هل كان المجتمع العربي صفريًا قبل الإسلام

الحقيقة أن الإسلام لم يأت في مجتمع صفري ليس به من القيم والأخلاق والسلوكيات السليمة، إنما جاء في مجتمع حي، وبه قيم حضارية وأخلاقية معقولة، بالمقارنة مع ما كان سائدًا وقتها في حواضر الفرس والروم، أو حتى حواضر الغساسنة في الشام والحيرة في العراق، باستثناء المرأة المصرية. ولكي نفهم مدى تأثير ظهور الإسلام ومدى الفرق الذي أحدثه في تاريخ العالم عامةً، وتاريخ الجزيرة العربية خاصةً، كان لابد من دراسة تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، التاريخ الاجتماعى بالتحديد. ولعل أهم عناصر ذلك التاريخ هو عنصر المرأة، والأمر تم تناوله بين إفراط، وتفريط شديد. والحق إن عصر ما قبل الإسلام يعتبر من أكثر العصور التاريخية تعرضًا للظلم؛ بفعل التنميط والطرح للنماذج والأحكام الجاهزة والصور الذهنية المسبقة. التاريخ ببساطة غير مُطالَب إطلاقًا بمجاملة أحد.. فهناك من يقتطع من التاريخ ما يلائم فكرته ورؤيته، ويقوم بتكثيفه وتضخيمه وتعميمه ليصبح هو كل التاريخ، بينما يتعامى عن باقي الصورة الكاملة.

الصور النمطية

لعل أول الصور النمطية عن تعامل المجتمع العربي مع المرأة هي قضية وأد البنات، وعدم البشرى بولادة الأنثى، وهما ما عبر عنهما القرآن الكريم في غير موضع، لكن الحقيقة أنها كانت ظاهرة فردية لا ترقى لدرجة الحالة العامة، وكان السبب اقتصاديًا بحتًا، وكان مشهور بتلك العادة الذميمة قبائل ربيعة، تميم، كندة. وقد كان يستعمله واحد ويتركه عشرة. وهناك قضية حقها في الميراث، وقضايا الزواج، فالأدق أنه لم يكن لها حق ثابت ومحدد فيه بشكل قاطع. ولم يعدم وجود حق المرأة في اختيار زوجها والعودة إلى أهلها؛ إذا أساء لها، بل حق العصمة، فيروى عن سلمة بنت عمرو أنها كانت لا تتزوج الرجال إلا وأمرها بيدها، لكن تلك الحقوق كان أداؤها مرتبطًا بوضع المرأة الاجتماعي وحسبها ونسبها. ولم يكن مرتبطًا باعتباره حقًا من حقوق الله كما جاء الإسلام بعد ذلك، ولم يُعدم كذلك وجود دور نسوي عظيم بداخل المجتمع العربي، وهو ما نراه جليًا في بعض النماذج والإشارات التالية:

بعض النساء صرن مضربًا للأمثال، مثل : عطر منشم ، شؤم البسوس. تكنى الرجال بأسماء بناتهم، فالنابغة الذبياني كان يُكنى بأبي يمامة.

الكهانة والعرافة: طريفة التي ينسبون إليها التنبؤ بسيل العرم، عفيراء الحميرية.

في الحكم والسياسة: بلقيس ملكة سبأ، زنوبيا ملكة تدمر.

في الطب: رفيدة الأنصارية، زينب طبيبة بني عواد.

في الشعر: الخنساء، ليلى العفيفة، خانق بنت بدر.

في الخطابة: الزرقاء هند بنت الخس، جمعة بنت حابس.

الاقتصاد : خديجة بنت خويلد زوج النبى محمد في التجارة، بجانب حرفة الغزل اليدوية التي كانت تمارسها كل النساء.

الحرب: رقاش الطائية، فاطمة بنت ربيعة وبنتها سلمى وضرب المثل فيها، فقيل: أمنع من أم قرفة.

أما عن الإشارات، فلن يسعفنا إلا الشعر العربي، ديوانهم، فنجد الفخر بالأم :

انا ابن خيار الحجر بيتًا ومنصبًا … وأمى ابنة الأحرار لو تعرفينها

ونجد الانتساب إلى الأم فنجد امرأ القيس يقول عن أمه تَملِكَ، التي تبيقرت أي تركت البادية وعاشت في الحضر:

ألا هل أتاها والحوادث جمة … بأن امرأ القيس بن تَملِكَ بيقرا

إلى جانب حرصهم على تكنية الزوجة باسم ابنها حبًا فيها، فنجد أوس بن حجر التميمي، يقول: ألم تعلمي أم جلاس بأننا  كرام لدى وقع السيوف الصوارم.

وبعضهم كان يعتز بزوجته أو بابنته لدرجة استشارتها في أموره، فنجد حسان بن الغدير يقول: رأيت رجالًا يكرهون بناتهم، وهن البواكي والجيوب النواصح.

فالحق أن الإسلام كجانب تشريعي وأخلاقي لم يأت في مجتمع صفري كما قلنا، وأن الدور القوي الذي لعبته المرأة بعد الإسلام – من جانب المشركين ومن جانب المسلمين – كليهما لم يكن وليد اللحظة، وناتج اليوم والليلة، بل كان جهدًا تراكميًا ضاربًا بجذوره في تاريخ المجتمع العربي. والحق أن الإسلام تعامل مع ذلك الواقع، وذلك المجتمع عامةً – تحريمًا وتعديلًا وتجديدًا – ووضع المرأة – تهذيبًا وتطهيرًا ووضعًاً لحدوده واطاره- بإجراءات عديدة و درجات مرحلية مختلفة، ولكن تلك قصة أخرى..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد