هذا وذاك نقول: لا يلزم أن تكون فتوى هيئة كبار العلماء بداية انتكاسة فكرية كما يظن البعض، بل الفتوى الثانية تصحيح لخطأ الأولى أو على الأقل بداية معايشة للواقع بشكل أوسع، رغم أن الظروف تستدعي التخوف، فالعهد الجديد الذي تتلمسه السعودية لا يزال في بداية ميلاد هلاله وليس هناك إلى الآن ما يجعلنا نقول إنها ستظل محافظة على ثقافتها الأخلاقية أو ما يجعلنا نقول إنها بدأت تتحول ثقافيًا بشكل منحرف بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة اعتمادًا على من يقول بأن الحضارة التي تنشدها ينبغي أن لا يتم معها اعتبار للثقافة.

إن قضايا المرأة دائمًا تكون المفتاح للولوج إلى الثقافات، وهي من أولى اهتمامات المراكز البحثية الغربية، ولذا كان التخوف الملحظ على السعودية من الكثيرين اليوم. ولا أظن أن ذلك سيظهر إلا بعد مجموعة من الفتاوى سيتضح حينها إذا كانت المملكة تنحدر ثقافية نحو الثقافة والأخلاقيات الغربية، أم ما يحدث مجرد تصحيح ثقافي للفتاوى التي لا تتعايش مع الواقع مما يتغير بتغير الزمان والمكان.

وما زال الانتظار سيد الموقف، دمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد