التنافُر لا يُولد فقط بين القطبين المُتشابهين؛ لكنه يوجد – أيضًا – بين القطبين المتضادين، أمّا التجاذب فينمو بين الأقطاب المُتكاملة؛ ينقُص أحدهم شيئًا فيُعوضه الآخر. تعلمنا في كُلياتنا العِلمية أن هناك رابطة – وهمية غير حقيقية – تنشأ بين عُنصرين أحدهما موجب والآخر سالب! وهُناك تلك الروابط التي لا تنشأ إلّا عندما يتشارك مكونوها أو الترابط الذي يستمد قوته مِـن حاجة أحدهم لأن يُعطي والآخر لأن يستقبل! وبعيدًا عَن الكيمياء فإنّا هُنا نَدعي أن الرابطة الثانية والأخيرة هُما الأقوى والأصح اجتماعيًا، فالتكامُل هو سُنة اللهِ في أرضه، ولهذا كُله لا يُمكن ولا يَصح أن نقول إن الرجل والمرأة خُلقا متضادين مُتعاندين بل هما مُتكاملان. خُلقا ليُكملا دور بعضهما البعض – على المستويين الشخصي والكوني – لا لأن يستولوا على أدوار بعضهم البعض، ولا حتى أن يتشبه أحدهم بالآخر.

ولا يغرنكم تلك الرومانسية الزائفة الطاغية على قِشرة مجتمعاتنا العربية فإنها لا تُبطن إلّا عن قُنبلة موقوتة تنفجر كُل يوم، لا تحتاج لتحسسها إلّا:
-أن تسير قليلًا في أحد شوارعنا وتجلس على (قهوة بلدي) لتسمع كلام الرجال عن «الحريم» – عامةً – وعن زوجاتهم بالأخص أو كما يسمونها على هواتفهم المحمولة (الحكومة)، أو: 

-أن تحضر ندوة في إحدى الصالات الفاخرة تحكي فيها إحداهن ممن يدعين أنهن يَحمين ويُحافظن على حقوق المرأة الضائعة والمنهوبة في ذلك المجتمع الذكوري المُتعفن!

ولذا كان أمرًا طبيعيًا جدًا لا يدعو – حتى – للدهشة أن تتسابق مجتمعاتنا العربية في تصدُر أعلى نسب للطلاق. فاُم الدنيا هي الأولى عالميًا ففي الوقت الذي تقرؤون فيه هذا المقال تحدث حالتا انفصال أو أكثر بمُعدل عشر حالات طلاق كُل ساعة.
فلا مفرَ أمامنا – بعد كُل ذا – إلّا بأن نعترف بأن العلاقة بين الرجل والمرأة في بلادنا مُشوهة!

وإن كُنت أرى – شخصيًا – أن المرأةَ هي عمادُ البيوتِ، وهي الرابطُ القوي الذي يربط أفراد الأُسرة، أو كما قال د. مصطفى محمود «هي البيتُ، والرجلُ هو الضيف» (١) مُعلقًا على قوله تعالى «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» [الأحزاب: 33]، فإنْ اتفقت معي في ذلك فهذا يستلزم أن تتفقَ معي – أيضًا – في أن الزوجة يقع على عاتقها الوصول بمُجتمعها الصغير إلى برِ الأمان، فإن فشلت في ذلك – كأغلب ما هو حاصل في مُجتمعنا – فهذا يعني أن المرأة قد فشلت في واحدة من أكثر مُميزاتها، والرأي الذي يقولُ إن الزوْجةَ هي العُنصرُ الأهم هو رأيٌ يُعظم دور المرأة دون إهمال دور الرجل أو إخراجه من المُعادَلة ولكنّا نتحدث هُنا عن المُهم والأَهم؛ فالرجل السيء لا يستلزم هَدم البيت أمّا سوء المرأة فيعني تهدّم الأسرة؛ المرأة من ضمن قُدراتها الحفاظ على تماسكِ مملكتها حتى لو كانت كُل الظروف تحول عن ذلك كما أنها قادرة على هَدمها متفوقة على الظروف المُحيطة كُلها، وكلمة (الظروف) هُنا تشمل رب الأُسرة.

ونحن هُنا لا يُمكن أن نقول إن المرأةَ العربية لم تتعرض للظُلم العائلي مرة لمّا حُرمت من التعليم، ومرّة أُخرى لمّا زرعوا فيها أن الزواج هو هدفها الأسمى في الحياة، ومرّة ثالثة لما أُجبرت على زوجٍ مُعين وحياة لم تخترها، وللظُلم الاجتماعي مرات عندما يُصنفها المجتمع -أحيانًا – أنها مواطن من الدرجة الثانية. ولكن سيكون من الإجحافِ أيضًا ألّا نقول إن الرجلَ لم يتعرض للظُلم! فالمجتمعات المُفتقدة للمنطق يا عزيزي تظلم الجميع بلا تفرقة، ولكن قضية ظُلم المرأة سرعان ما انتشرت وتضخمت وذلك لأنّ المرأة تُجيد لعب دور الضحية فذلك من إحدى مميزاتها التي تستطيع بها التكيُف مع واقعها – الظالم – أحيانًا.

وإنْ كانت مُجتمعاتنا العربية تُسيء التعامُل ولا توفر الدفء اللازم بين الرجُل والمرأة، فنحن لا نرى ذلك إلّا لأننا ابتعدنا عن المفهوم الإسلامي الصحيح للعلاقات واقتربنا من المفهوم الغربي الفاسد، فأنا لا أرى في النموذج الغربي في التعامل مع المرأة – بالأخص – أية نجاحات، ولا مجال لنا الآن بعقد تلك المقارنات التي بينت عبر التاريخ كيف أهان المجتمع الغربي المرأة وكيف كرمها الإسلام! ولكن ما يُثير حفيظتي الآن أننا قابعون في منطقة المُنتصف بين ذلك وذاك، أو كما نقول في أمثالنا الشعبية (كالراقص على السلم فلم يره من هم بالأعلى، ولم يسمعه من هم تحته).

ولو كان كُل ذا من أسباب الفجوة في التعامل بين الرجل والمرأة فإنه ليس المُسبب الرئيسي لهدم البيوت، ولكن السبب أننا غفلنا عن الحقيقة الكونية التي تؤكد أنّا خُلقنا مُختلفين، أنه عزّ وجلّ خلق المرأة بطبيعةٍ مُعينة تُناسب دورها في الحياة كما فعل مع الرجل، فكما الليلُ والنهارُ مُختلفان تمام الاختلاف في طبيعتهما إلّا أنه في صُلب اختلافهم تكامُل ولو حاول الليل أن يتشبه بالنهار أو العكس لفسدت الدُنيا! لمّا تجاهلنا هذه الحقيقة بدعوى المساواة مرة والحرية مرات، ظهرت وشاعت بيننا الأفكار التي تدعو المرأة بأن بيتها ليس كافيًا لها، وكيف لكِ أن تمري بكُل مراحل التعليم تلك ثم تتفرغين للبيت والأولاد! انهضي يا امرأة واعملي كالرجل في كل نواحي الحياة، قد تُعد هذه الدعوات طبيعية – إلى حدٍ ما – ولكن ما لا يستطيع عقلي أن يُدركه أو يُحلله كيف اقتنعت المرأة بأن العمل في الحسابات والكافيهات والمعامل والمصانع وغيرها أعظم لها من أن تكونَ أُمًا وسَكنًا. كيف أقنعوها بأن إدارة مكانٍ ما مقابل حفنة من الدولارات أهم من إدارة بيتها! كيف أقنعوها بأن عملها مُربيةً لأطفال الغير مقابل بعض الأموال ستشعر فيه بكيانها أكثر من لو انشغلت بصرف العاطفة والحُب والذكاء لأولادِها هي!

وإنّا لا ندعو المرأة بألّا تعمل أو أن تتوقف عن ذلك ولكنا ندعو لترتيب الأولويات، فكما نَعيب على الرجل الذي يتوقف عن العمل مُنشغلًا بشيء أقل أهمية، فيجبُ أن نفعل ذلك مع المرأة عندما تترك ما هو أسمى لها وتنشغل بالذي هو أدنى. وإنْ كُنا اتفقنا على أن السبب الأهم للفجوة هو التغافُل عن دور كُل طرف، فوسط كُل هذا الارتباك يجب أن نُحدد بجملٍ بسيطة دور كُل من الرجلِ والمرأةِ، وفي هذا الصددِ سأسوق لكم آراء بعض أئمتنا ومُفكرينا في دور كُلٍ من الرجل والمرأةِ في المنزل وفي المجتمع، فيقول:

-الإمام الشعراوي: «الرجل له وظيفته في السعي على الرزق، ورعاية زوجته وأولاده، وتوفير أسباب الحياة لهم، والمرأة لها مهمتها في رعاية البيت وإنجاب الأولاد، وتكون سكنًا للزوج»(2).

-بيجوفيتش: «وعلى المرأة المسلمة دور لابد من أدائه وهو إنجاب أجيال جديدة وتنشئتها على الثقة في الإسلام وفي المستقبل، وهي تستطيع القيام بهذا الدور إذا أُحسن تعليمها وكانت متمسكة بأخلاق الإسلام، وسوف تساهم المرأة المسلمة في النهضة الإسلامية بقدر ما تساهم النهضة في تربيتها وتعليمها».

مصطفى محمود: «أولوية المرأة هي البيت، وبناءُ الإنسان، أما ما يلي ذلك من بناء للحجر وللمصانع والكباري وغيرها من الأمور المادية فهي مسؤولية أدنى وتقع على عاتق الرجل».

ويتضحُ من ذلك كُله أن للمرأة دورًا عظيمًا يتوافق مع طبيعتها التي فُطرت عليها، وهو الدور الأهم في الحياة. ولو كان هذا هو دورها الوحيد لكفاها، ولكننا لا ندعي ذلك فالمرأة لها أن تعمل في كافة النواحي ما دام عملها هذا لم يؤثر على رعايتها لبيتها ولأولادها، لها أن تعمل ما دامت لم تنشغل عن دورها الفِطري والكوني العظيم. وأكثر من ذلك فالمرأةُ قد يتوجب عليها العمل أحيانًا! وتقسيم الأدوار بين طرفي الأسرة لا يعني انعزال كُل منهم بدوره فلا عيبَ على كليهما أن يتشاركا بل يجب عليهما أن يساعد بعضهم بعضًا.

والرأي الذي يدعي أن انشغال المرأة أو الرجُل بالأدوار الفرعية عن أدوراهم الرئيسية يخلق أُمة مُدمرة مترامية الأطراف ليس فيه أي مُبالغة. فالأمر يؤثر – أول ما يؤثر – على أطفال ذلك البيت، فالانشغال عنهم أو تركهم للغير في أولى فترات حياتهم يهدم قدراتهم ونفسياتهم، وأي مُجتمع هذا قد يتقدم في ظل غياب الدفء الأُسري المُناسب للتنشئة السوية لأفراده.

فيا سيدتي، أُماه وأُختاه؛ ليس لي عليكم إلّا أن أقول ناصحًا نصيحة الأخ لأُخته والابن لأُمه «رفقًا يا قوارير». دعي شقاء الرجُل للرجل فلهم بناء الحجر ولكِ بناء البشر؛ فهو أعظم وأقوى، وإن حاولت الحداثة الحمقاء خداعكن، فلمّا أمرنا سيد الخلق ﷺ بالرفق بكم كان أمرًا يحمل -أيضًا – في طياته الحفاظ على نواة المُجتمع الإسلامي قوية ثابتة الجذر وفرعُها في السماء، فرفقًا بالقوارير ورفقًا «يا» قوارير على بيوتكن، وأطفالكن، وأنفسكن!  

وقد كنت أعلم أن الدخول في هذا الأمر يجعل منه كأنك «تسير في حقلٍ للألغام» تتحسس قُنبلة موقوتة خاملة ولذا حاولنا في مقالنا هذا أن نرصُد ونصف الواقع بموضوعية على قدر نظرنا وعقلنا المحدود دون أدنى محاولة للتجني أو لظلم طرفٍ دون الآخر فلستُ أنا الكاره للمرأة أو المؤيد لها دائمًا ولا أرى من الأساس أن ذلك أو تلك قد يصح، وإنّا نتحدث هُنا عن الحالات العامة أمّا تلك الاستثنائية فهي تؤكد القاعدة ولا تنفيها. ونُكرر ما تم ذكره في المُقدمة أن العلاقة بين الرجل والمرأة لا تتطلب عداء أو حتى مُنافسة من أي نوع فهما قطبا الحياة التي لا تستقيم دونهما، والآراء في هذه المقالة ليست أحكامًا نافذة بل إنها تقبل النقد، فلو كنت مُختلفًا مع إحداها أو مع كلها – فقط – اجعلني أعلم رأيك بكتابته في ذلك المستطيل الذي يُذيل المقال ومكتوب بأعلاه «التعليقات» وإن كنت مؤيدًا أيضًا لا تبخل برأيك ولا تبخل بإثراء النقاش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

١-رأي د.مصطفي محمود في عمل المرأة
٢- الشيخ الشعراوي في "الرجل والمرأة"
٣-
ضرورة عمل المرأة للشعراوي
عرض التعليقات
تحميل المزيد