يلعب الإعلام دورًا محوريًا ومهمًا في عرض صورٍ نمطية عن العالم العربي بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص، فلا يكاد يخفى على أحد تلك الصورة السوداوية والوحشية المرسومة عنّا في ذِهن الغرب وفي ذهن من يعادون اللمحة العربية والإسلامية في العالم أجمع، فبعيدًا عن صورة الصحراء والجِمال والخيَم التي تصِف العالم العربي في عيونٍ أجنبية، فإن صورة الرجل الذي تجثو تحت قدميه امرأة أو اللوحة التي يتوسطها رجل وتحيط به أربع نساء هي الصورة التي بقيت محفورة ومطبوعة في عقلية العالم الغربي.

لم تُرسَم تلك الصورة عبثًا في العقول، ولم يتم الترويج لها من فراغ، فكما أسلفتُ سابقًا كان للإعلام رأيٌ وهدفٌ آخر وهو إظهار المرأة العربية على أنها الضعيفة المضطهدة من قِبَل تعاليم ديانتها «الإسلام» وليس من خلال المختلين عقليًا الذين يرون في تعذيب المرأة قوة لهم!

أليست هذه الأصوات التي تتنامى يومًا بعد يوم كفيلة بجعلنا نعيد التفكير لما يتم التركيز على المرأة العربية دون غيرها من الدول؟
لا ننكر أن هناك أعدادًا كبيرة من النساء يتم اضطهادهنّ في عالمنا العربيّ، ولكن إن قارنّا بالأرقام، فإن نسب اضطهاد المرأة في العالم الغربي أعلى بكثير. في السنوات الأخيرة زاد التعنيف ضد المرأة الإسبانية، فوفقًا لوزارة المساواة الإسبانية فإن 47 امرأة قُتِلنَ على أيدي أزواجهنّ خلال عام 2018، عدا عن حالات التحرش والاعتداء التي تزداد يومًا بعد يوم. فلما يتم التركيز على العالم العربي ورسم تلك الصورة السوداوية للمرأة العربية بحجابها الأسود؟

تلك الأسئلة تدفعنا للذهاب في رحلة بحثٍ في تاريخ العالم الغربي، وكيف كانت المرأة في ذلك الوقت؟ فعندما نتكلم عن حقوق المرأة يتراءى إلى ذهننا وإلى فِكر كل فتاة عربية صورة الفتاة الغربية التي تتمتع بكامل حريتها، والتي ترتدي ما يحلو لها وتعيش حياتها على أكمل وجه.. ولكن هل هذه الصورة التي رسمها لنا الإعلام حقيقيّة؟!

المرأة في الذاكرة الإسبانيّة

لنعود بالذاكرة إلى تلك الفترة العصيبة التي شهدتها إسبانيا، تحديدًا في عام 1936 عندما تولّى فرانثيسكو فرانكو رئاسة إسبانيا، تلك الفترة التي خرجت منها إسبانيا بأسوأ حالاتها بعد الحرب الأهلية الإسبانية، فكما عانت الدولة في ذلك الوقت، عانت النساء أيضًا تحت حكمه، فكانت أشهر الأفكار التي تقوم عليها ديكتاتورية فرانكو: «ينظر الولد إلى العالم وتنظر الفتاة إلى المنزل».

بتلك الكلمات لخّصَ فرانكو وظيفة كل من الرجل والمرأة، وفرض بها أنموذجًا اجتماعيًا ومعيارًا أخلاقيًا يمشي عليه الإسبان. تبعًا لصفحة «40años de dememoria» الإسبانية «فإن المرأة خُلِقت في عهد فرانكو فقط لتبعية الرجل، بعيدة كل البعد عن الحياة والعلاقات الاجتماعية، ربط المرأة دائمًا بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، والأهم من ذلك كله هو رضا الزوج».

بالإضافة إلى التشديد على النساء المعارضات وزجهنّ في السجن وحلق شعر رأسهنّ، وفصلهنّ عن أطفالهنّ خوفًا من تأثُّر الأطفال بأيدولوجية أمهاتهم، وكان يتم تعذيبهنَّ ورمي بعضهنَّ بالرصاص. كما تم منع المرأة الإسبانية من المشاركة في الحياة السياسية، وإجبارها على لبس فساتين بطول أكمامٍ محددة من دون المبالغة في قصر التنانير وخط الرقبة.
ولعبت الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت دورًا مهمًا في قمع النساء، وتضييق الخِناق على الراهبات وإجبارهنَّ على الرجوع إلى جدران الكنيسة، وكانت من أهم الداعمين لأفكار فرانكو المتطرفة ضد المرأة. فلم لم يتم اتهام الكنيسة باضطهاد المرأة ويتم الزَجّ بهذه التهمة إلى الإسلام الذي هو بريءٌ مما يدَّعون؟

تعذيب المرأة في العصور الوسطى

مثلما عانت المرأة في عهد فرانكو فإن المرأة قد عانت أيضًا في العصور الوسطى، فعلى الرغم من منعها من الكتابة والقراءة والدراسة فقد تم وضع العديد من الأساليب التأديبية «لتربية» المرأة، ومن أشهر ما تم إستخدامه هو «لجام التأديب» الذي كان يُستخدَم للمرأة الثرثارة وهو عبارة عن قفص حديدي يوضع على الرأس موصول بقطعة حديدية مغطاة بالأشواك توضع داخل الفم لِكَي تشعر المرأة بالألم كلما أرادت الكلام، بالإضافة إلى حرق المرأة التي يتم الادّعاء بأنها ساحرة أو مهرطقة أمام العامة وتتم عملية الحرق ببطء شديد ليكون الألم أعتى وأكبر.

المرأة في الهند

كانت المرأة خلال القرن 19 تقوم بحرق نفسها بعد موت زوجها، وكان يتم حرق المرأة خلال الحرب، فتُقدِّم المرأة نفسها لألسنة اللهب الحارقة قبل ذهاب زوجها إلى الحرب، ولا زالت بعض القُرى الهندية تنظر إلى المرأة نظرة الشر والحظ السيئ.

المرأة في روما

كانت المرأة تُمنع من الجلوس على طاولة العشاء لتناول الطعام ولم يكن مسموح لها التكلم أمام العامة كي لا تُزعج الرجل الذي كان يُعتبر في ذلك الوقت هو القوّة المتحكمة، فكل ما عليها هو الذهاب إلى حجرتها من دون أيِّ ازعاج، بالإضافة إلى منعها من مغادرة منزلها.

يكثر الحديث عن هذا الموضوع، بل لا يمكن حصره في مقالٍ واحد، فالتاريخ يزحم بالأساليب التي مارسها العالم ضد المرأة، فهذه التصرفات لا يمكن ربطها في دينٍ محدد كما يفعل الإعلام بربط الاضطهاد في الإسلام وفي الحجاب، بل الاضطهاد بمعناه الصحيح هو تعذيب نفسي وجسدي يصدر عن عديمي الإنسانية، فالذنب يعود على الأشخاص وعلى فهمهم الخاطئ للدين لا على الدين نفسه.

لا أُنكِر أنَّ المرأة في مجتمعاتنا العربية هي ضحية لبعض الأشخاص الذين في قلوبهم مرضٌ وضعفٌ في شخصياتهم، ولكن هذا الكلام لا يقتصر على مجتمعاتنا ولا يجب علينا كفتيات التأثُّر بكلام الإعلام، بل علينا أن نواجه من يقوم باضطهاد حقوقنا، لا بنبذ ديننا وعروبتنا، فالكثير منّا يسعى لتقليد الغرب الذي كان في وقتٍ ما يرى الفتاة سلعة تُباع وتُشترى.

علينا كفتيات أن نكون أوعى وأقوى، فكلامي إلى أخواتي العربيات وإلى الحركات النسوية هي أنّ الحرية هي حريّة الحقوق والواجبات وليس حرية اللبس الفاضح والتحرر من الأخلاق، فالمرأة كانت ولا زالت هي أساس المجتمع، لا زالت المكرّمة في ديننا الإسلامي الحنيف الذي يسعى الكثير لتشويهه، فكما يرى الإعلام الغربي أن تلك الاضطهادات هي نتاج فِعل هؤلاء المرضى فإن الأمر سيّانٌ في مجتمعاتنا، فلما يتم التعميم علينا إذًا؟
قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: «استوصُوا بالنساءِ خيرًا». وقال أيضًا: «رفقًا بالقوارير».

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد