مقدمة

تجادل به الكاتبة (Nowar All Hassan Golley) في مقالتها بعنوان (Is Feminism Relevant to Arab Women?[1]) بحيث ترد الكاتبة من خلال مقالتها على الادعاء القائل بأن الحركة النسوية في الدول العربية هي منتج غربي ولا يمت بصلة بالسياق العربي. تجادل الكاتبة أن الحركة النسوية العربية كانت نتاج لعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية حدثت في نهاية القرن التاسع عشر. وتربط الكاتبة هذه التحولات بعاملين مهمين. الأول، ارتفاع نسبة التعليم في الطبقات المتوسطة، والتحولات الاقتصادية التي نتج عنها تحولات اجتماعية. الثاني، المقاومة ضد الاستعمار الأجنبي من أجل التحرر الوطني والاستقلال.

نستطيع القول إن هذه الفرضيات السابقة هي فرضيات تقارب الواقع بشكل دقيق نوعًا ما. يمكننا الاتفاق على أن قضايا المرأة بدأت تتبلور بشكل أساسي وجوهري في نهايات القرن التاسع عشر مع التغييرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة العربية. تتلخص أهمية دراسة هذه الفترة- نهايات القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين- التي سُميت بفترة النهضة أو الحداثة العربية. بأن الكثير من المفكرين العرب تحدثوا عن قضايا المرأة ضمن خطابات الإصلاح والتغيير المجتمعي التي نادوا بها. بالتالي والأهم من ذلك أنه خلال هذه الفترة، بدأ الحديث عن قضايا المرأة بشكل أوسع بعد أن كان الحديث عن قضايا المرأة مقتصر فقط فيما يتعلق بالفقه الإسلامي.

وعليه، تحاول هذه الورقة أن تعرض وتناقش خطاب المرأة في أعمال أشهر المفكرين العرب خلال فترة النهضة العربية. تهدف هذه الورقة إلى محاولة فهم مدى جوهرية قضايا المرأة في خطاب هؤلاء المفكرين، ومناقشة ردود الأفعال على كتاباتهم. وانعكاس ذلك على خطاب قضايا المرأة في الفكر العربي المعاصر. لذلك ستركز الورقة على عرض وتحليل كتابات اثنين من المفكرين هم؛ قاسم أمين، رفاعة الطهطاوي، وذلك من خلال التركيز على أعمالهم التي تناولوا فيها قضايا المرأة.

لم يكن بوسع مثقفي النهضة العربية الذين بلوروا قيم العقلانية والإنسانية، إغفال قضايا المرأة وضرورة تحرريها من التقاليد البالية التي كانت تكبلها. وذلك ضمن نطاق اهتمامهم بإصلاح الأوضاع العامة للمجتمع. ما دامت المرأة تمثل ركنًا أساسيًا فيه. جعل البعض منهم من تحرير المرأة شرط أساسيًا من شروط تقدم المجتمعات وحداثتها[2]. تناول هؤلاء المفكرين قضايا المرأة من خلال احتكاكهم بالغرب، بحيث من خلال سفرهم للدول الغربية، انعكس ذلك على كتاباتهم عن المرأة في مجتمعاتهم العربية ضمن دعواتهم إلى الإصلاح والتجديد. وليس هذا معناه أن الحديث عن قضايا المرأة في فكر النهضة العربية كان بسبب الغرب، بل هو حقيقة تاريخية بسبب واقعية سفر بعض هؤلاء المفكرين إلى الغرب مثل قاسم أمين، ورفاعة الطهطاوي.

وهذه الورقة تتبنى الطرح القائل الذي ذكرناه سابقًا، بأن تصاعد الحديث عن قضايا المرأة في نهايات القرن التاسع عشر كان بشكل أساسي بسبب التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حصلت في المنطقة العربية. حيث إن القول بأن هؤلاء المفكرين تأثروا بالغرب، لا ينكر حقيقة أصالة الفكر النسوي العربي، بل بكل بساطة يوضح طبيعة التشابك الثقافي بين الثقافات المختلفة وتأثير بعضها على البعض الاخر بشكل إيجابي. إطلاع المفكرين العرب على أحوال الغرب قد ساهم في فتح أعين البعض منهم على حقيقة وجود مجتمعات أخرى تعامل المرأة بطريقة مختلفة، سواء من حيث التعليم أو العمل أو الاختلاط أو غيره. والعرب الذين حاولوا فهم دور الغرب، لم يكن من الصعب عليهم أن يدركوا أن أوجه الإصلاح المطلوبة في المجتمع العربي تشتمل على إصلاح أوضاع المرأة (بالإضافة إلى أمور أخرى)[3].

قضايا المرأة في كتابات قاسم أمين

ولد قاسم أمين في الإسكندرية، في ديسمبر سنة 1863، أو هذا على الأقل هو التاريخ الذي تبينه المصادر. كان أبوه محمد بك أمين- من أسرة تركية. عاش مع أسرته في حي الحلمية في القاهرة ودرس في المدرسة التجهيزية. ثم دخل مدرسة الحقوق وحصل على الليسانس سنة 1881. ثم سافر إلى فرنسا في بعثة ليدرس القانون[4].

سنذكر أهم ما جاء في كتابه (تحرير المرأة) الصادر عام 1899، لأنه واحد من أهم الكتب التي كتبها وبنفس الوقت من الكتب التي تم انتقادها وانتقاد أمين بسببه بشكل كبير وواسع. في هذا الكتاب، نجد أن أمين قام بالحديث عن مواضيع تمس حياة المرأة في المنطقة العربية في ذلك الوقت. ونادى في كتابه طبقة المتعلمين في مصر بالاستفادة من تعليمهم ومحاولة إصلاح المجتمع الذين يعيشون فيه. ويربط أمين مهمة المتعلّمين بإصلاح المجتمع من خلال فرضيته أن المجتمعات تتغير، وتتبدل ولا تبقى على حالها، بالتالي هناك ضرورة مستمرة للإصلاح. يحاول أمين في هذا الكتاب إبراز حقيقة مفادها أن أوضاع المرأة المصرية في ذلك الوقت هو سببه البعد عن الشرائع -ويقصد هنا الدين الإسلامي- وبدلاً من ذلك اتباع العادات والتقاليد. فيقول في كتابه «نرى أن العادات تتغلب دائمًا على غيرها من العوامل والمؤثرات حتى على الشرائع، فقد تتغلب العادات على الدين نفسه فتفسده وتمسخه بحيث ينكر كل من عرفه»[5]. أيضًا، يربط أمين سوء أوضاع المرأة المصرية بذلك الوقت بالاستبداد، بحيث بالنسبة له الاستبداد المطلق للحكومات انعكس على فساد أخلاق الشعب المحكوم بالتالي كل ذلك يؤثر في طريقة معاملة المجتمع للمرأة ومكانتها فيه.

نادى أمين في كتابه على ضرورة تربية المرأة، ويقصد بذلك تعليم المرأة المعارف الأدبية والعلمية[6]. وبنفس الوقت تربية المرأة على القيم والأخلاق الإنسانية. الأمر الذي -حسب رأيه- ينعكس ذلك على مساهمة المرأة في المجال العام «فضائل الأمة» والمجال الخاص «العائلة»[7]. يتحدث أمين عن أوضاع المرأة المصرية في المجتمع المصري بذلك الوقت. أهم المواضيع التي تحدث عنها هي الحجاب والطلاق وتعدد الزوجات. بالنسبة للحجاب فهو يرى أن المجتمع المصري بالغ في ذلك الوقت في طريقة حجاب المرأة واعتبره عادة مجتمعية وتاريخية وهي مغالاة بعيدة عن الدين الإسلامي. بالنسبة لأمين الحجاب الشرعي هو إظهار الكفين والوجه للمرأة وتغطية ما عدا ذلك[8]. أما بالنسبة لموضوع الطلاق، فهو يرى أن الطلاق لا يجب أن يكون حق مطلق للرجل فقط، بل هو حق للمرأة ويجب وضع قيود على الطلاق. حتى أن أمين يستطرد بالموضوع ويطرح مسودة مشروع قانون للطلاق وقيوده[9]. وأخيرًا، موضوع تعدد الزوجات. يرى أن أمين ينصح الناس بالتعدد فقط عند الضرورة القصوى، بحيث يرى أن ذلك أكثر عدلًا ومساواة للمرأة[10].

يوضح الدكتور محمد عمارة، في مقارنته لتطور فكر قاسم أمين ما بين كتابه المصريون الذي كتبه بالفرنسية وبين كتابه تحرير المرأة. أن أمين يبقى على موقفه الرافض من تولي المرأة للوظائف العمومية، ولكنه يتطور خطوة فيطلب لها أن تمارس، مثل الرجل «جميع الأعمال المدنية»، علاوة على شؤونها الخاصة. ويوضح عن ذلك في كتابه تحت عنوان «المرأة والأمة» بحيث يبين لنا كيف أن الشريعة الإسلامية فضلت الرجل على المرأة في بعض الأمور مثل الخلافة والشهادة والإمامة. ولم تنكر الشريعة الإسلامية للمرأة الحق بإدارة معاملاتها المالية الخاصة. ويقارن أمين في كتابه بين المرأة الغربية -من خلال مشاهداته أثناء سفره- وبين المرأة المصرية. ويرى أنه من الضروري أن تتولى المرأة كافة معاملاتها المدنية حتى لا تكون عالة على الرجل، وضرورة الاستفادة من قدرات النساء[11].

بشكل عام من خلال قراءتنا لكتابه نرى أن الهدف الواضح من كتابات أمين هو إثبات فرضية مفادها أن الوضع المتردي للمرأة المصرية في ذلك الوقت يرجع إلى العادات والتقاليد وليس الدين الإسلامي. فنراه خلال الكتاب يقوم بعرض ما تعانيه المرأة من قيود مجتمعية عليها، وعلى حركتها وتعليمها وغيرها من الأمور. وبنفس الوقت يوضح أن الشريعة الإسلامية لم تنادِ بذلك. وعليه بالنسبة له، يجادل أمين أنه إذا ما تخلى المجتمع المصري عن هذه العادات الخاطئة البعيدة عن الدين الإسلامي فسوف يتم تحرير وإصلاح أوضاع المرأة بالتالي إصلاح المجتمع. برأيي الشخصي، أرى أن طرح قاسم أمين هو طرح إصلاحي ضمن الدين الإسلامي، حيث إنه استشهد بالآيات القرآنية أكثر من مرة في كتابه في محاولة منه لشرح معانيها الحقيقية، وكما أشرنا سابقًا يحاول الفصل بين أسس الدين الإسلامي وبين الممارسات المجتمعية النابعة من العادات والتقاليد. ولكن بنفس الوقت، إذا ما أخدنا بعين الاعتبار السياق التاريخي والمجتمعي الذي طرح فيه أمين أفكاره عن المرأة، يمكننا أن نرى هذا الطرح هو طرح حداثي وتقدمي بالدرجة الأولى. ولهذا السبب لاقى هذا الكتاب الكثير من النقد تجاه ما تناوله أمين في هذا الكتاب.

يرى الدكتور محمد عمارة في كتابه بعنوان «قاسم أمين، تحرير المرأة والتمدن الإسلامي»[12] أن سبب الاهتمام بهذه القضايا التي طرحها أمين أكثر من غيرها، هو تمثيلها لأهم عيوب النظام الأسري السائد، ولأبرز مشاكل المرأة الشرقية، ولأخطر القيود التي تحد من إمكانيات تطورها وتحررها وكذلك -وهو هام جدًا- العلاقة الوثيقة بين هذه القضايا (الحجاب، الطلاق، تعدد الزوجات) وبين الشريعة الإسلامية، ذلك أن الجدل حول آية أو قضية بالشريعة الإسلامية تُنقل على الفور من النطاق الخاص إلى النطاق العام الذي تُشارك فيه الجماهير.

قضايا المرأة في كتابات رفاعة الطهطاوي

ولد رفاعة الطهطاوي عام 1807م. درس في الأزهر الشريف وتخرج منه عام 1822، ثم أصبح مدرسًا فيه إلى عام 1824. ثم أصبح واعظًا وإمامًا بالجيش. في عام 1831 سافر إلى باريس. كتب الطهطاوي الكثير من الأمور الهامة التي تتعلق بالمرأة خلال الزمن الذي كان يعيش فيه، وتنبع أهمية كتاباته أنها كانت تقدمية في زمن ساد فيه الفكر المُنغلق والمتحجر فيما يتعلق بقضايا المرأة.

بالنسبة للطهطاوي في موضوع المساواة بين المرأة والرجل. كان المجتمع في ذلك الوقت يرى أن المرأة خُلقت فقط لملاذ الرجل. إلا أن الطهطاوي رفض هذه النظرة. ورأى أن لا اختلاف بين الرجل والمرأة، إلا بالاختلاف اليسير فيما يتعلق بمعاني الذكورة والأنوثة. ويسلم الطهطاوي بأن الأنوثة ربما نشأ عنها ضعف في بنية المرأة، ولكنها في نفس الوقت قد تزيد من القدرات العقلية والحسية للمرأة. بالإضافة لذلك، يرى الطهطاوي أن ضعف البنية ليست صفة لازمة للنساء، بل هي نتاج لأوضاع بيئية واجتماعية، وتربوية، التي من الممكن عند الاقتضاء تغييرها ومن ثم إحلال القوة والشجاعة البدنية. وذلك عبر ضربه لأمثلة من التاريخ في اليونان، عندما أصبحت النساء تشارك في الرياضات والمصارعة، بالتالي تغيرت البنية الجسمانية للمرأة[13].

أما بالنسبة لضرورة تعليم البنات والفتيات، فيرى الطهطاوي أن التعليم مهم للإنسان سواء كان رجلا أو امرأة. فيقول في كتابه (المرشد الأمين) «ينبغي ألا تخلو أيام الصبي والصبية من إفادة واستفادة ليتحصل الذكور والإناث من صغر السن أسباب السعادة والسيادة، ولا يزال كل منهما بتوفيقه تعالى محصلاً للزيادة حتى لا يتأسف أحدهما عند الكبر على ما مضى من الأيام»[14]. وتحت عنوان «في تشريك البنات مع الصبيان في التعلم والتعليم وكسب العرفان»، نجد أن الطهطاوي أكد على أهمية تعليم البنات، لأن ذلك يسهم في مشاركة المرأة للرجل في الحياة بشكل عام. والأهم من ذلك، يرى الطهطاوي أن تعليم البنات يسهم في تولي المرأة لبعض الأعمال فهو يرى أن البطالة مؤذية للمرأة كما هي مؤذية للرجل.

في موضوع الحب بين الزوجين، قدم الطهطاوي رؤية عصرية في المجتمع الذي كان يعيش فيه. فهو دعا إلى قيام الأهل بتزويج بناتهن إلى الرجال الذين يحبونهم. ودعا إلى ضرورة قيام العلاقة الزوجية على أسس الحب والاحترام، وإلى ضرورة مشاركة كل من الزوجين في بيت الزوجية بروح تشاركية تتضمنها نفس الحقوق والواجبات. فالطهطاوي عبر تقديمه لهذه الوصايا والنصائح لكل من الرجل والمرأة نرى أنه رفض التعامل مع المرأة كأنها سلعة أو فقط وسيلة لذة، بل هي إنسان مثلها مثل الرجل[15].

في موضوع تولي المرأة مناصب سياسية في الحياة العامة، فيقول الدكتور محمد عمارة في كتابه «رفاعة الطهطاوي، رائد التنوير في العصر الحديث»، أن الطهطاوي كان يرفض تولي المرأة للمناصب السياسية العليا، وهو بذلك يوافق الشريعة المحمدية. وعلل ذلك لسببين، أحدهما أن النساء في الغالب، وصفهن النقص عن الرجال في مهمات الأمور الحسية، فلا يستطعن لما فيهن من الضعف أن يتحملن أعباء المملكة الثقيلة. وهنا يجادل الدكتور محمد عمارة أنه لا يجب أن يكون رأي الطهطاوي فيما يتعلق بتولي المرأة المناصب السياسية العامة شيء سلبي يمكن أن يُؤخذ على الطهطاوي. حيث يوضح عمارة، أن الظروف التاريخية والمجتمعية التي عاش فيها الطهطاوي كانت لا ترى بأن المرأة يحق لها تعلم الأبجدية، والأهم من ذلك أن تلك القضية وهي قضية مشاركة المرأة في الحياة السياسية لم تكن أصلاً مثارة في ذلك الوقت لا في الشرق ولا في الغرب[16].

هناك رأي آخر، يجادل أن الطهطاوي في كتابه (المرشد الأمين) على قناعة شخصية بقدرة المرأة على تولي الحكم فهو يعلن ثقته في قدراتها، وهذا يعني أنه لا يحرم السلطنة عن المرأة تحريمًا مطلقًا، وإنما يقول إنه أمر غلبي، لأنه دعا إلى دمج النساء في قضايا المجتمع العامة والخاصة، وتعزيز قدراتهن للمساهمة في العملية السياسية[17].

نستطيع الاتفاق مع الدكتور محمد عمارة أن حديث الطهطاوي عن أن تلك القضية لم تكن قضية مركزية للنساء في تلك الفترة، ولكن بنفس الوقت نرى تناقضًا في كلام الطهطاوي في كتابه (المرشد الأمين). ففي الباب الثاني من كتابه تحت عنوان «الصفات المشتركة بين الذكور والإناث والمخصوصة بأحد الفريقين»، وكما ذكرنا سابقًا، يوضح أن القدرات العقلية للمرأة لا تختلف عن الرجل، فكيف نراه يرى عدم جواز تولي المرأة للمناصب السياسية العليا بسبب مشقة المنصب نفسه بالنسبة للمرأة؟ وبنفس الوقت ذكر مثال عن عائشة زوجة الرسول، أنها جمعت ما بين علم السياسة والشريعة والطب والشعر والأنساب وغيره. بالإضافة لذلك، كان يذكر أمثلة من التاريخ اليوناني والتاريخ العربي قبل الإسلام عن تولي النساء للمناصب السياسية العليا. يمكن فهم هذه التناقض أو الكتابة الموسعة عن الموضوع من قبل الطهطاوي بأنه كان يستند لمراجع كثيرة في كتابه (المرشد الأمين) فتاره نراه يستشهد بالمأثور الإسلامي من عهد الرسول والصحابة، وتارة أخرى نراه يستشهد بالشعر العربي. وفي مرات كثيرة نراه يستشهد بالعلوم اليونانية التي قرأها وترجمها، والأهم من ذلك يربط بين المجتمع الذي كان يعيش فيه، والمجتمع الذي وجده في باريس ومقارنة الاختلافات فيما بينهم. برأيي الشخصي، بسبب الخلفية الدينية للطهطاوي وأنه كان يُدرّس في الأزهر، وبسبب تقدمية الأفكار التي كان يطرحها مقارنة بالسياق التاريخي والاجتماعي الذي كان يعيش فيه، نرى أن الإرث الإسلامي طغى على كتابات الطهطاوي. فهو حاول أن يجمع بين الإرث الإسلامي، وبين الحضارة الغربية التي زارها ضمن محاولاته لإصلاح المجتمع الذي كان يعيش فيه. إلا أننا لا نستطيع أن ننكر مدى تقدمية الأفكار التي نادى بها الطهطاوي عن المرأة وأهمية تعليمها وانخراطها في الحياة العامة مثلها مثل الرجل، والمساواة بين الرجل والمرأة في الحياة الزوجية.

خاتمة

تنبع أهمية التسليط على أفكار هؤلاء المفكرين في حقيقة مفادها -للأسف- لم تنل المرأة العربية في يومنا هذا، في القرن الحادي والعشرين المكانة التي تستحقها. عبّر قاسم أمين عن هذا الموضوع، بأن تغيير أو إصلاح مجتمع ما يأخذ وقتًا. فيقول في كتابه تحرير المرأة «ويرى المطلع على ما أكتبه أنني لست ممن يطمع في تحقيق آماله في وقت قريب، لأن تحويل النفوس إلى وجهة الكمال في شؤونها مما لا يسهل تحقيقه، وإنما يظهر أثر العاملين فيه ببطء شديد أثناء حركته الخفية»[1]. إلا أنني لا أعتقد أن قاسم أمين كان يعلم أن الأمر سيستغرق كل هذه المدة الزمنية. بالنسبة للفكر العربي المعاصر، ما تزال قضايا المرأة تعامل فيه بشكل هامشي. نلاحظ أن الفكر العربي المعاصر يتناول قضايا أخرى بشكل أساسي وجوهري مثل الديمقراطية، الاستبداد، الانتقال الديمقراطي وغيرها. ويبدو أن قضية المرأة لدى الكثيرين هي قضية هامشية لحين الانتهاء من الأشياء «المهمة». إذا كان دور المثقفين والمفكرين هو تنوير وإصلاح المجتمع، فإننا بحاجة إلى مفكرين ومفكرات عرب يتناولون موضوع قضايا المرأة في المنطقة العربية بشكل جوهري وأساسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد