من أهم ما تطلبه المرأة -السوية- في الرجل هو الأمان. ذاك الأمان الروحي والنفسي، فإن الأمان البدني حق، وسلبه جريمة، الأمان الذي يجعل بيت رجلها المكان الذي لا تفكر باللجوء إلى غيره حين حزنها، فتبكي حتى تطمأن ويفرغ قلبها منه، أو تحفظه وتداريه عن العالم الخارجي ما شاءت أن تداري، والمكان الذي تضحك فيه دون حياء حتى يشبع قبلها من الفرح، تستطيع فيه أن تفرغ شحنات الجنون بداخلها تمامًا، ثم تعود حين تشاء لوقارها المصطنع الذي يخبئ طفلًا بريئًا تحت غطائه.

ذلك الأمان الذي لا تفقده حين يخرج، فنفحاته في كل أركان البيت، فقط تفقد الاستمتاع به مؤقتًا حتى يعود رجلها. تفرح إن طلب منها أن تظل سجينته، لا تعلم كيف يسعد شخص بسجن، لكنها سعيدة على أي حال، ففطرتها تساعدها على السعادة بغيرته.

«حد تعرف تبقى قدامه (إنت) وإنت مطمن وحاسس بالأمان إنه هو –دونًا عن كل الناس- مش هيسيبك ولا هيحكم عليك ولا هينتقدك ولا هيفهمك غلط. حد يبقى بيتك اللي بتحتمي فيه وإنت تعبان وبتهيّص فيه وإنت مبسوط وبترمي فيه همومك وبتبقى طبيعي جدًّا وإنت معاه، مش محتاج تمشي بكتالوج ولا تخبي نفسك منه! إحساس الأمان في العلاقة وإنك مرتاح وسايب إيدك دي أهم حاجة في الدنيا عشان يحصل تواصل وصداقة وحل للمشاكل وكل حاجة تانية!».(1)

تفتقده حين الغضب، لكنه لا يموت في قلبها، إذ تعلم أنه داءٌ مؤقت دواؤه في يديها، تسارع في إعطائه بشيء من الصبر واللين. تنيخ وتبتعد حين يثور، ثم ترتد فتستعيد أمانها من ثورته، هذا حقي فيك، أعلم أنك لن تمنعني منه.

قبل العقد تحرم المصارحات العاطفية، لكن لا بد من بوادر تعلمها، شيء يطمئنها أنه هو الأمان المنشود، وأنها لن تخطئ باختياره. تبحث عن تلك البوادر، تنظر إلى العينين، طيبتين؟ هادئتين؟ معجبتين؟ تبحث في شفتيه عن ابتسامة ما أو لمعان ما في عينيه فتعلم شيئًا تتربصه. إن لم تجد ذلك تنصت إلى ما يقوله، أو الأهم: كيف يقوله. نبراته: مطمئنة؟ أم مخيفة؟ ماذا تعكس عن معتقداته في الرجولة؟ عقيدته عنها بصفتها زوجة؟ مسؤولياته عنها بصفته زوجًا؟ كيف يَرضى وماذا يفعل كي يُرضِي؟ ما ردوده على ما صرحته من شخصها وشخصيتها؟ كيف يغضب إن اختلف معها وإلى أي مدى، وكيف يمنع نفسه من الغضب؟ كيف يُلَمِّح بما في دواخله، إن لم يستطع، هل يبدو عليه أنه يهتم؟ كل ذلك أعضاء في جسد الأمان الذي تريد أن تلقي بنفسها بين يديه.

إن وجدته، حينها ستخبر قلبها أن هذا هو فاطمئن، إن كان أماني فسلم نفسك فلست ملكي الآن.

«لم أحبك كشخص؛ بل أحببتك كوطن لا أريد الانتماء لغيره».(2)

العالم الخارجي للمرأة قاسٍ جدًا. «مرمطة» في الطرق أو المواصلات، حدة في المعاملات، إن لم يكن هناك تحرش جسدي فلفظي يمزق الجسد والروح. تريده صبورًا، حلمه أسرع من غضبه، حين تغلبها الحدة تأثرًا بذلك العالم المتوحش. تريد أُنسه لا لومه، أو ما يسمى بذلك الذي يملكها بها حين يفعل: الاحتواء. إن لم يكن الاحتواء معنى للأمان فهو الوجه الثاني لعملته.

لا تريد رجلًا يتركها في البيت نبتًا جافًّا عطشًا لماء الكلام الطيب، وتطييب الخاطر، وتهوين الآلام، والمداعبة ولو كالأطفال، ثم ذاك الغصن الجاف عليه أن يحمل أعباء المنزل من رعاية، وهو لا يجد ما يغذيه لتحمله! هكذا تخشى مصيرها فتنظر بعين الخوف تارة وعين الأمل تارة.

ومن أهم ما يطلبه الرجل -السويِّ- من امرأته، سهولة الرضا. ذلك الرضا الذي تَهَبه ولو من قليل جهد منه، فقط حين تستشعر أنه مخلص في تقديم العطايا مها ضئُلت. لا ترهقه بعظيم الطلب، ولا تشتته بكثير الفصال والأمور والمقارنات. يكفيها ما تحاول عينيه أن تترجم ما لم تستطع ترجمته شفتيه.

سيقصر بلا شك؛ فهو بشر. يريدها صابرة حتى يستجمع قواه، فعجلتها توهنه أكثر، أما رَوِيتُها له ودعمه فوقوده الذي يُحيي فيه طاقة احتمال المشاق، ثم يُبْقِى من تلك الطاقة شيئًا يكفي لينير شموع الحب في بيته لها، كرد جميل يعلم أن لا سبيل له برده إلا شكر لا يوفي به حقها، لكنه يعلم أنها ترضى به، فتزيد طاقته وهكذا لا يخرج أبدًا من بحر جميلها وجمالها.

«يطير الحمام
يحطّ الحمام
أعدّي لي الأرض كي أستريح
فإني أحبّك حتى التعب».(3)

العالم الخارجي شاق ومرهق للرجل، الرضا عند المرأة يترجم –أحيانًا- بالهدوء عند الرجل. يريدها هادئة تمتص إرهاقه، يحتاج بشدة إلى أنوثتها قبل جدها، مجرد ابتسامة بسيطة كأنما تسرب عنه أطنان مما يحمل، أو مما يظن أنه يحمله. ينتوي أن يحفظ هذا الجميل لحين استعادة قواه المنهكة. ينظر إلى عينيها ينتظر أن تروي عطشه بنظرة رضا منها، يتربصها ليتوسدها جسده فيرتاح، وقلبه فيسكن، وعقله ليعلن له فتح باب السعادة ليرد عن تلك النظرة بكلمات تحبها، ولمسات تطيبها، وأمان تعشقه.

«أريحيني على صدرك
لأني متعب مثلك
دعي اسمي وعنواني وماذا كنت
سنين العمر تخنقها دروب الصمت
وجئت إليك لا أدري لماذا جئت
فخلف الباب أمطار تطاردني
شتاء قاتم الأنفاس يخنقني
وأقدام بلون الليل تسحقني
وليس لدي أحباب
ولا بيت ليؤويني من الطوفان
وجئت إليك تحملني
رياح الشك.. للإيمان
فهل أرتاح بعض الوقت في عينيك
أم أمضي مع الأحزان
وهل في الناس من يعطي
بلا ثمن.. بلا دين.. بلا ميزان؟».(4)

فدون أمان المرأة في كَنَف الرجل، يكون البيت تحت جمر متقد سيحرقه في أي لحظة. وكم قرأنا وسمعنا عن امرأة انتظرت حتى كبر الأولاد بقدر يطمئنها عليهم -أو قبل الإنجاب أصلًا أو حتى بعده فورًا- ثم فجأة طلبت الطلاق عطشًا لرقيق الكلام، وجوعًا للحنان، وفقدانًا للأمان الذي ظنته مصدره يومًا.

ودون عثور الرجل على رضا فتاته، ينهار جسده تحت وطأة أحمال الحياة فينهدم البيت. وكم قرأنا وسمعنا عمن يبحث عن الهدوء والسكن في أحضان امرأة أخرى، في الحلال إن كان تقيًّا، وفي غير ذلك إن كان غير ذلك.

ودون الحكمة في اختيار من يُؤَمِّن الفتاة، ويُقِّرَّ عين الرجل، فسنظل في إنجاب أجيال أكثر تشوهًا، ومجتمع أكثر انشقاقًا، وأُسَر أسرع انهيارًا.

والحقيقة أن الأمان والرضا لا يشترط أن يعكسا حبًّا، بل قليل دين، وكثير احترام، وخلقًا وبعض ذوق يكفي الرجل ليقدم بهم لامرأته أمانًا تجد فيه سعادة، ويكفي المرأة لتقدم به لرجلها رضًا وقرارًا يجد فيهما راحة باله. فكما قال عمر بن الخطاب: «أقل البيوت الذي يبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والإحسان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • (1) هبة السواح

  • (2) نزار قباني

  • (3) فاروق شوشة

  • (4) فاروق جويدة

تعليقات الفيسبوك