يختصر الفيلسوف الألماني «نيتشه» بمقولته «إذا كنت ذاهبًا للحديث إلى امرأة، لا تنس عصاك»! آلاف الكلمات التي يمكن أن تصف حال المرأة في معظم دول العالم قديمًا وحديثًا، إلى حد كبير، بالرغم من كل الحقوق التي استطاع النساء انتزاعها على مر الزمن، وهذه الصورة النمطية للمرأة، التي كرستها أغلب المجتمعات حول العالم، كسرت نمطيتها بعض القبائل في أماكن عدّة من العالم، وسلّمت زمام أمرها لنسائها، اللواتي أدرن شئون الحكم فيها بكفاءة عالية، ورغم الاضطهاد الذين يبدو أنَّ رجال تلك القبائل يعانون منه، إلاَّ أنَّ أغلبهم يقرون أنهم سعداء بطريقة العيش المختلفة تلك، ولا ينوون التمرّد عليها، ومن هذه القبائل التي سيطرت المرأة فيها على مقاليد الحكم، وسنّت القوانين والأعراف فيها:

قبيلة خاسي Khasi

في مجاهل «الهند»، التي تضم غابة من الأديان والأعراف والتقاليد، استطاع نساء قبيلة «خاسي» أن يستلمن زمام الحكم في القبيلة، وانفردن بقوانين قدسّت المرأة، وجعلتها أساسًا لاستمرارية الحياة، وعلى عكس المعتاد، فالقبيلة تحتفل بالمولودة الأنثى، لا بالذكر، الذي يعتبر عبئًا على أسرته، والأسرة التي لم ترزق بأنثى تسعى إلى تبنيها، وبحكم قوانين القبيلة الغريبة، لا يحق للذكور وراثة آبائهم، ولا يحق لهم نسب أطفالهم إليهم؛ فالطفل ينسب إلى أمّه؛ لأنَّها هي أساس وجوده في الحياة.

كما أنَّ الرجال يمنعون من تملّك المنازل والأراضي، ويعيشون في منازل أمهاتهم أو زوجاتهم، ولا يسمح لهم بإدارة أعمال الأسرة، ولا إبداء أي رأي فيما يتعلق بالعائلة، فهو يعيش على الهامش في كل حياته.

وبالرغم من المحاولات العديدة من الستينيات إلى اليوم من بعض ناشطي قبيلة خاسي، الذين يدعون إلى مساواة الرجال بالنساء، والتخلص من التمييز الذي يمارس ضدهم، إلاَّ أنَّ محاولاتهم كلها تبوء بالفشل؛ لأنَّ الدستور الهندي يقرُّ العادات والأعراف الاجتماعية لكل منطقة، ويعتبرها قانونًا لا يجوز تجاوزه، كما أنَّهم لم يفلحوا في جذب عدد كبير من المتحمسين للمساواة؛ لاعتقاد الرجال الخاسيين، أنَّ وضع القوّة في يد نسائهم، يجنبهم الكثير من المشاكل والأمور السيئة.

قبيلة الموسو Mouso

على ضفاف بحيرة «لوجو» الصينية، تقع مملكة النساء في المجتمع الصيني؛ فالمرأة هي المشرع الوحيد للقبيلة هناك، وبيدها زمام قيادتها السياسية والاقتصادية والأخلاقية، والرجال فيها مضطهدون، حتى من لغتهم، التي لا تحتوي على كلمة «أب» في الأصل، ولا تعترف به أصلًا!

فالمجتمع أمومي بامتياز، لا يوجد للرجل دور فيه أبدًا، سوى أنه وسيلة لإنجاب الأطفال، ووجوده في حياة المرأة ثانوي جدًا؛ فهو يعيش حياته في كنف والدته، وينسب إليها، ولا يحق له مغادرة منزلها، دون إذنها، ولا يحق له أن يرثها أبدًا، ولا أن يطالب بحضانة أطفاله، ولا يسمح له بالسكن مع زوجته في بيتها؛ إذ إنَّ مفهوم الزواج مختلف عما هو معروف!

عُرف القبيلة لا يقر بوجود رباط مقدس بين رجل وامرأة، وإنما يقوم الرجل بزيارة المرأة التي على علاقة بها حين تطلبه ليلًا فقط، ولها حرية طرده متى شاءت إنهاء علاقتها به، وبالرغم من كل هذا الاضطهاد والتهميش لدور الرجل في قبيلة الموسو، إلا أنَّ رجالها لا يخفون سعادتهم بهذه الحياة، التي لا ينوون التمرّد على قوانينها، ويعتقدون اعتقادًا راسخًا أنَّ المرأة ـ بروحها الشفافة ـ أقدر على فهم الأمور ومحاكمتها، وبالتالي قادرة على حماية مجتمعهم من المشاكل والحروب، وهو أمر تقرّهم عليه الحكومة الصينية، التي فضلت عدم التدخل في أعرافهم ومعتقداتهم.

قبيلة تشامبولي الأفريقية

لا تقتصر غرابة هذه القبيلة على أنَّ ديانتها «عبادة الفنون»، كالرقص والنحت والرسم، أيضًا وسط قارّة يسودها الرجال، يبرز دور نساء قبيلة «تشامبولي»، بأنّهن الحاكمات الفعليات في قبيلتهن، ومسئولات عن أدق تفاصيلها اليومية، فيما يقضي الرجال أوقاتهم في التنافس على رضى نسائهم، ومحاولة كسب ودهن، وفيما تحظى الفتاة بتربية خاصة؛ لإعدادها لتكون سيّدة في المستقبل، لا يهتم أحد لأمر الصبيان، الذين يقضون وقتهم ملتصقين بأمهاتهن، دون أي تدخل من الأب.

وحين يبلغ الصبي الثانية عشرة، تقوم والدته ونساء القبيلة باختيار زوجة له، وعلى عكس السائد؛ حين تتزوج الفتاة، تصبح مسئولة عن بيتها، وتبدأ بالعمل لكسب رزقها، ويكتفي الرجل بأخذ مصروفه من زوجته، وأقصى طموحه أن تعامله معاملة حسنة، وأن ينال رضاها.

قبيلة الهيمبا

هي إحدى القبائل الإفريقية المستقرة في شمال «ناميبيا»، وما زالت محافظة على طريقة حياتها البدائية القديمة، والتي تُكن ـ خلافًا لكثير من القبائل ـ قدسيّة خاصة للمرأة، حتى لتخال إنَّها قبيلة خاصة بالنساء فقط؛ فالمرأة هي العنصر الأكثر فاعلية في المجتمع، وتقوم بالأعمال والأعباء التي تتطلب جهدًا، كتربية المواشي، وجلب الحطب، وبناء المنازل، وتربية الأطفال؛ لاعتقادهم أنَّ المرأة أقدر على أداء هذه الأعمال من الرجال، ولديها ما يكفي من الحكمة لتدير شئون القبيلة، دون تدخل من الرجال، الذين يقضون جُلَّ وقتهم في شرب الخمر، والتسكع، دون عمل.

قبائل «كيريوينا»

شمال شرق أستراليا، تعيش على سواحل «غينيا الجديدة»، قبائل من السكان الأصليين للبلد، يؤمنون أنَّ المرأة خلقت لتكون في سدّة الحكم، وهي أقدر على السيطرة واتخاذ القرارات، ومن معتقداتهم الغريبة أنَّ المرأة تحمل بواسطة أرواح الأجداد الصالحين، وبالتالي فالرجل شخص هامشي جدًا في حياتها، والرجال ـ في هذه القبيلة ـ مكتفون بتربية الأطفال، وأداء الأعمال الزراعية، وتنفيذ أوامر سيدات القبيلة، وفي كل عام يحتفلون بيوم «تجديد الطاعة»؛ إذ يجتمع رجال القبيلة؛ ليقدموا الهدايا للنسوة في أسرهم، ثم لنساء القبيلة كافة؛ وذلك تعبيرًا عن إذعانهم بالطاعة لهن.

قبائل مينانغابو

أكبر تجمع في العالم تحكمه النساء؛ إذ يؤمن أربعة ملايين شخص، في جزيرة «سومطرة» في إندونيسيا، بأحقية المرأة في الحكم، وقدرتها على السيطرة على الأمور بحكمة، وبالتالي سلموا لها كل زمام الأمور، ومع أنَّ رئيس القبيلة رجل، إلا أنه منصب فخري، لا يملك صاحبه أية صلاحيات، وبإمكان نساء القبيلة عزله في أي وقت شئن؛ إن أعرض عن تنفيذ أوامرهن، كما يجب، ومن القوانين السائدة ـ أيضًا ـ أنَّ الرجال لا يرثون أبدًا، ولا يحق لهم امتلاك أي شيء، وتنحصر الملكية والإرث في النساء، وتتولى المرأة، عندما تتزوج، شراء منزل الزوجية وتجهيزه، ويعيش الرجل برعاية مشتركة من زوجته، التي يحق له زيارتها وقتما تطلبه، ووالدته التي يبقى، بعد زواجه في منزلها، ويخضع لأوامرها، ويحق له أن يحصل على حضانة ابنه الذكر، بعد أن يكمل العاشرة، فيما حق حضانة الفتيات ينحصر تمامًا بالأم التي يجب عليها تعليم ابنتها طرق عيش القبيلة وقوانينها، وكيف يجب أن تعامل الرجال في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد