في مدينة الموصل خلال العامين الماضيين عشنا ما عشنا من مآس ومحن: فتفرقت العوائل، وتشتتت في كل صوب، منهم من أصبح خارج العراق، ومنهم من أصبح في إحدى المدن العراقية الأخرى، أركز اليوم على موضوع النساء وجهودهن وتحملهن للمصاعب خلال الفترة الماضية، قبل أيام ذهبت للساحل الأيمن للموصل برفقة مجموعة من الشباب لإيصال المساعدات للأهالي المتواجدين في المناطق المحررة.

المهم أكملنا وانتهينا من التوزيع، وفي طريقنا للعودة، وقرب ما تعرف بسيطرة العقرب، والتي يصل إليها كل النازحين من الجانب الأيمن، فرأينا امراة ملقاة على الأرض، تصرخ، وبجانبها رجل يبلغ من العمر 40 عامًا، وهو يصرخ أيضًا، ويبكي بكاء كأنه طفل حديث الولادة، أوقفنا السيارة، ونزلنا فسألنا الجنود: ما الذي يحصل؟ فقالوا لنا: إن هذا الرجل يأتي يوميًا إلى هذا المكان، ويبقى واقفًا لينتظر أمه التي من المتوقع إن تحررت أنها ستنزح من هذا المكان، فهو يأتي بشكل يومي، لكن بدون جدوى، وفي تلك اللحظة عثر على أمه بعد أن غاب عن أعينها سنتين.

اللحظات الأولى للقاء الذي جمع بين الأم وولدها، لم يستطع أحد أن يتحمله، فكلنا بقلوبنا القوية لم نتمالك أنفسنا أمام ذلك المشهد الذي نراه في الأفلام والمسلسلات، ولم نعشه يومًا حتى إن عناصر القوات الأمنية وكل من كان هنالك فاضت أعينهم من الدمع بسبب ما رأوه؛ فذلك الرجل، بالرغم من كبر سنه، لكنه كان يتصرف تصرفات الصغار، فكان ملقى على الأرض، والتراب يملأ جسده، وكان يقبل أمه من يديها ورجليها؛ لأنه لم يتوقع أن يراها مرة أخرى؛ فهي كانت في عداد الموتى، لا سيما وهي امرأة كبيرة، ولا تستطيع إعانة نفسها، فكيف ستنجو من هذه الحرب، قمنا بأخذ الأم وابنها، وأجلسناهم في سيارة وحدهما وهما متحاضنين، متعانقين وأوصلناهم إلى منزل ابنها الذي يسكن في منطقة تسمى حمام العليل، إلى حين ما أوصلناهم الصدمة لم تفارق ابنها. طوال العامين الماضيين تحملت هذه الأم كاهل ومسؤولية أفراد عائلتها بعد أن غاب ابنها المعيل لهم بعد سفره خارج المدينة.

وكثيرة هي الحالات مثل هذه منهم من فقد أمه بسبب الحرب والقتل أحد الشباب تم اعتقاله من قبل داعش وبقي لديهم مدة طويلة وأمه تبحث عنه ولا تدري أين هو، حتى فيما بعد قام تنظيم داعش في الموصل بتعليق الشهداء على أعمدة الكهرباء في شوارع المدينة فبدأت هذه الأم تبحث عن ابنها في أعمدة الكهرباء، طبعًا منظر لا يوصف ومشهد قاس رأيته بأم عيني حينها حين أقبلت الأم على ولدها عندما وجدته معلقًا على أحد أعمدة الكهرباء وجهه مغطى بالدم فأحضرت الماء وبدأت بتغسيل وجهه وهي تحدثه لماذا تركتني يا عزيزي؟ لماذا رحلت عني؟ فتركته وذهبت وكانت تعود إليه في أوقات أخرى بسبب وجود عناصر داعش بالقرب من هذا الشهيد، أكتب الآن وقلبي يعتصر ألمًا عن ما حدث مع هذه الأم، أين الإنسانية، أين الرحمة، أين المعتصم الذي استجاب لامرأة نادته على بعد آلاف الأميال، في ذلك الحين وقفت كل القيم والمبادئ مذهولة أمام تلك اللحظة ومثل هذه القصص كثير، وهنالك أمهات فقدت بسبب المرض حيث مدينتنا الموصل شهدت ما شهدت خلال العامين الماضيين حيث فقدت الأدوية والمرضى يموتون واحدًا تلو الآخر، للأسف توفي الكثير من النساء والسبب كان فقدان علبة دواء صغيرة لأن المدينة كانت محاصرة وداعش يمنع الخروج منها لأي حالة كانت وإن سمح لك بالخروج يجب عليك رهن دارك حتى تعود إلى المدينة.

الحال الذي وصلنا إليه أجبر بعض الرجال على ترك أمهاتهم والخروج من المدينة وهذا ما حدث عند الكثير، قد تكون الحياة ببعض الأحيان غالية جدًا حتى يجبر الرجل على ترك أمه والتوجه إلى بر الأمان، ورُبّ رجال تركت نساءها بسبب إعدامهم من قبل داعش أو مقتلهم إثر قصف جوي فترك آلاف الرجال آلاف الأطفال خلفهم فتحملت النساء العبء الأكبر بعد فقدان أزواجهن. أنا أتكلم عن حقائق ووقائع وليس عن كلام من تأليفي.

في أثناء السنتين الماضيتين بعض النساء كانت تكد وتعمل بالخفاء لجلب لقمة العيش لأطفالها، منهن من كان تبيع اللبن، ومنهن من كانت تعمل في خياطة الملابس، حتى وصل الحال بالكثير أن يبعن ممتلكات منازلهن؛ لكي يجلبن الطعام لأطفالهن، وواجه النساء ما واجهن من مصاعب، فلم يكن هنالك وقود أثناء الحرب؛ مما اضطرهن للطبخ على الخشب، ومع ذلك تحملن تلك المعاناة، وصبرن.

والآن بعد تحرير الموصل لم تكتف نساء الموصل بالقعود في منازلهن والاكتفاء بالمشاهدة فقط، بل كان لهن اليد الكبرى في نهضة المدينة ومساعدة النازحين، حيث شاركت النساء في حملات التبرعات لإغاثة النازحين، وحيث إن بعض النساء يتنقلن من دار إلى أخرى لجمع التبرعات لإغاثة أهلهن المحتاجين، وشاركن أيضًا بحملات تنظيف الشوارع والمدارس، حيث كل منهن قامت بدورها في تنظيف مدرستها، والجامعات أيضًا ما زالت بها حملات التنظيف، حيث تقوم النساء بجهود جبارة بمساعدة الشباب في تنظيف الكليات وإعادتها لأبهى صورة لكي يستأنف الدوام في نهاية العام الجاري، ما لوحظ اليوم هو بروز العنصر الشبابي من النساء في إعادة تأهيل المدينة، وما قدمنه لمساعدة شبابنا في مجالات أخرى لا تعد ولا تحصى.

وأخيرًا، تحية حب واحترام لنسائنا وشبابنا لدورهم الفعال في مجتمعنا والنهوض به. وتحياتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد