لطالما كان الفهم الخاطئ للدين، والتفسيرات المختلفة لأحكامه على نطاق واسع لتتناسب مع مصالح كل فرد، وتتماشى مع ما يصبو إليه، والتشدد الذي يحرم كل ما أحل الله، هو أمر اعتبره كثيرون مجرد اختلاف في وجهات النظر، وهو الاختلاف الذي تعدى مع الوقت كونه رأيًا ضمن مجموعة اختلافات كلها تؤدي إلى الصواب في النهاية؛ ليغدو تطاولًا وتعديًا على الدين، ونسب ما ليس فيه إليه، واعتباره المبرر والحجة التي تبنى عليها أركان أي جريمة معاصرة، ولعل عواقب ذلك ونتائجه باتت أكثر وضوحًا للجميع متمثلة في ممارسات داعش وطالبان وبوكو حرام وحتى في أنظمة بعض الدول، حيث اعتبر كل منهم نفسه صاحب الرأي السديد ووجهة النظر الأصح في الدين والأكثر تدينًا وحبًا للرب عمن سواه؛ وبالتالي الأجدر بأن يتّبع سواء أكان ذلك بالترهيب أم الترغيب على اعتبار أنه الأعلم بما يصب في صالح الناس أكثر منهم، ليكون التأكيد على تدينهم الزائف تارة، وسوء نواياهم تارة أخرى، هو وسائلهم التي سلكوها للتقرب إلى الله المليئة بالدماء وسبلهم الممهدة بجثث الآلاف من ضحاياهم ليثبتوا جهلهم بالدين الذي ترتكز أولى مبادئه على إفشاء السلام وتحريم قتل النفس البشرية إلا بالحق الذي اعتبر أيضًا الجميع أنفسهم أهل له وتوحشوا في القتل والتعذيب.

ولعل المراقب للعقود الأخيرة الماضية والمعايش لأحداث الحاضر، سيجد أن الإسلام كان وما زال أكثر الأديان التي ارتبط اسمها بالإرهاب والقتل، والذي لا يعود لخلل فيه كما يعتقد بعضهم أو كما ترسخ في أذهان كثيرين، وإنما لخلل في عقول أبناء ذلك الدين، فمنهم من استغله لإلصاق جرائمه وتبريرها به مستشهدًا بأحكامه بصورة خاطئة وفي غير موضعها بما في ظاهره يؤيد فعلته ومعناه الحقيقي ينفي ذلك، ومنهم من اتخذ من التفسيرات الخاطئة والتشدد مذهبًا له وأغلق عينيه عما دون ذلك لتكون النتيجة واحدة وهي إراقة الدماء، كما لا يمكن إغفال الدور السياسي الذي ساهم في تفاقم الأمر بدعم ذلك وتسليط الضوء عليه بما جعله يبرز على الساحة الدولية بشكل فعال ليحقق مصالح العديد من الأطراف مستغلين بذلك حالة التخبط والاختلاف بين الفقهاء الموجودة منذ قديم الأزل وضعف الآليات التي من شأنها أن تكون رادعًا للتطرف الديني.

ولا يمكن الحديث عن نتائج وآثار الفهم الخاطئ للدين، وبالتحديد الإسلام واستغلاله دون أن يطفو على السطح ما يعد عارًا على أية أمة وتاريخ مظلم سيتمنى الجميع لو يزول، وهو انعكاس تلك المفاهيم على وضع المرأة التي كانت على مر التاريخ وما زالت الضحية الأولى، والمتضرر الأكبر نتيجة توغل تلك المفاهيم في المجتمع، فكانت الحلقة الأضعف التي يقع عليها الظلم باسم الدين لمبررات وحجج واهية، لا لشيء سوى لكونها امرأة يمكن السيطرة عليها لإظهار النفوذ والقوة وإثباتهما، والذي كان من قبل لا يتجاوز حالات فردية لنساء يعشن في ظل نظام عائلي لا يمكن كسر قيوده، ليصبح بعد ذلك حالة عامة تعاني منها نساء دول بأكملها في دول تحولت بين ليلة وضحاها إلى الحكم الإسلامي، ولكن كان ذاك الإسلام الزائف السياسي وليس الإسلام الصحيح.

وكان في مقدمة تلك الدول وأبرزها إيران، والتي تعتبر المرأة فيها كأغلب النساء في العالم الإسلامي بل والعربي أيضًا التي ما إن تحصل على حق من حقوقها حتى تفقد الآخر في المقابل، بالإضافة إلى العراقيل التي تقابلها يوميًا أثناء ممارسة حقوقها المقرة لها، فلم يخطر بأذهان أولئك النساء الذين خرجن للمطالبة بما ينقصهن من حقوق عام 1979 حاملين شعار الثورة الإسلامية جنبًا إلى جنب مع الرجل أن الإسلام المقصود آنذاك لم يكن ذلك الحقيقي العادل الذي ناشدوه وانتفضوا خلفه، وأن تلك الثورة ماهي إلا سببًا مستقبليًا لاستعبادهن لا لتحريرهن كما اعتقدن؛ فذلك العام كان فعليًا الأخير في عهد احترام المرأة والتعامل معها كمواطن له أولوية لا كمواطن من درجات أدنى عليه أن يقبل بما يقدم له شاكرًا، حيث أدركت المرأة الإيرانية منذ اليوم الأول لإعلان الجمهورية الإسلامية مدى فداحة الخطأ الذي وقع بحدوث تلك الثورة، فقد أسس الخميني قائدها منذ ذلك الحين نظامًا ديكتاتوريًا، الاعتراض فيه يعني الموت، وبالتالي لم تحصل على أي من الحقوق التي سعت لها وطالبت بها، بل خسرت ما كانت تتمتع به أيضًا من حقوق؛ حيث بدأ النظام بتضييق الخناق على المرأة وسلبها حقوقها الواحد تلو الآخر؛ فكان أول ما بدأ به هو الحجاب الذي لم تكن المرأة هناك مخيرة يومًا في ارتدائه، وكان يرجع أمره دائمًا إلى الحاكم والاتجاه السياسي للدولة، فبعد أن كان ارتداؤه محظورًا في الثلاثينيات لتوجه الدولة الغربي جاء النظام الجديد ليفرضه لتوجه الدولة الإسلامي؛ حتى أصبح الحجاب رمزًا للحكم والسياسة ترتديه المرأة وتخلعه إرضاء للنظام لا إرضاء للرب.

ولم يوفر النظام السبل أو الجهد في تطبيق قوانينه بالقوة والقمع على مدار السنوات وحتى اليوم بل، ازدادت تلك الأساليب وحشية غير عابئ بحقوق المرأة أو صون كرامتها كما صانها الإسلام، فاستحدث الشرطة السرية التي من شأنها مراقبة النساء المخالفات لأوامر النظام وشرع في توسيع حدود سلطاتها وزيادة انتشارها كل عام تقريبًا، وهو ما قامت به الحكومة في أبريل من العام الجاري؛ حيث نشرت أكثر من سبعة آلاف من الرجال والنساء التابعين للشرطة السرية بلباس مدني لتعزز بهم من قوة شرطة الآداب والأخلاق المنتشرة في شوارع طهران وباقي المدن لمراقبة الحجاب الشرعي ومدى التزام النساء به، وهي الشرطة المنوط بها توبيخ كل من تخالف وإهانتها أمام العامة أو اعتقال من تبدي استياءها أو تعترض، وفي إشارة فاضحة على مدى تدني نظرة النظام إلى المرأة، ظهرت مؤخرًا أيضًا جماعات متطرفة تجوب الشوارع وتلاحق الفتيات حتى في سيارتهن لتلقي بالأسيد والمواد الحارقة على وجه من تجدها مخالفة وغير ملتزمة، وهي الجماعات التي تحاول الحكومة التبرؤ من تهمة التواطؤ معها، ولكن دون جدوى، حيث غالبًا ما يتمكن مرتكبو تلك الجرائم من الفرار، وللصدفة المثيرة للتهكم في حال تم الإمساك بهم تخرج تصريحات الشرطة معلنة أن ما حدث كان نتيجة خلافات شخصية حتى وصل عدد الحالات في 2014 فقط إلى 318 حالة منها ما أدت إلى الوفاة أو التشوه التام.

ولم تتوقف محاولات إحكام السيطرة على المرأة عند أمر الحجاب فقط، بل امتدت لتطال حتى أكثر الأمور شخصية، حيث تعد قائمة المحظورات في إيران طويلة لا تنتهي ليصبح الأمر أكثر إذلالًا، فالمرأة هناك ممنوعة من وضع مساحيق التجميل أو طلاء الأظافر خارج المنزل، كما يُمنع عليها ارتداء الأحذية التي تكشف القدم في الصيف أو الأحذية الشتوية العالية، ولابد على المرأة العاملة في المؤسسات الحكومية أن ترتدي الشادور «وهو عباءة تغطي الجسم من الرأس وحتى القدم دون الوجه»، وبالرغم من أن العقوبة التي تنتظر كل من تخالف ذلك هي الغرامة المالية أو الحبس، إلا أن هناك الكثيرات منهن يخالفن الأوامر في محاولة يائسة لكسب الحرية وتحدي النظام، وهو ما يعكس بشكل واضح مدى اهتمام الدولة وحرصها على أن يكون كل ما هو ظاهر للعلن يوحي بالإسلام، حتى وإن كفر الباطن به، دون محاولة حتى لإقناع العقل أو إشباعه بالمنطق من وراء ذلك، وكأن الجنة التي يدّعون أنها مبتغاهم يدخلها الناس بالمظهر فقط لا بإيمان قلوبهم.

ولم تترك الدولة متنفسًا للحرية حتى في الفضاء الإلكتروني أو ثغرة يتمكن البعض من خلالها التحليق خارج السرب؛ حيث يعاقب القانون الإيراني كل فتاة تنشر صورًا لها دون حجاب عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وتصل عقوبة ذلك إلى السجن أو الجلد، وهو ما حدث بالفعل مع العديد من الممثلات الإيرانيات كصدف طاهريان التي نشرت لها صورة على الانستجرام دون حجاب لتمنعها وزارة الثقافة من التمثيل ويتم ملاحقتها قضائيًا حتى اضطرت إلى الهرب خارج البلاد، وغيرها كثيرات ممن حذون حذوها ويقبعن في ظلمات السجن أو تحتفظ أجسادهن بعلامات السوط لتمنعهن من تكرار ذلك.

 

وكعادة كل من يتشدق بالدين آخذا بقشوره دون فهم وكصفة مشتركة بينهم، لابد أن نجد الأغلبية العظمى من حقوق المرأة القانونية لديهم مسلوبة على عكس ما ينص الدين الصحيح؛ حيث لم تسمح إيران بتشريع قانون يجرم العنف ضد المرأة رغم تحريمه في الإسلام، بالإضافة إلى منع تعيين المرأة كقاضية منذ قيام الثورة، كما أصبح إقدام المرأة على فتح حساب بنكي أو السفر للخارج أمرًا يحتاج إلى تصريح من ولي أمرها، أما الطلاق والذي تُعرف شروطه بوضوح في الدين اعتمادًا على مبدأ إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فهو حق اعتبرته الحكومة الإيرانية حصرًا على الرجل، أما المرأة وإن أرادت ذلك فعليها إقناع القاضي بأسبابها ليسمح لها بذلك أو لا يسمح لتُكمل حياتها بعد ذلك كما تريد الدولة لا كما تريد هي.

وبالتأكيد في ظل تلك البيئة لن يكون تعليم الفتيات أيضًا بعيدًا عن دائرة الاضطهاد؛ حيث كان رد النظام على تقرير اليونسكو الذي يشير إلى ارتفاع نسبة النجاح بين الفتيات لديهم مقارنة بالذكور لتصبح أعلى نسبة عالميًا؛ هو منع الفتيات من دراسة أكثر من 77 تخصص في 36 جامعة من بينهم الهندسة والتاريخ والعلوم السياسية وإدارة الأعمال، وهو الأمر الذي بررته الدولة بعدم ملائمة تلك التخصصات لطبيعة المرأة في استفاقة مفاجئة وغريبة من نوعها بعد وجود الآلاف من الإيرانيات الناجحات في تلك المجالات دون أن تعيقهم طبيعتهم، وهو المبرر الذي يُخفي وراءه كثيرًا من الأسباب الحقيقية، حيث يعد ذلك إشارة واضحة لمدى تخوف الدولة وقلقها حيال تقدم المرأة وارتفاع نسبة أولئك الذين يمتلكون الوعي الكافي والنضج العقلي للمطالبة بالحقوق المسلوبة، كما يشير إلى المحاولات الدؤوبة في تقليل المهن المتاحة للنساء وعدم الاضطرار إلى توفير فرص عمل لهن في النهاية لتصبح الغالبية العظمى منهن تابعًا لا متبوعًا، فيما يرى الحقوقيون الأمر من منظور مختلف كمحاولة من الدولة وخطوة مبدئية لفرض الفصل بين الجنسين في التعليم وهو الأمر الذي يؤرق الحكومة كون تلك التجمعات قد تفضي إلى التخطيط للمظاهرات أو الانقلاب، حيث دائمًا ما ينفضح ذلك الظن بالفعل في ردود أفعال الشرطة وأساليبها في التعامل مع الشعب، وهو ما كان جليًا في اقتحام حفلة تخرج لمجموعة من الطلبة في شهر مايو واعتقال 35 شابًا وفتاة، وفي سرعة غير معهودة إلا في إصدار الأحكام على المعارضين والسياسيين تم عقد المحكمة وإصدار الحكم في اليوم نفسه، حيث تم الحكم على كل منهم بـ99 جلدة وهو الحكم الأشهر في المحاكم الإيرانية على أبسط الأخطاء والتي تصنف في الأساس كحقوق في الدول الأخرى.

وبالتالي وتحت مسمى الدين استخدمت إيران كل سبل القمع، وأساليب الترهيب، وسخّرت القوانين والإمكانيات البشرية لإحكام سيطرتها على الشعب عامةً، والنساء بصفة خاصة، بما في ظاهره يخدم دينهم، وباطنه يخدم سياستهم، ولأن الهدف الأساسي وهو الوصول إلى السياسة تحقق بالفعل لم يعبأ النظام بالأضرار التي لحقت بالدين من جراء ممارساته، أو الصورة السلبية التي علقت بأذهان كثيرين أو الآلاف من النساء الذين قضين نحبهن نتيجة تلك النزعة السلطوية لتثبت اتخاذها الدين منذ البداية وسيلة لا غاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد